كيف كتبت السيرة المحمديّة؟ (2/1 )

ما هي المعطيات الشفويّة التي تمّ تداولها بعد أن توفّي النبيّ محمّد (صلعم) سنة 11 هـ./632 م والتي اتّخذت لها حياة هذا النبيّ موضوعًا؟ وما طبيعتها؟ وكيف تمّ تداولها؟ وما هو المسار الذي سلكته وأدوات الإنتاج (أو بالأحرى إعادة الإنتاج) التي خضعت لها إلى حين استقرارها في شكلٍ مكتوبٍ ضمن المصنّفات التاريخيّة، عموما، ومصنّفات السيرة النبويّة، على وجه التحديد؟
تلك هي أهمّ القضايا التي يثيرها الباحث غريغور سكولار Gregor Schoeler أستاذ الدراسات الإسلاميّة بجامعة بازل السويسريّة في كتابه الصادر أخيرا (2011) عن دار نشر Routledge النيويوركيّة-اللّندنيّة ضمن سلسلة “دراسات في الإسلام القديم”.
 
يكتسي هذا الكتاب أهميّة فائقة، لا بالنظر إلى نوعيّة الأسئلة التي يطرحها (وهي أسئلة نكاد نجزم بأنّها تتنزّل في نطاق اللاّمعهود واللاّمفكّر فيه بالنسبة إلينا كعرب مسلمين) بل أيضًا لأنّه كتاب مظلوم، فقد ظلّ خمس عشرة سنة بالتمام والكمال قابعًا في سجن اللّغة الألمانيّة، لغته الأمّ التي نشر فيها منذ سنة 1996 تحت عنوان Charakter und Authentie der muslimischen Überlieferung über des Leben Mohammeds (خصائص وموثوقيّة المرويّات الإسلاميّة عن حياة محمّد) إلى أن أطلق المترجم أوفه فادجلبوهل Uwe Vagelpohl سراحه وفتح له الباب على مصراعيه ليحلّق عاليا بجناحَيْ اللّغة الأنجليزيّة الأكثر شيوعا واستعمالا في الأوساط العلميّة العالميّة… خمس عشرة سنة بالتمام والكمال لم يُـخْـفِ إثرها غريغور سكولار ابتهاجه بصدور الطبعة الإنجليزيّة للكتاب اقتناعا منه بأنّها ستوسّع دائرة القرّاء وستتيح لعمله أن يُقدّر حقّ قدره وأن يجد مكانه الأليق إلى جوار مئات الدراسات الغربيّة التي اتّخذت لها حياة النبيّ محمّد (صلعم) موضوعا.
 
ولأجل مساعدة القارئ على إدراك الإضافات التي ينطوي عليها الكتاب (في تقدير صاحبه على الأقلّ)، وضع غريغور سكولار مقدّمة مطوّلة بعض الشيء امتدّت على تسع عشرة صفحة استعرض فيها مجمل ما أُنجز في نطاق ما يسمّيه المستشرقون أو علماء الإسلاميّات الغربيّون “مبحث الدراسات المحمّديّة”.
جرت العادة لدى الكتّاب الغربيّين (الأنجلوسكسونيّين خاصّة، والفرنسيّين بدرجة أقلّ) أن تكون مقدّمات أعمالهم موجزة، وأن يذهبوا فيها مباشرة إلى القصد وإلى صلب الموضوع دون إفاضة أو ثرثرة. وعلى نهجهم تعوّد المسيرَ مُراجعو الكتب ومقدّمو الإصدارات الجديدة. فغالبا ما يكتفي هؤلاء بإجمال القول في ما جاء في مقدّمات الأعمال التي يعرّفون بها ثمّ ينصرفون إلى الجوهر الذي يبدو لهم أكثر أهميّة وقيمة.
ولكنّنا في تقديمنا لهذا الكتاب وفي تعريفنا به سنخالف القواعد المرعيّة، تماما كما خالفها قبلنا صاحب الكتاب ذاته اقتناعًا منّا بأنّ ما يمكن أن نسمّيَه “موجز تاريخ الدراسات المحمّديّة” الذي ورد في مقدّمة الكتاب لا يقلّ أهميّة عن محتوى الكتاب ذاته.
 
التاريخ الذي أغفله أهله!
لم يكن محمّد (صلعم) شخصا عاديّا، ولا أحد يمكنه أن يدّعي خلاف ذلك، بمن فيهم هؤلاء الذين نسمّيهم باستهجان “مستشرقين” وغالبا ما نصبّ عليهم جام أحكامنا المسبقة. لقد كان محمّد (صلعم) شخصا استثنائيًّا بكلّ المقاييس باعتراف بعض المصادر غير الإسلاميّة الموغلة في القدم هذه التي احتفظت لنا بإشارات غاية في الاقتضاب يتّضح لنا من خلالها أنّها لم تعرف شخص النبيّ محمّد (صلعم) مباشرة بقدر ما عرفت أتباعه القادمين من عمق صحرائهم إلى أراضي بيزنطة وفارس.
ولأنّ الشخصيّات العظيمة تصنع أقدار غيرها من البشر وتغيّر مسار التاريخ، فإنّ قدرها ذاته يُـحَـتِّـمُ عليها أن تُعامل معاملة استثنائيّة بمعايير علم التاريخ الذي تركت فيه أثرها وفعلت فعلها، وذاك شأن النبيّ محمّد (صلعم).
ومن معايير هذا العلم أن تتمّ دراسة حياة أيّة شخصيّة تاريخيّة عظيمة بالاستناد إلى مخلّفات ماديّة، بل بالاعتماد على مخلّفات غاية في المادّية إلى درجة أباح علماء التاريخ لأنفسهم نعتها بـ”الفيزيائيّة” (physical remains) وهم يَعْنُونَ بذلك، من بين ما يَعْنُونَ، المعالم الأثريّة والمسكوكات والنقائش. ولكنّ محمّدا (صلعم) لم يخلّف وراءه موادّ كهذه يمكن الانطلاق منها والتعويل عليها لإعادة كتابة سيرته. فلم تبق بين يـدَيْ الدارسين إلاّ نصوص تمّ جمعها وتصنيفها قرنَيْن على الأقلّ بعد الأحداث التي كانت حياة الرسول مسرحًا لها.
 
من هذا المنطلق وفي ضوء المعايير التي حدّدها علماء التاريخ وألزموا بها أنفسهم، يمكننا القول إنّ أيّة دراسة لحياة الرسول محمّد (صلعم) تبدو مستحيلة، أو هي -على أقلّ تقدير- قاصرة محدودة، فالمعطيات الماديّة (بالمعنى الحرفيّ، أي الفيزيائيّ، للكلمة) مفقودة (ومن يدري، فلعلّها غير موجودة أصلا!)؛ أمّا المعطيات النصيّة فمن الصعب الاطمئنان إليها لأنّها تنطوي على فجوة زمانيّة هائلة تفصل بين زمن وقوع الأحداث (أو ما يفترض أنّها أحداث فعلاً!) وزمن تدوينها والارتقاء بها إلى مستوى الشهادة التاريخيّة المعتمدة، أو الجديرة بالاعتماد.
 
ما من شكّ في أنّ مثل هذا التمشّي المنهجيّ يبدو بالنسبة إلينا، نحن العرب المسلمين، غاية في الصرامة إلى حدّ الإجحاف؛ بل ربّما بدا في نظر عامّة الناس منّا غير ذي موضوع لأنّنا تعوّدنا التسليم بما يُتداول على أساس أنّه من المعطيات التاريخيّة المقطوع بصحّتها تماما مثلما تعوّدنا الخضوع للآليّات التي تتمّ وفقها إعادة إنتاج هذه المعطيات كما وصلتنا وكما لقّنوها لنا.
 
لم نتعلّم أثناء تعالمنا من الماضي، ماضينا، أن نضع نقاط الاستفهام ولا نقاط التعجّب، لم نتعلّم حتّى أن نضع -من حين إلى آخر- هذا الحدث أو ذاك بين معقّفين أو بين قوسيْن للدلالة على أنّ شكًّا ما ينتابُنا أو أنّ حيرة ما تهبّ علينا (حتّى لا نقول إنّ الحيرة تلك تعصف بنا!). لم نتعوّد شيئا من هذا ولا من ذاك ونحن نقرأ التاريخ أيّ تاريخ، تاريخ من سمّيناهم الخلفاء الراشدين، أو تاريخ بني أميّة أو تاريخ بني العبّاس أو تاريخ المماليك، فهل ترانا قادرين حقّا على أقلّ منه ونحن نقرأ تاريخ محمّد (صلعم) وسيرته؟! قطعًا لا!! فقد أُسدل على هذا التاريخ حجابٌ من القداسة وتمّ التسليم به كما هو (أو بالأحرى كما بلغنا!) دون أن يتاح لنا -حقّا- أن نغوص في تفاصيله وجزئيّاته.
 
ولأنّ الكثير من مؤرّخينا تقاعسوا عن مثل هذا الدور ولم يُـقدموا على القيام به ولم يتجرّؤوا على طرح الأسئلة التي كان جديرًا بهم طرحها؛ ولأنّنا اكتفينا من تاريخنا بإسدال حجاب القداسة على لحظته التأسيسيّة؛ ولأنّنا بلغنا درجة التفنّن في نسج هذا الحجاب قرنًا بعد آخر في مدارسنا وفي خطب وعظنا وإرشادنا وفي أفلامنا ومسلسلاتنا التاريخيّة التي ليس فيها من التاريخ إلاّ الاسم؛ لذلك كلّه، صار تاريخنا شأنا غريبا عنّا.
 
لا مناص لنا اليوم من أن نصرخ ملء أفواهنا: يا قوم، كنّا غافلين فسُرق تاريخنا منّا ودرسه الآخرون نيابة عنّا!! ولكن كيف درسوه؟ وهل كانوا منصفين في درسه؟
 
نقاش متواصل… ومواقف متضاربة:
أمّا عن الإنصاف، فقد كانوا منصفين لأنّهم أجمعوا على أنّ حياة النبيّ محمّد، تمثّل -من زاوية نظر علميّة- مسألةً على غاية كبرى من الأهميّة. وأمّا عن كيفيّة دراستهم لتلك الحياة فهي محلّ اختلاف جليّ، لأنّ الباحثين الغربيّين انقسموا فريقَيْن:
فريقًا يذهب إلى القول بأنّ المعطيات النصيّة المتداولة بين العلماء المسلمين لا تنطوي على أيّة قيمة تاريخيّة ولا يمكن الاعتداد بها أو الاعتماد عليها في التعرّف على حياة محمّد (صلعم) وسيرته. ومن أوائل المجاهرين بهذا الرأي الباحث الإيطاليّ ليوني كايتني (1869-1935) Leone Caetani في العمل الضخم الذي أنجزه في عشرة أجزاء بين سنَتَيْ 1905 و1907 تحت عنوان “حوليّات الإسلام” (Annali dell’Islam). ومن بعده المستشرق البلجيكيّ هنري لامنس (1862-1937) Henri Lammens في مقالته التي نشرها سنة 1910 ووسمها بـ:”القرآن والسنّة: كيف تمّ تأليف حياة محمّد؟” (Qoran et Tradition, comment fut composée la vie de Mahomet?). وعلى ما يقرب من نهج كايتاني ولامنس سار المستشرق الفرنسي ريجيس بلاشير (1900-1973) Régis Blachère في كتابه الصادر سنة 1952 تحت عنوان: “مسألة محمّد” (Le problème de Mahomet).
 
وبصرف النظر عن الجزئيّات والتفاصيل التي اختلف فيها هؤلاء الدارسون فإنّ ما يجمع بينهم نزعتهم الريبيّة المفرطة وتشكيكهم في الموادّ التي اعتمدت لكتابة السيرة المحمّديّة. فبالنسبة إلى لامنس، على سبيل المثال، كان العلماء المسلمون من مفسّرين ومحدّثين وكتّاب سيرة يشتركون في موادّ تعود إلى مصادر واحدة، ولكنّ تلك الموادّ توهمنا بالتعدّد والتنوّع لأنّها تتلوّن في كلّ حين بلون التخصّص المعرفيّ الذي تندرج ضمنه، تفسيراً وحديثًا وسيرةً. وفي ما يتعلّق بالسيرة على وجه التحديد، فإنّ الموادّ التي اعتُمدت في كتابتها (ولا سيّما تلك التي تعلّقت بالفترة المكيّة من حياة الرسول) ليست من التاريخ في شيء، لأنّها مجرّد تأويلات لبعض الإشارات الواردة في القرآن الكريم لم يلتزم فيها أصحابها بالضوابط الدقيقة التي تقتضيها الكتابة التاريخيّة. باختصار شديد، كان العلماء المسلمون، علماءُ التفسير والحديث والسيرة يدورون في حلقة مفرغة من المصادر، فهم يتقاسمون الموادّ نفسها ويتناقلونها من مجال معرفيّ إلى آخر فتبدو لهم عبر التناقل والتكرار والتلوّن موثوقة ولكنّها من اليسير أن تتهاوى وأن يظهر تهافتها متى وُضعت تحت مجهر النقد التاريخيّ للنصوص.
 
وبقدر ما كانت الريبة والشكّ مهيمنَيْن على أصحاب الموقف الأوّل الذي يمثّله كلّ من كاتياني ولامنس وبلاشير كان الحذر في إصدار الأحكام الطابع المميّز لأصحاب الموقف الثاني الذي يمثّله على وجه الخصوص كلّ من الألمانيّ تيودور نولدكه (1836-1930) Theodor Nöldke في مجمل أعماله ولا سيما في مقالته التي نشرت سنة 1910 تحت عنوان “المرويّات المتعلّقة بحياة محمّد” (Die Tradition über das Leben Muhammeds)؛ وفرانتز بوهل (1850-1932) Frants Buhl صاحب الكتاب الصادر سنة 1930 والموسوم بـ”حياة محمّد” (Das Leben Muhammeds)؛ وكارل هنريش بيكر (1876-1933) Carl Heinrich Becker في مقالته التي نشرت سنة 1913 تحت عنوان “المقولات الأساسيّة في دراسة السيرة المحمديّة” (Grundsätzliches zur Leben-Muhammed-Forschung)؛ ورودي باري (1901-1983) Rudi Paret صاحب كتاب “محمّد والقرآن: تاريخ النبوّة العربيّة وانبثاقها” (Mohammed und der Koran: Geschichte und Verkündigung des arabischen Prophete)؛ وأولبركت نوث (1937-1999) Albrecht Noth صاحب كتاب “بواكير الكتابة التاريخيّة العربيّة: دراسة نقديّة في المصادر” (The Early Arabic Historical Tradition: A Source-Critical Study)؛ وويليام منتغمري وات (1909-2006) صاحب الكتابَيْن “محمّد في مكّة” (Muhammad at Mecca) و”محمّد في المدينة” (Muhammad at Medina) الصادرَيْن تِباعا سنتَيْ 1953 و1956.
 
والذي يجمع هؤلاء الباحثين الذين يمثّلون في مستوى العدد القسم الأكبر من المنكبّين على الدراسات المحمّديّة، وفي مستوى الموقف الرأي الغالب على هذه الدراسات أنّهم لا يطمئنّون إلى ما ورد في المصادر العربيّة الإسلاميّة بخصوص حياة النبيّ محمّد (صلعم). فهم يطعنون فيها وجوهًا من الطعن عديدة متنوّعة قد تقتصر حينًا على هذه الحادثة التاريخيّة أو تلك وقد تمتدّ لتشمل مجمل ما تضمّنته كتب السيرة ولكنّ طعنهم ذاك لم يبلغ بهم درجة الريبيّة والرفض المطلق للمصادر؛ فقد انتهَوْا -كلّ على طريقته- إلى القول بأنّ الموادّ التي تضمّنتها النصوص تُـصوّر إلى حدّ ما طبيعة و”حقيقة” الأحداث التي كانت حياة النبيّ محمّد (صلعم) مسرحًا لها.
 
ظلّت المواقف على حالها منذ أواخر القرن التاسع عشر إلى حدود سنوات السبعين من القرن العشرين عندما نشرت الباحثة التركيّة أورسولا سزكين Ursula Sezgin كتابا تحت عنوان: “أبو مِخْنَف: إسهام في التأريخ للحقبة الأمويّة” (Ein Beitrag zur Historiographie der umaiyadischen Zeit). لم تكن لهذا الكتاب صلات مباشرة بالسيرة النبويّة موضوعًا ومادّةً ولكنّ المنهج الذي اعتمدته سزكين ألقى حجرًا في المياه الراكدة وأثار مجدّدا مسألة الجدوى من اعتماد المرويّات والتسليم بصحّتها وموثوقيّتها. وممّا أقرّته سزكين في عملها أنّ تداول المعطيات التاريخيّة شهد استقراره في شكل نظام جدير بالثقة والاعتماد ولا سيما في الفترة التاريخيّة التي أعقبت النصف الثاني من القرن الثاني هجريّا. ولكنّ آراء سزكين ومواقفها كانت محلّ انتقاد حادّ من قبل الباحث أولبركت نوث الذي بيّن أنّ الإشكال الحقيقيّ الذي تنطوي عليه المصادر الإسلاميّة لا يتعلّق بالنظام الذي خضعت له أسانيدها بعد النصف الثاني من القرن الثاني هجريّا، وهو نظام أعطاها سمة الاستقرار والثبات وأتاح للمصنّفين أن يستعملوها مُسلّمين بموثوقيّتها؛ بل إنّ الإشكال الحقيقيّ يكمن في المسار الذي تفترضه كلّ سلسلة إسناد بدءًا من المصدر الشفويّ الأوّل، وهو منطلق الرواية أو الخبر، انتهاءً إلى المُـوَثِّقِ الكتابيّ الأوّل الذي قام بتدوين الرواية حتّى يعتمدها المؤرّخون وكتّاب السيرة من بعده.
 
بعبارة أخرى، فإنّ أولبركت نوث لا ينظر إلى الأسانيد في مستوى تداولها المكتوب لأنّها لا تهمّه في ذاتها بقدر ما يهمّه أن يتعرّف على ما يسمّيه “مسار الرحلة الطويلة” الذي سلكته بدءًا من الراوي الأصليّ انتهاءً إلى المدوّن الأوّل. ففي هذا المستوى، تحديدا، يمكن للدارس أن يلاحظ وجود “تزوير” أو “تحريف”.
 
وممّا يجدر التنبيه إليه أنّ ما يسمّيه أولبركت نوث كذلك لا ينطوي على أيّ حكم أخلاقيّ لأنّ “التزوير” أو “التحريف” كانا –حسب رأيه- جزءًا من عمليّة الكتابة والتأليف التي اعتمدت فيها المختصرات ونزع فيها المدوّنون الأوائل إلى إكساب عملهم طابعا نسقيًّا (systematization) لا يخلو من تضخيم، تارةً، ومن تقليص، طورًا، ومن سهو، حينا، ومن سعي إلى إضفاء الترتيب على الأحداث، حينا آخر. ومع كلّ هذا، فإنّ ما كان المدوّنون حريصين عليه كلّ الحرص الانتهاء إلى رواية متماسكة قدر الإمكان، تماسكًا انتهى بهم إلى صياغة نمط يكاد يكون موحّدًا أو هو على الأقلّ متشابه العناصر والمكوّنات.
 
وبالرغم من غلبة النزعة الريبيّة على أولبركت نوث لحظة تعامله مع المعطيات الواردة في كتب التاريخ والسيرة، فإنّه لم يُجرّد المصادر الإسلاميّة من كلّ قيمة، لأنّه اعترف بأنّ فيها “تقاليد حسنة” وأخرى “سيّئة” وأنّ وظيفة الباحث أن ينطلق من الموادّ التي بين يديه وأن ينظر فيها من أجل الوصول إلى صياغة رؤية تاريخيّة أقرب ما تكون إلى الموثوقيّة والقبول.
 
ولعلّ أهمّ ما استتبعته الخصومة الفكريّة بين أورسولا سزكين وأولبركت نوث أنّها فتحت الباب أمام تجديد القول في السيرة النبويّة، بل تجديد الأقوال فيها (بصيغة الجمع). وذلك ما نلمسه في أعمال عديدة من بينها أعمال المؤرّخ الأمريكيّ جون وانسبرويغ (1928-2002) John Wansbrough الذي لم ير في الإسلام كلّه إلاّ ثمرةً مهجّنة من ثمار المقولات اليهوديّة-المسيحيّة صاغها النبيّ محمّد (صلعم) في لغة محليّة هي اللّغة العربيّة؛ وفي أعمال آل لاندو تاسورون E. Landau-Tasseron ولا سيّما العمل الذي نشر سنة 2004 تحت عنوان: “حول إعادة تشكيل المصادر المفقودة” (On the reconstruction of lost sources)؛ وأعمال باتريسيا كرون Patricia Crone وخاصّة الدراسة الموسومة بـ”تجارة مكّة ونشأة الإسلام” (Meccan Trade and the Rise of Islam)؛ وأعمال ميشال كوك Michael Cook وعلى رأسها كتابه “محمّد” (Muhammad) المنشور سنة 1983.
 
إنّ هذه الأعمال (وما هي إلاّ نماذج ممّا أشار إليه غريغور سكولار) لا تعنينا في ذاتها كُـلاًّ على حدة، فمن الواضح أنّ مشارب أصحابها مختلفة، فبعضهم اهتمّ بالقضايا المنهجيّة التي يطرحها التعامل مع المصادر الإسلاميّة؛ وبعضهم ركّز على أحداث في حياة محمّد (صلعم) دون أخرى؛ وبعضهم تخطّى السيرة ومادّتها لدراسة الإسلام في كليّته. ولكنّ ما يعنينا منها أنّها كان مؤشّرًا على وجهة جديدة/قديمة، وجهة استعاد فيها التيّار الريبيّ المُشكّك عافيته وعمّق الأرضيّة النظريّة التي أسّس عليها مواقفه، فلم يَـكْـتَـفِ بأطروحات لامنس وكايتاني وبلاشير بل نبّه إلى الثغرات التي تنطوي عليها وتجاوزها وأعاد صياغة موقف أكثر تشدّدًا وقطعيّة.
 
ولكن، من أين استمدّ هذا التيّار القديم/الجديد كلّ هذه القوّة؟ من أين تأتّت له القدرة على تجويد أدواته النظريّة والتطبيقيّة؟ وإذا سلّمنا بأنّ هؤلاء الذين خاضوا في سيرة النبيّ محمّد من العلماء فمن هو كبيرهم الذي عـلّـمـهم الشك؟!
إنّ إجابتنا على هذا السؤال لن تتيح لنا -فقط- أن نفهم الحراك العلميّ العالميّ الكبير الذي كانت السيرة المحمديّة محورًا له وموضوعًا، بل إنّها ستمكّننا من إدراك حقائق أخرى أكثر خفاء ودقّة، حقائق تتجاوز الإسلام ديانةً وحضارةً وشخصيّاتٍ تاريخيّةً… وذاك ما سنتطرّق إليه في الجزء الثاني من هذه المقالة.
 
الكتاب/ The biography of Muhammad – Nature and Authenticity
سيرة محمّد – طبيعتها و موثوقيّتها
المؤلّف / غريغور سكولار Gregor Schoeler
المترجم/ نقله من الألمانيّة إلى الإنجليزيّة: Uwe Vagelpohl
دار النشر/ Routledge، لندن 2011 .

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

  1. حسن خميس

    كيف يمكن حفظ الأبحاث لقرأنها فى وقت لاحق

أضف تعليق