كيف نجحتم في وضع رؤوسنا في الوحل؟ / عمر قدور

العنوان المذكور أعلاه هو السؤال الذي توجّهت به المذيعة بمحطة تيليسينكو التلفزيونيّة الإسبانيّة «سارا كاربونيرو» إلى حارس مرمى المنتخب الإسباني «كاسياس»، إثر الهزيمة المفاجئة التي تلقّاها من نظيره السويسريّ في الدور الأوّل لمباريات المونديال. وكما يعلم المتابعون لم تنجُ المذيعة ذاتها من لوم الصحافة والجمهور الإسبانيّين، فهي صديقة حارس المرمى، وأُخِذ عليها وقوفها خلفه أثناء المباراة، وحُمّلت جريرة ارتباكه وعدم صدّه الكرة السهلة التي تحوّلت إلى هدف، ممّا يخالف القول الشائع بأنّ وراء كلّ عظيم امرأة. كما يدلّ ذلك أيضاً على أنّ أبناء عمومتنا الإسبان يختلفون مع النشامى الذين يفترضون بوجود خطيبة الحارس وراءه أن يستنهض نخوته فينقضّ على الكرة انقضاض الفرسان الانتحاريّين.

تفلح سارا في صياغة السؤال بحيث يمكن لنا تأمّله كسؤال مجرّد عن المناسبة التي قيل فيها، فهي تذهب إلى أبعد من الوصف المعتاد للفشل، بالأحرى هي الدهشة أمام البراعة في تحقيق الفشل أيّاً كان نوعه، أو هي المرارة الشديدة من تجرّع الإخفاق ممزوجة بالاستنكار وخيبة الأمل. النجاح في إنجاز الهزيمة هو الحدّ الأقصى لها، والذي يتطلّب تدبيراً لا مكان فيه للصدفة، أو للذرائع التي تُساق عادة من أجل تحويلها إلى انتكاسة تسبّبت بها الظروف الخارجة عن إرادة المهزوم. إنّ صانع الهزيمة في هذه الحال لا يحقّ له التذرّع بـ»عثرات الكرام»، أو الظهور بالصورة المشرّفة للبطل الذي أبلى بلاء شديداً وتآمرت عليه النوائب فانكسرت شوكته، وبما أنّه كذلك فهو يفقد نصيبه من التعاطف أو الشفقة ما دام قد تخاذل عن أداء الواجب المناط به.

هذه المرّة ليس لأنّ الجماهير تحمّل نجومها أكثر ممّا يحتملون؛ بل لأنّ مَنْ يدّعون تمثيل هذه الجماهير على خير وجه، ومَنْ تمّ انتخابهم من بين أقرانهم ومُنحوا الثقة والدعم، قد أخلّوا بالتزاماتهم ولم يبذلوا الجهد المعتاد المتوقّع. هكذا يبرهن الجمهور على عقلانيّته، على العكس ممّا قد يفترض به من عاطفيّة. فهو يطالب ممثّليه بأداءٍ يتناسب مع الإمكانيّات الموضوعة بتصرّفهم. وعلى أهميّة النتيجة إلا أنّه أوّلاً معنيّ بالعناء المبذول لأجلها. وإذا أتت النتيجة سلبيّةً محصّلةً لأداء سلبيّ لا يبقى من عذر مخفّف يمنح السلوى، وتصبح المساءلة ضروريّة، ويصبح التهديد بسحب الثقة دلالةً على العقد المعنويّ المبرم بين الطرفين ونفياً لعصبيّة عمياء.

يُطرق حارس المرمى برأسه أمام هذا السؤال، ونراه يتحدث عن حالة الإحباط بين اللاعبين بعد انتهاء المباراة، على العكس من أصحابٍ لنا ترى الواحد منهم إن تعرّض لهزيمة من الخصم يقول: اُنظروا إلى الخدوش التي أوقعتُها في وجه العدوّ. وعندما يتعرّض للهزيمة ثانية من الخصم ذاته يرتفع صوته، ويتحدّث عن الانتصار الذي حقّقه لأنّ الخصم أراد قتله وهو لم يمكّنه من ذلك. ثمّ، في منازلة أخيرة، يُقتَل، وإنْ سُئل: ما قولك الآن وقد متّ؟ ينتفض في صحوة الموت الأخيرة مستنكراً ليقول بخطابيّة عصماء: أنا لم أمت، لقد نلت مبتغاي بالشهادة.

ربما بدت المقارنة السابقة متعسّفة للوهلة الأولى، لكنّها تحيل إلى عجزنا عن تصريف السؤال واشتقاق المساءلة منه، فيكون سؤالنا محض استفسار موجّه إلى أولئك الذين لم ننتخبهم، ومع هذا تربّعوا فوق رؤوسنا نخبة. ومن ثمّ يكون الاستفسار عوناً ليسرد المهزوم ذرائعه، وإن تكن هذه الذرائع هي ذاتها التي يسردها عند كلّ هزيمة، ولا ضير في أن يقول كلّ مرّة إنّ المواجهة فُرضت عليه غدراً وغيلة مع أنّه لا يكفّ عن وصف الخصم بالغادر والجبان. ستظهر الهزيمة دائماً على أنّها تدبير خارج عن الإرادة أو احتيال ماكر من خصم لا يتحلّى بالفروسيّة، وتُختزل البطولة في الجلَد على تلقّي الضربات المرّة تلو الأخرى. أمّا المساءلة فتكاد تقترب من أن توصم بالخيانة التي لا تليق إلا بعدوّ أو متعامل معه.

من جهته يطرح العاجزُ السؤال الذي لا يخدش طمأنينته، ويرضى بالإجابة وإن لم تكن مقنعة، فالتواطؤ على الهزيمة يقتضي ألا تُسأل تلك الأسئلة التي تبعث على الشكّ، أو تتطلّب فعلاً يخرج عن مألوف الحال. وليس مستغرباً أن يخمّن نوع السؤال المطلوب، أو أنّه بات يعرفه بحكم التكرار، فيوجّه هذا السؤال ليحظى بردّ هو بمنزلة اللا جواب على تلك الأسئلة التي لم تُطرح فعلاً، وتكون غاية المحاورة أن تمنع السؤال بسؤال يكشف عمّا هو معروف أصلاً.

لا يبقى من ضرورة لثقافة السؤال عندما ننتصر بالهزائم، ونزهو بالأثمان الباهظة لها، ونبقى راضين بأولئك الذين جعلونا ندفع الثمن. بل إنّ بعض الأسئلة الثقافيّة أو الحضاريّة التي طرحها أسلاف لنا قبل قرن من الزمن ما تزال مقيمة بيننا كأنّها صخرة سيزيف؛ بقلقها نفسه، وصياغاتها ذاتها، دون أن نفكّر في أنّ القدامى طرحوا أسئلة زمنهم، ويتعيّن علينا صياغة أسئلتنا لا النوم على إرث لم تثبت نجاعته. أو حتّى دون التفكير في أنّ عدم العثور على إجابة طوال هذه المدّة يعني الإخفاق في طرح السؤال المطلوب، أو طرحه بصياغة بلا جدوى.

لقد ربط فلاسفة كثر الشكَّ بالحداثة، وقد عنى هذا عدم الركون إلى الإجابات الجاهزة، وعنى أيضاً، وبالضرورة، عدم الركون إلى الأسئلة المعتادة ما دامت الإجابات متضمّنة في كيفيّة السؤال. وإذا طال الشكّ الأسئلةَ الفلسفيّة والوجوديّة الكبرى فمن الأولى أنّه طال التدابير المؤقّتة للعيش، بل صار من العسير تصوّر وجودٍ للحريّة أو الديمقراطيّة بغياب للأسئلة الجديدة أو المتجدّدة التي يزرعها الشكّ.وعلى هذا فإنّ سؤالاً من نوع سؤال سارا كاربونيرو هو مجرّد سؤال عاديّ، ضمن سياقه، يتقادم بفوات المناسبة التي قيل بها وينضمّ إلى ركام الأسئلة التي تقترح كيفيّة جديدة للسؤال القادم دون أن يتمتّع برطانة المَثَل. لكن، مع ذلك، لا ضير إن توقّفنا عنده، بما أنّنا قد نعجز أحياناً عن العثور على السؤال المناسب.

سارا كاربونيرو: كم أتمنّى، على الأقلّ، أن أستعير سؤالك فأجرؤ على القول: أيّها السادة؛ كيف نجحتم في وضع رؤوسنا في الوحل؟!

عن ملحق نوافذ – جريدة المستقبل

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق