كيف نصل إلى التنوير؟ ردا على حميد زناز





يؤكّد الكاتب حميد زناز في مقالته “إسلام التنوير أم تنوير الإسلام” المنشورة في الأوان بتاريخ 6-12-2008  على مقولة أنّ الإسلام كتلة واحدة متجانسة لا تقبل مفاهيم التنوير والحرية والديمقراطية، ولا يمكن لهذا الإسلام أبدا أن يتقبّل الديمقراطية أو أن يتصالح مع مفاهيم العصر.

وقبل أن أدخل في الجدل مع أفكار السيد حميد زناز، أريد أن أؤكّد أنّني مع العلمانية التي تعني فصل الدين عن الدولة، ومع إبعاد الدين نهائيا عن الحياة العامة، وجعله شأنا شخصيا يتعلق بين الإنسان ربه، وهنا أتفق مع السيد زناز، ولكن أختلف معه بكيفية الوصول إلى التنوير؟

ما يقلقني هو كيف نصل إلى ذلك؟ ما هو الطريق الواجب إتباعه حتى نتمكّن من ذلك الفصل؟ هل سيكون الطريق إلى ذلك من خارج الدين الإسلاميّ أم سيكون من داخله، عبر تثويره من الداخل وفق مقولة طرابيشي عبر دعوته إلى ثورة كوبرنيكية في الإسلام؟

لنفترض  أننا قمنا بعملية الفصل سياسيا بين الدولة والإسلام، ما الفائدة من ذلك في حال وجود مجتمع إسلاميّ يؤمن بابن تيمية وفتاويه، ويرى سيد قطب رمزا له ؟ ويرى ابن لادن والسيستاني والخميني أنبياء جددا؟ هل بذلك سندخل نادي التنوير؟

أبدا. ما سنصل إليه سيكون مجتمعا مغرقا في ظلاميته مقابل دولة لها شكل العلمانية، ولها شكل التنوير، ولكنها ذات محتوى فارغ ومفرّغ، لأنّ التنوير لا يكون  إلا إذا كان داخليا، نابعا من ذات الفرد وذات الشريعة وذات المجتمع. الدولة لا تصنع تنويرا غير موجود، والفصل بين الدين والدولة لا يصنع  شيئا غير موجود، لأنّ الدولة مجرّد بنية فوقية لبنية تحتية تولّدها، وتسيّر خطاها.

لذا علينا – كما أرى ورأيي لا يلزم أحدا- أنّه علينا العمل على وجود مستنيرين إسلاميين قادرين على تقديم رؤية عقلانية للإسلام تنسجم مع العصر، وتقدر في نفس الوقت على إقناع الجماهير العريضة برؤيتها ونظرتها.

هل هذا يسمى تلفيقية؟

هل هذا يسمّى تنازلا أمام الإسلاميين وفق ما يقول السيد زناز؟

إن كان صحيحا ما تقول يا سيّدي، ما هو البديل؟

هل هو أن نقف أمام المسلمين ونقول لهم  إنّ كعبتكم وهم؟ وإسلامكم وما تعبدون منذ قرون هو وهم؟

وحياتكم كلّها ضاعت في الوهم؟

وكلّ ما تفعلونه خراب وسراب؟

تخيّل يا عزيزي شخصا يقف أمامك ويقول لك: الحداثة وهم، والتنوير وهم، والديمقراطية بدعة، وكل حداثتك وأفكارك وتاريخك كذبة كبرى وعليك أن تتخلّى عنها الآن مباشرة.

بالتأكيد سيدي الكريم، ستدير ظهرك وتمشي وترى أنّ هذا الشخص غير قابل للحوار والجدل، وتمشي أنت في اتجاه وهو اتجاه؟

وهو كذلك، عندما تقول له رأيك في الإسلام سيدير ظهره ويمشي؟

 

ماذا نكون استفدنا، لاشيء.

النظرتان أراهما غير صحيحتين، وكلتاهما تنطلقان من رؤية إيديولوجية أكثر مما تنطلقان من رؤية واقعية، ترى خامات الواقع، وإمكانيات الفعل فيه، والانطلاق منها، لأنّ التنوير يجب أن يكون تنوير المجتمع وتغيير طريقة تفكيره، والعمل على جعل العقل المجتمعيّ عقلا مكوِّنا لا مكوَّنا.    

أعرف أنك ستقول لي: هل تقابل وجهة نظري العقلانية والحداثوية والتنويرية ( والتي أتّفق معها بالكامل وأختلف معك بكيفية الوصول إليها) بنظرته الظلامية والمغلقة؟

لكن علينا أن نرى أنه هو ينظر إلينا هكذا أيضا؟ علينا أن ندرك نظرته، والتي هي نظرة الغالبية العظمى من المجتمع. هذا مجتمعنا وهذه حدود تفكيره. فماذا نفعل؟ هل نستطيع تغيير مجتمعاتنا؟

هل رفض هذه المجتمعات هو الحلّ؟  

أنا أرى أننا لن نتمكّن من الوصول إلى ذلك التنوير المنشود إلا من داخل الإسلام ذاته، من خلال تقديم قراءات مستنيرة للنصّ القرآنيّ، من خلال التأكيد على أنّ الإسلام يمكنه أن يكون علمانيا والتنوير يمكنه أن يكون مؤمنا وهذا لم يكن بعيدا عن تاريخ التنوير الأوربيّ ذاته حيث يقول هاشم صالح في حوار معه: (تنوير ملحد، وتنوير غير ملحد. فولتير كان ينزعج من التنوير الملحد، وكان هناك فلاسفة في فرنسا يسعون للإطاحة بالمسيحية جملة وتفصيلاً. أمّا فولتير وغيره من الفلاسفة فقد كانوا مؤمنين. لهذا فهناك تنوير مؤمن وهناك تنوير مادّيّ ملحد) هاشم صالح – حوار ممدوح البهيني – جريدة الرياض- 27 نوفمبر -2008)

إذا يمكن للتنوير أن يكون إسلاميا، ويمكن له أن يكون ملحدا.

وأتوقّف أيضا هنا مع مقطع أخر من الحوار نفسه مع هاشم صالح إذ يقول:

(هناك جدلية تؤكّد أنّه إذا لم تكن هناك طبقة اجتماعية فلا يمكن أن تتحقّق النهضة الفكرية. في أوروبا التنوير انتصر لأنّ الطبقة البرجوازية حلّت محل طبقة الارستقراطية، وهي التي حملت أفكار التنوير وأشاعتها وسط الشعب. وحينها انتشرت أفكار التنوير من باريس إلى المدن الأخرى. ومن المدن الأخرى إلى الأرياف ثمّ إلى الجبال أخذت فترة طويلة. فالتنوير الإسلاميّ حينما يظهر وينتشر في الجامعات والمدارس وفي البيئات المثقفة على العقل يمكن أن يكفّ الغرب عن ملاحقتنا بحجج ومبرّرات تؤخذ علينا بقولهم أنّ مناهجنا مليئة بمواضيع أصولية متعصّبة وبمواضيع عن كره المسيحيين واليهود، والأديان الأخرى.)

نعم هذا هو الطريق الذي نراه صحيحا لمدخل التنوير إلى العالم العربيّ، لأنه ينطلق من رؤية واقعية تدرك ممكنات العمل في الواقع، وكيفية الاشتغال عليها.
 

بعد هذه المقدمة الطويلة نسبيا ندخل في مناقشة بعض النقاط مع أفكار زناز:

يقول زناز في مقالته سابقة الذكر: 

(يخيّل للمرء وهو يتابع ما يُكتب عن ‘ إسلام العقلانية ‘ والتسامح والتنوير والسلام والحوار بين الأديان..أنه ينصت ويقرأ عن دين آخر في قارّة أخرى وضمن تاريخ آخر ومنطقة جغرافية غير التي يعرف. لكن إن كان الإسلاميون ومن لفّ لفّهم يخوضون بهذا معركتهم الإيديولوجية الأخيرة ضدّ الحداثة التي يرونها خصما بديلا لأوهامهم، فلست أدري ما هي أهداف من يدّعون العقلانية ويؤمنون في نفس الوقت بعقلانية الإسلام؟ فهل هو تكتيك الحداثيين بغية تقريب المسلمين من العصر دون أن يصدموا مشاعرهم بحكم أنهم يعرفون مسبقا أنّ المسلم لا يقبل أمرا متناقضا مع دينه؟ لكن أليس هذا تأجيلا لما هو قادم حتما؟ لماذا نتمادى في ترقيع ما لا يرقّع؟ ألا يجب التصارح اليوم قبل غدٍ، قبل تفاقم الأمور؟ متى نفهم ونُفهِم الناس أنّ الأصولية هي أزمة الإسلام وليست أزمة في الإسلام؟ لقد كذبنا بشأن هذا الدين بما فيه الكفاية. قد حان الوقت للاعتراف أنّ الإسلام والحداثة  خطّان متوازيان لا يلتقيان أبدا. وذلك لأسباب بسيطة لا يدركها سوى أولائك الذين لا يريدون إدراكها.)

انطلاقا من النص السابق نرى:

أولا: ليس الإسلام هو ذلك الذي ذكرت فقط، بل جزء منه، أنت تعمّم إسلام العنف على كل الإسلام. وهذا ليس صحيحا، إذ نستطيع أن نتبين أنه على الساحة حاليا هناك ثلاثة أنواع من الإسلام: إسلام الدولة: متمثلا بالفقه السعودي السني وولاية الفقيه الشيعية وإسلام السلطة التركية المعتدل. ثم إسلام العنف الذي يعلن الجهاد في كل مكان، وأخيرا إسلام الفئات الوسطى التي توفق بين المصالح والدين على طريقتها الخاصة. 

إضافة إلى ذلك هناك بعد آخر دوما يستبعد من كل النقاشات الدائرة حول الإسلام : وهو إسلام الأقليات الدينية التي تعيش في كنف الأكثريتين الدينيتين السنية والشيعية وهم: العلويون والدروز واليزيديون …هذه الأقليات الدينية هي جزء من الإسلام وهي في أغلبها لا يحتل الدين في ممارستها اليومية عنصرا طاغيا، بل نستطيع أن نقول إنّه إسلام هادئ متصالح لا يسلّط سيفه على عنق أتباعه بل يترك لهم الخيار الذي يريدون. وهذه الأقليات في أغلبها مع العلمانية ومع إبعاد الدين واستقالته من الحياة العامة .

ثانيا : يؤكد السيد زناز أنه لا يوجد إسلام معتدل بل كلّ الإسلام إرهابيّ معادٍ للحياة وهنا نسأل هل إسلام محمد عبده هو إسلام البوطي؟ هل إسلام محمد شحرور ونصر حامد أبو زيد هو إسلام سيد قطب؟ هل إسلام   حسن حنفي ومحمد أركون ومحمد عبد العزيز الحبابي لا يختلف حقا عن إسلام الآخرين؟

                

إنّ السيد حميد زناز بتأكيده المرة تلو الأخرى على ذلك، يخدم دون أن يدري ذلك إسلام العنف، لأنه يؤكد أن الإسلام هو ذلك فعلا وهذا يصبّ في رؤية الداعين إلى إسلام العنف الذين يحاولون الترويج لهذا النمط الإسلاميّ،على أنه هو الإسلام هذا من جهة، ويخدم من جهة أخرى الدوائر الغربية والصهيونية العالمية التي تحاول أن تربط بين الإسلام والإرهاب. دون أن يعني ذلك أن نتهم السيد زناز بالعمالة أو شيء من هذا القبيل أبدا، فنحن نؤمن بحقّ السيد زناز بقول ما يريد ودون أي خوف، ودون أن يوجه أي اتهام لأي كان بسبب رأيه .  

ثالثا: يقول زناز:

(ألا يعرف من  يلعب لعبة التوفيق الدائم أنّه يكرّس في وعي الناس وفي لاوعيهم أنّ ” لا تنوير خارج إطار الدين الإسلاميّ”؟  ألا ينبغي أن نتحمّل مسؤوليتنا الأخلاقية وما ينجرّعنها ونبتعد عن ثقافة النفاق والمجاملات ونجهر بآرائنا الحرّة حتى وإن صدمنا غيرنا بما نعتقد أنه الحقيقة: لا تنوير دون استبعاد الدين من الحياة العامّة. لا يمكن أن تقوم للإنسان العربيّ قائمة ما دام لم يدرك أنّ أوّل عائق يقف أمام تقدّمه هو تشبّثه بتعاليم دينية باتت متناقضة قلبا وقالبا مع روح العصر.)

لا أعرف لماذا ينظر السيد زناز إلى من يمتلك نظرة مغايرة لنظرته، أو فكرة مضادة لفكرته، أنه منافق ومجامل وخائف وغيرها من الصفات.

لماذا يرى “التنويريوون” أنهم وحدهم الأبطال وغيرهم مجرد خائفين ومجاملين.ماذا عن كتابات صادق جلال العظم   ومحمد أركون ونصر حامد أبو زيد وهاشم صالح وحسن حنفي وو ..هل كلهم منافقون؟ أم لهم وجهة نظر أخرى علينا احترامها!

لا يا سيدي، نحن نطرح هذه الأفكار لإيماننا الكامل أنها الطريق الأفضل – مع احتمال أننا قد نكون مخطئين – للوصول إلى التنوير والمجتمع الذي ننشد، وليس خوفا أو مجاملة أو نفاقا.

لذا عليك احترام رأينا، لأننا بالمقابل نحترم رأيك الذي نختلف معه، بل وندافع عن حقك في قول ما تراه صوابا مهما كان قاسيا وعنيفا على الإسلاميين وغيرهم، أي لك الحق في قول وطرح ما تراه صوابا، ولنا الحق في القول أن رؤيتك هذه لن تساعد على شقّ طريق التنوير في العالم العربي .                                                          

أخيرا أختم بهذا النص الجميل -الذي أراه يعبّر خير تعبير عما نودّ قوله- للمفكّر هاشم صالح:

(هناك تطرّف في الاتجاه الأصوليّ وأيضا التطرف من الجهة الأخرى غير محمود، أنا أدعو إلى فهم آخر للدين الإسلاميّ وللقرآن الكريم، أن يكون هذا الفهم فهما فلسفياً تاريخيا ناضجاً، وهذا هو الفهم الذي وجدته عند محمد أركون وهو ما أعمل في إطاره. أمّا فيما يخصّ التجربة الروحية فتعتبر مقدّسة وهذا يدخل في إطار الأبعاد الروحية للدين ولا أدعوا أبداً لإلغائها. وهناك أيضا أبعاد غير روحية وهي لأغراض انتهازية للوصول إلى المناصب والأهداف الشخصية. أنا لا اقصد هذا وإنما اقصد الجانب الروحانيّ المتعالي من الدين والمتمثل في الشخصيات الإسلامية الكبرى في التاريخ الإسلاميّ مثل الفارابي وابن سينا والغزالي، وابن العربي، وعشرات الشخصيات الإسلامية الفذة، التي كانت لديها الوهج الروحاني الديني والذي للأسف الشديد نجده غائبا الآن.)

هاشم صالح – حوار ممدوح البهيني – جريدة الرياض- 27 نوفمبر -2008

 
 
 
 
 
 
 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق