كي تصبح دمشق بحق عاصمة للثقافة العربية!

حطت القرعة الدورية للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم على اختيار دمشق عاصمة للثقافة العربية لعام 2008، وبدا الأمر مثيراً للرغبة للكثير من المسؤولين السوريين، وكأنهم وقعوا على حدث استثنائي لا بد لهم من الاستفادة منه، فجرى تشكيل أمانة خاصة بذلك شُكلت وفق مرسوم رئاسي، ورصدت الميزانيات والكل يتحدث بشغف عن كيفية اعادة إحياء دور دمشق التاريخي كعاصمة للثقافة العربية.

وحمل الافتتاح الكثير من مظاهر البهرجة غير المألوفة في دمشق، وإن كان قد حمل طابع الاستعراض الغربي أكثر من كونه يحمل مخزون الدلالة التاريخية لأقدم مدينة مأهولة عبر التاريخ. لكن كيف لدمشق أن تكون عاصمة للثقافة اليوم وهي تكاد تكون خالية من الحيوية الثقافية والسياسية؟

لقد امتلكت سورية إرثاً ديموقراطياً وثقافياً غنياً تفخر به خاصة خلال فترة ما بعد الاستقلال، حيث كانت تمتلك برلماناً مستقلاًً وتعددية حزبية واضحة فضلاً عن وجود الصحافة الحرة، كما أنها كانت من أوائل الدول الديموقراطية في العالم التي أعطت حق الانتخاب والتصويت للمرأة في عام 1949 وحق الترشيح عام 1952، بيد أن ذلك كله تبدد فيما بعد. والأهم من ذلك كله كان البعد التأثيري لسورية على مستوى جوارها الإقليمي أو بُعدها العربي، ذلك أن معظم النظريات القومية والفكرية والحضارية التي سادت في الفكر العربي خلال القرن العشرين كانت ترجع في أصولها إلى مفكرين أو مثقفين سوريين، مما يعكس الدور المحوري الفكري والحضاري فضلاً عن السياسي الذي لعبته سورية، فمثلاً وعلى رغم ضيق هامش حرية الرأي والتعبير مع نهاية الستينات والسبعينات، فإن المراقب للحياة الثقافية السورية يلحظ بروز فكر نقدي مميز للمثقفين السوريين في المجالات كافة، سواءً في إدخال البُعد الديموقراطي في الممارسة القومية العربية وهذه كانت تعتبر من الإشارات المبكرة جداً على مستوى الأحزاب القومية العربية جميعها في الوطن العربي، والأمر نفسه نجده لدى الفكر الديني، فقد تمكن بعض الشخصيات السورية البارزة من مراكمة دراسات فقهية عصرية توائم بين الفقه والعصر، وهو ما أصبح يُطلق عليه في ما بعد «المدرسة الشامية» التي أصبحت تعرف باعتدالها الفقهي والتشريعي ومرجعيتها الفكرية والفقهية الرصينة، فيمكن القول إذاً أن دور سورية الحضاري بالنظر إليه وفق قوس وطني يمتد من أقصى اليسار حتى أقصى اليمين كان منتجاً وفاعلاً ثقافياً على رغم التهميش والإبعاد القسري لدور المثقف وفاعليته في المجال السياسي العام، ولم يقتصر التجديد على التيارين القومي والإسلامي، إذ في الوقت نفسه صدرت أصوات وطنية داخل الحزب الشيوعي نفسه تطالب بإعادة فك الارتباط مع الاتحاد السوفياتي والتفكير في المسألة القومية والوطنية من منظور جديد، كلُّ ذلك أشّر الى أن المثقفين السوريين على اختلاف أطيافهم وتلويناتهم الايديولوجية كانوا في عزِّ عطائهم المعرفي والثقافي متجسدين في إنتاجهم الفكري المميز الذي كان له أثره في تجديد وتطوير الفكر العربي القومي منه واليساري والإسلامي.

وهذا ما عكس الدور التأثيري الكبير لسورية، ولذلك فإن أية تجربة ديموقراطية في سورية سيكون لها تأثير كبير على مستوى انتشار الفكرة وقوتها في دول الجوار، فتقديم النموذج السوري في التحول الديموقراطي سيكون بمثابة نقطة إشعاع.

أما اليوم فإن تأثير المثقفين السوريين في المجال العام قد انحسر بشكل كبير وتقلص بحكم بعدهم أو إبعادهم عن المجال التأثيري، وهو ما ترك انعكاسات بالغة السلبية على الدور الحضاري السوري، ففي حين كانت سورية في الماضي مصدر إشعاع فكري وثقافي وحضاري فإنها اليوم معدومة الحضور في المنتديات الفكرية والثقافية، ومثقفوها هم الأقل إنتاجاً وحضوراً في النقاشات العربية والدولية. ومع حضوري الكثير من المنتديات الدولية والإقليمية نلحظ حجم الانكفاء الفكري والثقافي السوري، ذاك الذي كان في الماضي مصدر فخر وازدهار بالنسبة الى السوريين.

الى جانب ذلك هناك انعدام المناخ الذي يشيع الحرية، فالثقافة لا تزدهر إلا في مناخ الحرية، وهذا ما يفسر وجود مثقفين مثل ميشيل كيلو وعارف دليلة وعلي العبدالله وأكرم البني وفايز سارة وغيرهم وراء القضبان، وهو ما يكشف أيضاً أن أبرز المثقفين السوريين لا يستطيعون العودة إلى وطنهم.

علينا اليوم أن نفتح النقاش الحيوي في المجالات الفكرية والثقافية والسياسية داخل سورية لأنه الكفيل بإطلاق الطاقات السورية للتأثير في الداخل وفي الخارج. وبقدر الدور التاريخي للمثقفين السوريين في الماضي في صنع السياسة وخلق أحزابها، يستطيعون اليوم تجديد الحياة السياسية والثقافية بشرط إعطائهم المساحة الكافية من الحرية.

اما بالنسبة الى المسؤولين عن هذه التظاهرة الثقافية، فإنها لا تعدو أن تكون مناسبة من أجل «تجميل» صورة سورية الخارجية، لكننا نعلم أن الصورة ليست مجرد تصريحات سياسية أو إعلامية أو بيئة جغرافية ومناخية مميزة. إن الصورة وباختصار هي عبارة عن ذاكرة تاريخية تكثف مجمل التحولات التي تحدث في البلد، وبالتالي على قدر ما تكون هذه التحولات تسير باتجاه «المثل الإنسانية العليا» بقدر ما تكون الصورة التي هي باختصار انعكاس للواقع جيدة وفاتنة، لكن ما دام الواقع هو بذاته سيئ سياسياً واجتماعياً واقتصادياً وفكرياً، فمن الاستحالة أن نطالب بأن تكون صورتنا جذابة، إذ علينا أن نعمل بجد وصدق على تغيير واقعنا. عندها لن نحتاج إلى صرف الكثير من الأموال لتحسين صورتنا «المصطنعة» في العالم، بل ستكون صورتنا «الحقيقية» صورة البلد الذي يشهد حراكاً سياسياً ديموقراطياً يسمح بالتداول السلمي للسلطة، ويفتح المجال للتعددية السياسية، وتكون فيه الحريات الصحافية مكفولة لجميع المواطنين.

نشرت في الحياة في – 23/01/08

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق