لأننا ما نزال نبني الجدران

انتهى الزمن الذي يمكن أن يسمّى فيه هذا الفيلم فيلماً حديثاً، وانتهت فترة تألّق هذه المجموعة…خلصت موضة أغانيهم ودخلنا في عصر يتعامل معهم كتراث. لكن برغم كل هذا يبقى فيلم “الجدار” قادراً على إعادة إحياء نفسه في ذاكرة كل من تسنّى له أن يراه، فيلم لا يمكن له أن يصبح بالياً وقديماً في زمن يعيش أفراده داخل أشكال أخرى من الجدران، وفي زمن عاد بناء الجدار ليصبح رمزاً ملموساً ومجسداً من جديد.

لم يكن هذا الفيلم ثمرة عمل فرديّ بأيّ شكل من الأشكال، بل تضافرت جهود كل من المخرج آلان باركر وروجر ووترز وجيرالد سكارف- فنّان الرسوم المتحرّكة السياسية- والممثل بوب جيلدوف، بالإضافة إلى الإرث الموسيقي الخاص لفرقة البينك فلويد Pink Floyed، للخروج بهذه القطعة الفنية الصادقة والتي تعتبر صديقة جيل كامل من الرافضين لما كان يحدث في أوروبا وخارجها في ذلك الوقت.

{{* * *}}

تحكي قصة الفيلم حكاية نجم الروك الصاعد بينك، والّذي أثناء رحلته الفنّية في لوس أنجلوس يتصل بزوجته في إنكلترة ليكتشف – كما كان متوقّعاً- أنّها بصحبة رجل آخر من جماعة السلام الأخضر! يعود بينك المصدوم إلى غرفته في الفندق بصحبة فتاة لا تلبث أن تسوقه بعيداً في يأسه وحزنه لتزيد الأمور سوءاً. بعد موجة من الغضب التي تحوّل غرفة الفندق إلى خرابة يجلس بينك على كرسيّه أمام شاشة التلفزيون التي تبثّ الكثير من الاستعراضات والبرامج والأفلام المتعارف عليها عن الحرب.

على هذا الكرسيّ، وأمام الشاشة الخافقة بالهراء، يستغرق بينك في ذكرياته عن حياته، وعن كلّ تلك الأحداث المحزنة التي دعته ليغلق على نفسه هذا الجدار في وجه الآخرين. ينسحب ببطء من الواقع الذي فرض عليه بناء جداره في وجه عذاباته السخيفة والمهمّة على حدّ سواء، وتلحقه ذكرياته المتراكمة الخاصة ليغوص بها في حاله من الهلوسة والحقيقة.

هنا يتذكّر بينك حياته مع أمّه شديدة العناية إلى حدّ الاختناق، ويسترجع فقده لوالده في الحرب العالمية الثانية، وذلك عبر سلسلة من الصور البشعة والعنيفة التي يمكن لرجل أوروبيّ عايش الحرب أن يختزنها. يعود إلى أيام الدراسة الرّمادية اللون في مدرسة تحوّل فيها إلى مسخ دون كرامة أو فرادة، يعود إلى حياته القلقة بين ماضٍ مليء بالفقدان وحاضرٍ فاشل تعزّزه روائح المخدّرات ومحاولات الانتحار، فحتى بعد أن حقّق شهرة واسعة كنجم للروك لا ينفكّ جداره هذا يكبر ويتضخّم مع إحساسه بأنّه واقع في فخّ الشهرة وبأنه مجروح بسبب فشل علاقته العاطفية.

نراه ينساب بعيداً في كابوسه وهو يتخيّل نفسه قائداً سياسياً من أولئك الديماغوجيين عديمي الإحساس، حيث تحيله أوهام عظمته قائداً شبه هتلريّ بكلّ ما يملكه من استعراضات قوّة لجمهور غير واعٍ ولا متفكّر؛ إنهم الناس أنفسهم الذين ساهموا في بناء جداره، والذين جاؤوا وشهدوا ضدّه في النهاية، والذين دفعوا والده إلى الموت في الحرب.

تشكّل هذه اللحظات مفاصل محورية في تطوّر حكاية/شخصية بينك إذ يجد لديه – وللمرة الأولى- إمكانية التحوّل إلى أيّ رئيس فاشيّ في تلك الحرب ذاتها التي قتلت والده. فثورة الروك تتشابه في مخيّلته مع الثورة النازية، ويتحوّل هذا النوع من الموسيقى إلى دين-مملكة (رايخ) يحوي نفس الهرمية والطقوسية التي تحويها المجتمعات الـنازية، ونفس الجمهور الساهي عن كلّ شيء، والذي يستمتع قطيعياً في كلتي الحالتين دون وعي.

تقفز الحبكة أماماً ووراءً لتصعّد شيئاً فشيئاً من غضب بينك بين طفولة وماضٍ موصوم بالعزلة إلى حاضر يشكّ فيه في زوجته وفي قيمه الخاصة، لتزيد هذه الفكرة عمق عزلته ولتضيف مع باقي الأحداث طوبة أخرى في جداره. إنّنا نراه الآن ضائعاً يائساً مع الكثير من التصفيق اللاواعي والكثير من المخدّرات، وهاهو وكنتيجة لكلّ تلك الذكريات البائسة يدور الآن حلزونياً في فراغٍ كثيفٍ من الجنون، وصولاً إلى محاكمة نفسه عن جرائمه الحقيقية والوهمية التي أودت به إلى هذه الحالة … يصدر الحكم بأنّه مذنب وعقوبته تحطيم الجدار.

{{* * * }}

على الرغم مما قد يوحي به هذا السّرد المختصر للحكاية بالاعتيادية والبساطة وسهولة المتابعة، إلا أنّ الطريقة التي تقال بها هذه الأحداث فريدة جدّاً وعلى جانب كبير من التعقيد والرمزية التي تبعد شبح الملل والتقليدية عن قصّة قد تبدو مألوفة .

إنّ قصة الفيلم مرويّة بشكلٍ كاملٍ بأغاني فرقة البينك فلويد ومدعّمة بالأشكال والمؤثّرات المشهدية المذهلة التي قدّمها كل من باركر وسكراف. كمّية الحوار في الفيلم قليلة جدّاً لأنّ الموسيقى تلعب الدور الأهمّ والأكثر حيوية؛ ممّا يجعل من كلمات الأغاني سيناريو الفيلم الأوحد الذي لا يمكن فهمه دونها. تأتي الأغاني لتقول حكاية لا يلعب فيها الحوار أو التمثيل التقليديّ أيّ دور يذكر؛ إنّها ملحمة من الصور والموسيقى والرسوم المحملة برموز ورسائل.

فعندما يتذكّر بينك فقدانه لوالده نسمع أغنية “أعد الأطفال إلى منزلهم”، وعن علاقته الخاصّة مع أمّه نسمع أغنية “أمّي هل تعتقدين أنهم سيحاولون اقتلاع خصيتيّ”، وعندما يتذكّر أيام المدرسة نسمع الأغنية التي راجت جداً “نحن لا نحتاج إلى تعليم …لا نحتاج إلى سيطرة على أفكارنا…ولا إلى السخرية السوداء في صفوفنا…يا أستاذ، اترك الأطفال وحدهم…..كلّنا مجرد طوبة في الجدار”. عندما يتذكّر بينك الماضي نسمع أغنية “وداعاً أيتها السماء الزرقاء”، وعندما يتّصل بزوجته من أميركا نسمع أغنية “هذه أميركا تنادي” وأغنية “كيف يمكنك الذهاب وأنت تعلمين كم أحتاجك”.

ومع تطوّر حالة جنونه نسمع “الألعاب في العلية، إنّه مجنون” و”لا يمكنني القضاء على الألم” و”دفء الارتباك”. وبعد بنائه الجدار يتخيّل نفسه مثل هتلر ويغنّي “لو كان الأمر بيدي لأطلقت النار عليكم كلّكم”. وفي النهاية عندما يثور”عندما يتحرّر النمر” و”لا يمكنك اللحاق بي الآن” وصولاً إلى الأغنية الأكثر شهرة في الألبوم والفيلم على السواء “اكسر الجدار” و” كلّنا مجرد طوبة في الجدار”.

وكما نرى فإنّ أجزاء الحكاية المبعثرة ترتبط ببعضها البعض بواسطة كلمات الأغاني التي جاءت معبّرة ومكثّفة وأشدّ تأثيراً بارتباطها بالموسيقى ومشكلة تربة خصبة للتخيّلات، إذ يمكننا حقّاً أن نقول بأنّ الفيلم هو ميوزيكال مظلم – على غير العادة- تمّ رويه من وجهة نظر بينك.

بنفس الطريقة، تقدّم مشهدية هذا الفيلم مستوىً آخر من التلقّي يندمج بشكل عضويّ وتركيبيّ مع أغانيه، إذ تعكس الصور في الفيلم نوعاً من الشعر المهتاج والقلق… إنّه سباق من الصور المخرشة للذاكرة والمعبرة بقوة عن حياة رجل كـبينك. إذ يقارب المخرج موادّه بطريقة وأسلوب معين دامجاً الرسوم المتحركة مع تتابعات تشبه الأحلام يستخدمها الفيلم لتحل محل الحوار. وتنقسم مشهدية الفيلم البصرية إلى قسمين كان ووترز مسؤولاً مع باركر عن أوّلهما: اللقطات الحيّة. وسكراف مسؤولاً عن ثانيهما: الرسوم المتحركة.

لكن في واقع الأمر يصعب اللحاق بكلّ هذه الصور واللوحات على السواء، وبعد أن ينتهي الفيلم لا يمكن لنا تذكر كل التفاصيل التي خبرناها… كلّ ما نستطيع تذكره هو ذلك التفجّر من الصور المتلاحقة التي أحاطت ببينك من كلّ الجهات. وعلى الرغم من الفوضوية والعشوائية التي تبدو على الفيلم في كثير من اللحظات إلا أنّ هذا يتضارب حقاً مع آلية العمل التي يبدو جليّاً إنها كانت على سوية عالية من التنظيم والدراسة لتتمكن نهاية من أن تخرج بهذا النوع من التأثير، ولكي يصل المتفرج برفقة بينك -وليس قبله أو بعده- إلى حافة مشابهة من الضغط النفسي.

وعلى الرغم من أنّ التقنيات التي استخدمت عام 1982 تبدو الآن مألوفة إلا أنها –كما نلاحظ- لا تفقد معناها وقدراتها. فقد استطاع باركر أن يخرج كل ذلك إلى الحياة بحيوية الحياة نفسها وخاصة في المشاهد الجماعية التي تعمّ فيها الفوضى: من مشاهد الحروب التي بدت واقعية لأقصى حد، ومشاهد الأطفال في المدرسة ومن ثمّ ثورتهم، ومشاهد حفلات الروك. ولقد استطاع المخرج أن يحققها بمستوى عالٍ من المصداقية والتحكم بالتفاصيل بنفس الدقة والاهتمام الذي جاءت به مشاهد بينك الفردية.

وطبعاً من أهم عوامل نجاح اللقطات الحية هو وجود الممثل الخاص الذي استطاعت فرقة البينك فلويد أن تستفزه في مغني فرقة الروكBoomtown Rats ، إذ على الرغم من فقر ما قدمه بوب جيدولف Bob Gelduf لعالم الموسيقى إلا أن أداءه التمثيلي جاء مؤثراً جداً. فدون إمكانيات الحوار أو دون أن يكون قادراً على أن يقول لنا ما يحسّ داخله يجد جيدولف نفسه مجبراً على استخدام تعابير وجهه والجستات والإشارات الفيزيائية -البسيطة المكثفة أحياناً والعنيفة الصاخبة أحيان أخرى- ليوضح ما يفكر به وليقول سبب تعاسته. ففي البداية نراه جالساً في كرسيه متخشباً لا يستخدم إلا أقل ما يمكن من أدواته، لكنه لا يلبث أن يصبح مسعوراً هائجاً، فكلما دخل في تحولاته تزداد كثافة أداءه وتزداد صعوبته وبلاغته.

نعود إلى الشق الثاني من الجانب البصري ألا وهو الرسوم المتحركة التي جعلت الفيلم وقتها أكثر فرادة. فغالبية الصور المعروفة والتي شكلت ذاكرة الفيلم “الوجه الصارخ، المطارق وهي تمشي، المخلوقات العملاقة …” كلها مأخوذة من رسومات الفيلم. وصور الرسام المزعجة هذه تم إبداعها باستخدام وسائل مختلفة مثل الطبشور والباستيل والألوان المائية.

تتصف رسوم سكارف بالدقة لأقصى درجة، وبقدرتها على التحول بنعومة أو فجاجة حسب رغبته ودون أن تفتقد الذكاء و المنطق في هذا: فالعلم يتحول إلى صليب ينزف ومنظر حب ناعم بين وردتين ينفجر إلى اغتصاب عنيف. وخاصية هذا التحول أسبغت على الفيلم وفرة من التأويلات عبر خلق طبقات عديدة من الصور التي كانت تنساق وراء بعضها البعض، فمثلاً: رسمة اليمامة قد تنمسخ إلى رمز نازي ألماني لتتبعها صور القوى الجوية الملكية وآثار انكلترة وهي تتحول إلى أسطورة العنقاء مشكلة بذلك خطاً يمكن تتبع معناه وتأويله.

وهذه الرسوم التي استخدمها سكارف لها تاريخها الخاص والذي يضج بالمعنى للعارفين به. تسمى نوعية هذا الرسم بـ المانجا، وهي طريق يابانية الأصل تعود أصولها إلى بدايات الديانة البوذية. للمانجا قصة حياة طويلة ويرتبط اسمها بآلهة الشر في الحضارة اليابانية وكانت تستخدم دوماً لأهداف انتقادية ساخرة. إلا أن المانجا كطريقة غربية في التعبير دخلت السينما وقدمت في أعمال أخرى من أهمها “قتلة بالفطرة” لأوليفر ستون. والمهم معرفته عنها أنها ارتبطت بالتعبير عن العنف والجنس والحرب، فقلما تستخدم الألوان الزاهية في رسوم المانجا القديمة، إذ يتم التركيز فيها على اللونين الأحمر والأسود على خلفية من المساحات البيضاء. وقلما تثير هذه الرسوم تعاطف الصغار على الرغم من ارتباطها الحديث بهم! فهي صممت أصلاً لتكون للكبار ومشاكلهم ومفاهيمهم.

{{* * * }}

نخلط الزمان بالمكان، الحقيقة بالكابوس، ونحن نخترق ذكريات بينك المؤلمة، عالمه الفصامي من جهة ( فمثلاً حلق الحواجب حالة مميزة للفصام وشبه الفصام) والإدماني من جهة أخرى؛ فأجواء الفيلم ومسار تداعي الأفكار واللقطات “عنفها وغرابتها” توحي بهلوسات المخدرات والـ L.S.D. كما يتم وصفها تشخيصياً. حتى صورة الدود يتم وصفها عند متعاطي الكوكائين في حالات الجرعات الزائدة.

إن المشكلة الرئيسية التي يعانيها بينك يمكن تكثيفها بأنه يحس بالفقد: فقد والده في الحرب، وفقد الحيوان “الجرذ” الذي رباه، ونهاية يستثار بفقد حبيبته. لقد جاء هذا الفقد -رغم توقعه- كالشعرة التي قسمت ظهر البعير! وهذه الأشكال من الفقد لا تلبث أن تبعث ببينك بعيداً في عالم يفقد فيه التواصل الكلامي والجنسي معناه.

والحقيقة يمكن ربط مشكلة فقدان أب بينك مع أخيلته الجنسية التي توحي بخوف واضح وذلك بمحاولة مقاربة الشخصية على أنها تعاني “أوديبية” يلتف الفيلم على تقديمها. فعلاقته القوية بأمه وعلاقة أمه القوية به أمر يتم إيضاحه بشكل مباشر في الفيلم، هذا التعلق الذي يتحوّل في لحظة من لحظات الفيلم إلى تماهٍ مع صورة الأب الغائب في الحرب “بارتداء ملابسه أمام مرآة الأم”. هذا الإبدال يفاقم شعوره بالذنب مع موت الوالد، ويبدأ بعدها بحثه عن رمز أبوي في حياته – عن حجر الزاوية في جداره كما نرى في أحد المشاهد- ليرى نفسه نهاية متماهياً مع السلطة نفسها!

كما ويقدم الفيلم مفهوماً مركباً عن الأنثى: الأم وزوجة الأستاذ –وهذا نموذج متسلط ومهيمن وخصاء- من جهة، ومن جهة أخرى يقدم نموذجاً متعهراً ولا مبال وبالتالي خصاءً. وبناءً على ذلك فإنّ رد فعل الذكر حادّ ومنطوٍ فنراه يعاني فقدان الحوار بوجود الحرية الجنسية بطريقة مشابهة لفقده بفقدانها. كما يعاني بينك من انصهار مع الأنا الأعلى الفجة للمجتمع –تلك التي هرب منها سابقاً- بشكلها القمعي والرافض للاختلاف (كما نراه وهو يتقمص شخص هتلر يدعو إلى إخراج كل الشواذ والشيوعيين من القاعة) الأمر الذي ينبهنا إلى مشكلة الهوية التي يعاني منها.

{{* * * }}

لا يمكن تصنيف الفيلم حقيقة تحت أي صنف كلاسيكي أو متعارف عليه، إنه يخلق توجهاً جديداً ضم سابقاً فيلم “البرتقالة الآلية” وسيضم لاحقاً فيلم “قتلة بالفطرة” . أفلام لا تقتصر على الإمكانيات المتعارف عليها للفن السابع بل متجاوزة باتجاهات أكثر كثافة وقدرة على التعبير.

إنه رحلة سريالية عبر حواس شخصية فريدة وشديدة الحساسية تقع على حافة العبقرية أو الجنون، تهرب داخل ذلك الجدار الدائري الذي تبنيه حولها تدريجياً منذ طفولتها لعزل نفسها؛ جدار من المكبوتات: أحجاره من الهروب والفقد ومفردات الحياة الاستهلاكية. ليصبح بناء الفيلم بحد ذاته يعتمد على البناء التدريجي لجدار بينك الشخصي، ليقود الفيلم اللعبة نهاية إلى هدم هذا الجدار البرليني إن جاز التعبير!

هذا الفيلم الغريب والمتعب والجميل يحصل بنفسه على الإعجاب الذي يستحقه.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق