لاذقية العرب / بقلم محمود الزيباوي

أنشأها الملك السلوقي سلوقيوس نيكاتور، وأطلق عليها اسم والدته لاذوكيا. عمرت وتوسعت في الحقبة الرومانية، واستمرت في الازدهار في الحقبة البيزنطية، ثمّ فتحها والي حمص عُبَادة بن الصامت الأنصاري، وعُرِّب اسمها الأصلي، فباتت لاذقية العرب.

 

تصارع عليها العرب والروم في الحقبة الأموية، واستمر هذا الصراع في الحقبة العباسية، ثم دخلت في دوّامة الحروب الصليبية، وتحولت ساحة حرب مفتوحة إلى أن بسطت دولة المماليك سلطتها عليها. حافظت على موقعها برغم هذه التحولات، فعُرفت بـ”مدينة التجار” ولُقّبت بـ”عروس الساحل”، وظلّت مدينة مختلطة تسكنها ملل ونحل متعددة.

في مطلع القرن الرابع قبل الميلاد، أنشأ سلوقيوس الأول نيكاتور مدناً عدة، منها مدينة على ضفاف دجلة سمّاها على اسمه، ومدينة على العاصي حملت اسمه والده انطيخوس، ومدينة على الشاطئ السوري حملت اسم أمه لاذوكيا. ازدهرت هذه المدن السلوقية ازدهاراً كبيراً، ونُقشت أسماؤها على قطع النقود، وبات اسم المدينة الساحلية “لاذوكيا التي على البحر” لتمييزها عن مدن أخرى حملت الاسم نفسه. في الحقبة الرومانية، عرفت المدينة البحرية نهضة عمرانية، ورفعها الأمبراطور سبتيموس سفيروس إلى مصاف الـ”متروبوليس”، أي “المدينة الرئيسية”، وأمر بتوسيعها، وأهم شواهد هذه النهضة قوس النصر التي لا تزال قائمة اليوم في حي “الصليبة”، وسط المدينة. بعدها دخلت لاذوكيا في العصر البيزنطي، وكانت بحسب التقسيم الإداري ضمن مقاطعة “سوريا الأولى” التي عاصمتها إنطاكية. لمعت المدينة في زمن صعود المسيحية، وبرز فيها أعلام ساهموا في بلورة عقائد الكنيسة الكبرى وسط المذاهب والبدع المتصارعة والمتحاربة. في ذلك الزمان، واجهت المدينة زلزالاً كبيراً راح ضحيته العديد من أبنائها، غير أنها قامت من كبوتها، وعمرت من جديد.

في القرن السابع، عاشت المدينة تحولاً تاريخياً إثر معركة اليرموك الشهيرة. هزم العرب الروم، وشرعوا بفتح المدن السورية. هكذا فُتحت لاذوكيا بالقوّة على يد أبي عبيدة عبادة بن الصامت الأنصاري بتكليف من أبي عبيدة بن الجرّاح، وعُرِّب اسمها، فأضحت اللاذقية. بحسب الرواية المتداولة، حاصر أبو عبيدة حمص ثم فتحها صلحاً على إثر زلزال وقع فيها، ثم اتجه إلى اللاذقية فحاصرها، فتصدّى له سكانها، وأطالوا الحصار أملا بإنقاذ أنطاكية، لكّنه تمكن من فتحها بالحيلة وبالقوة. نقرأ في “فتوح البلدان”: “استخلف أبو عبيدة عبادة بن الصامت الانصاري على حمص، فأتى اللاذقية فقاتله أهلها، فكان بها باب عظيم لا يفتحه إلا جماعة من الناس، فلما رأى صعوبة مرامها عسكرَ على بعد من المدينة. ثم أمر أن تحفر حفائر كالأسراب، يستتر الرجل وفرسه في الواحدة منها. فاجتهد المسلمون في حفرها حتى فرغوا منها. ثم إنهم أظهروا القفول إلى حمص، فلما جنّ عليهم الليل، عادوا إلى معسكرهم وحفائرهم، وأهل اللاذقية غارون يرون أنهم قد انصرفوا عنهم، فلما أصبحوا، فتحوا بابهم وأخرجوا سرحهم، فلم يرعهم إلا تصبيح المسلمين إياهم، ودخولهم من باب المدينة”. فُتحت اللاذقية عنوة، وعلا التكبير في حصنها، وهرب بعض من قومها، ثم طلبوا الأمان، وعادوا إلى المدينة بشرط دفع خراج محدّد، سواء قلّوا أم كثروا، ورُدّت لهم كنيستهم، وشيّد المسلمون مسجداً جامعاً بأمر عبادة بن الصامت، وجرى توسيع هذا المسجد في مرحلة لاحقة.

 

بين العرب والروم

قسّم العرب سوريا أربعة أجناد، وهي جند دمشق، وجند حمص، وجند الأردن، وجند فلسطين. وباتت اللاذقية تابعة لجند حمص، وبقي هذا التقسيم قائماً في العصر العباسي الأول، كما يُستدلّ من قول اليعقوبي في كتاب “البلدان”: “على ساحل البحر من جند حمص أربع مدن: مدينة اللاذقية وأهلها قوم من يمن من سليح وزبيد وهمدان ويحصب وغيرهم. ومدينة جبلة وأهلها همدان، وبها قوم من قيس ومن أياد. ومدينة بلنياس (أي بانياس) وأهلها أخلاط. ومدينة أنظرظوس (أي طرطوس) وأهلها قوم من كندة”. لم تعرف اللاذقية السلم في تلك الحقبة، كما لم تعرفه في الحقبة الأموية، وتحوّلت إلى ما يشبه دول الثغور بسبب وقوعها عند حدود أمبراطورية الروم. وفقا لرواية وردت في “فتوح البلدان”، أغار الروم “في البحر على ساحل اللاذقية فهدموا مدينتها وسبوا أهلها، وذلك في خلافة عمر بن عبد العزيز سنة مئة، فأمر عمر ببنائها وتحصينها”. وجاء في رواية أخرى: “لم يمت عمر بن عبد العزيز حتى حرّر مدينة اللاذقية وفرغ منها”، وقام بتجديدها وبتحصينها، وتتابعت هذه الأعمال في عهد خلفه يزيد بن عبد الملك. استمرت الحروب بين العرب والروم في زمن انقسمت فيه أمبراطورية بني عباس دولاً وإمارات تتنازع على السلطة. 

تولّى التنوخيون على اللاذقية، وكانت المدينة لا تزال في إمرة هذه الأسرة حين قصدها المتنبي، كما يشهد شعره، ومنه قوله في مدح أميرها الحسين بن اسحاق: “لك الخير غيري رام من غيرك الغنى/ وغيري بغير اللاذقية لاحق”. وتفسير البيت بحسب المعرّي في “معجز أحمد”: غيري من الناس طلب الغنى من غيرك، والتحق بغير بلدتك، فأما أنا فلا أفضل سواك عليك. إن اللاذقية هي الغرض الأبعد الذي لا غاية بعده، ومنيتي رؤيتك، والدنيا كلها منزلك، وإن كان مسكنك اللاذقية، وأنت جميع الخلق، بما فيك من فضائل الناس كلهم. بعد التنوخيين، حكم الحمدانيون في حلب، وشملت سلطة سيف الدولة شمال سوريا، فأصبحت اللاذقية تابعة لحلب. شنّ أمبراطور الروم نقفور حملته على هذه الدولة أملا باستعادة سوريا، ونجح في بسط سلطته على الساحل، وباتت اللاذقية من جديد “رومية”، مما ساهم في تأجيج الصراع بين المسلمين والمسيحيين. يتردّد صدى هذا الصراع في بيت شهير للمعري نقله الرواة في أكثر من صيغة، وهو في “معجم البلدان”: “في اللاذقية فتنة ما بين أحمد والمسيح/ هذا يعالج دلبة والشيخ من حنق يصيح”، والدلبة هي الناقوس، أما الشيخ الذي يصيح فهو المؤذن.

 

من حوزة إلى حوزة

على مدى القرون الوسطى، انتقلت اللاذقية من حوزة إلى حوزة، فتصارع عليها الحكّام المسلمون، كما تصارع عليها الحكّام الروم، ثم دخلت في دوامة الحروب الصليبية، وتصارع عليها الحكّام الفرنجة، وذلك في زمن انقسم فيه الإسلام نحلاً متحاربة. وحين مر الرحالة الأندلسي ابن جبير بالساحل السوري، خال أن الشيعة “أكثر من السنيين” في هذه البلاد، “وقد عمروا البلاد بمذاهبهم، وهم فرق شتى، منهم الرافضة، وهم السبتابون، ومنهم الإمامية والزيدية، وهم يقولون بالتفضيل خاصة، ومنهم الإسماعلية والنصيرية”. وقف الرحالة أمام جبل لبنان “السامي الارتفاع”، ورأى أنه “حد بين بلاد المسلمين والإفرنج، لأن وراءه أنطاكية واللاذقية وسواهما من بلادهم، أعادها الله للمسلمين، وفي صفح الجبل المذكور حصن يعرف بحصن الأكراد، هو للإفرنج، ويغيرون منه على حماة وحمص، وهو بمرأى العين منهما”. استقر أتباع النصيرية في جبال اللاذقية، فعُرفت هذه الجبال باسمهم. على خطى ابن جبير، مرّ ابن سعيد المغربي بـ”جبل النصيرية”، ووجده “قائماً كأنه حائط على جبلة واللاذقية”، وأضاف في وصف سكانه: “وهم منسوبون إلى نصير مولى علي رضي الله عنه، ويزعمون أن علياً قدّس الله روحه وقفت له الشمس كما وقفت ليوشع، وكلّمته الجمجمة كما كلّمت المسيح”.

عانت اللاذقية من الحروب المتواصلة على مدى قرنين من الزمن، وتحوّلت ساحة حرب مفتوحة بين المسلمين والفرنجة. شنّ عليها أمير حلب عماد الدين زنكي على غفلة حملة قادها نائبه سيف الدين أسوار، “فنهبوا منها شيئاً كثيراً، وقتلوا وأسروا سبعة آلاف أسير ما بين رجل وامرأة وصبي، وغنموا ماية ألف رأس من الدواب، ما بين فرس وحمار وبقر وغنم، وغنموا غير ذلك من الأقمشة والعين والحلي ما لا يدخل تحت الإحصاء، وخربوا بلاد اللاذقية وما جاورها، ورجعوا بالظفر والغنيمة”، كما نقل النميري في “نهاية الأرب في فنون الأدب”. بعد ما يقارب الثلاثة عقود، قام نور الدين زنكي بهجوم مشابه. وتمّ فتح اللاذقية على يد صلاح الدين الأيوبي بعد حصار استمرّ شهراً. في “الكامل في التاريخ”، يخبرنا ابن الأثير أن السلطان وصل إلى اللاذقية بعد فتح جبلة، “فترك الفرنج المدينة لعجزهم عن حفظها، وصعدوا إلى حصنين لها على الجبل فامتنعوا بهما، فدخل المسلمون المدينة وحاصروا القلعتين اللتين فيهما الفرنج، وزحفوا إليهما، ونقبوا السور ستين ذراعاً، وعلقوه، وعظم القتال، واشتد الأمر عند الوصول إلى السور، فلما أيقن الفرنج بالعطب، ودخل إليهم قاضي جبلة فخوّفهم من المسلمين، طلبوا الأمان، فأمّنهم صلاح الدين، ورفعوا الأعلام الإسلامية إلى الحصنين، وكان ذلك في اليوم الثالث من النزول عليها. وكانت عمارة اللاذقية من أحسن الأبنية وأكثرها زخرفة مملوءة بالرخام على اختلاف أنواعها، فخرّب المسلمون كثيراً منها، ونقلوا رخامها، وشعثوا كثيراً من بيعها التي قد غرّم على كل واحد منها الأموال الجليلة المقدار”.

سلّم صلاح الدين اللاذقية إلى ابن أخيه تقي الدين عمر، “فعمّرها، وحصّن قلعتها”، “وكان عظيم الهمة في تحصين القلاع والغرامة الوافرة عليها، كما فعل بقلعة حماة”. تواصلت الحروب بين الصليبيين والأيوبيين، ولم تتحرّر اللاذقية من الفرنجة إلا في عهد المماليك حيث أُلحقت بنيابة طرابلس التي شملت الساحل السوري واللبناني، وصولا إلى عكا. مرّ بها ابن بطوطة في تلك الحقبة، وقال في وصفها: “هي مدينة عتيقة على ساحل البحر”، و”يزعمون أنها مدينة الملك الذي كان يأخذ كل سفينة غصباً”. على مثال ابن جبير وابن سعيد المغربي، تحدّث الرحّالة القادم من طنجة عن النصيرية، وقال إن “أكثر أهل هذه السواحل” هم من هذه الطائفة، “وكان الملك الظاهر ألزمهم بناء المساجد بقراهم، فبنوا بكل قرية مسجداً بعيداً عن العمارة، ولا يدخلونه ولا يعمرونه”.

 

آخر بلاد الشام الساحلية

بقيت اللاذقية على مدى هذه العصور مدينة مختلطة تسكنها مجموعات من ملل ونحل متعددة، واحتفظت بموقعها التجاري المتوسطي، وعُرفت باسم “مدينة التجار”. هي بحسب تعريف الحِميري في “الروض المعطار في خبر الأقطار”: “في آخر بلاد الشام الساحلية وبقرب أنطاكية ووراء القسطنطينية، والبحر منها غرباً. وهي وفقاً لقول الإدريسي في “نزهة المشتاق في اختراق الآفاق”: مدينة عامرة آهلة، كثيرة الخصب والخيرات، وهي على نحر البحر، ولها ميناء حسنة ترسى بها المراكب والقوارب القاصدة إليها”. وصفها يعقوب الحموي في “معجم البلدان”، وقال: “مدينة عتيقة رومية، فيها أبنية قديمة مكينة، وهو بلد حسن في وطاء من الأرض، وله مرفأ جيد محكم، وقلعتان متصلتان على تل مشرف على الربض، والبحر على غربها وهي على ضفّته، ولذلك قال المتنبي: 

ويوم جلبتها شعث النواصي/ معقدة السباسب للطراد

وحام بها الهلاك على أناس/ لهم باللاذقية بَغي عاد

وكان الغرب بحراً من مياه/ وكان الشرق بحرا من جياد” 

 

عن ملحق النهار الثقافي 28/8/2011

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق