لا تثقوا بكبار السن

أعقد حركة في المادة هي حركة المجتمع، وأعقد مافي حركة المجتمع هي الثورة، والثورة في اللغة تعني الهيجان والوثوب والسطوع. أما الاصطلاح اللاتيني Revolution "طواف جرم سماوي في مدار" المقابل لكلمة ثورة باللغة العربية فهو تعبير فلكي الأصل شاع استعماله بعد أن أطلقه نيقولاوس كوبرنيكوس (1473-1543) وهو عالم الفلك البولندي الذي قال بأن الأرض وسائر الكواكب السيارة تدور حول الشمس وحول نفسها. ولما كانت هذه الحركة لا تخضع لسيطرة الانسان فلقد تضمنت الثورة معنى الحتمية. لقد استُعمل هذا الاصطلاح للدلالة على التغيرات المفاجئة والجذرية التي تحدث في النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

هذا ما أكدته الماركسية واثبتته الأحداث التي توالت فصولا في ما أصبح يسمى بثورة الشباب في مصر التي اعتمدت على المعرفة التكنولوجية، تخطيطاً وادارةً وتنفيذاً، فمن كان ليصدق إن شباب الانترنت يستطيعون تنظيم أنفسهم عبر صفحات المواقع الاجتماعية كقيادة فعلية للثورة ويسحبون من وراءهم أحزاباً شابت على مجد الشعارات، وشعباً أدمن الصبر والطيبة والمكتوب على الجبين، في دولة يزحف نحو ثلث أبناءها تحت خط الفقر، من سكان المقابر إلى العشوائيات.

لكن هل حُذفت ايقونات الأحزاب والتنظيمات – التي شاخت شعارتها من فرط التكرار البليد- من سطح الأحداث إلى سلة التاريخ؟ أم إن هناك استعادة من سلة المحذوفات إلى سطح المتغيرات، تتم بأيدي قوى خفية تجعل قيادات تلك الأحزاب والتنظيمات السياسية، من كبار السن ممن زادتهم الأيام حنكة وصبراً حتى تأتي القطوف أكلها ويحين وقت المغانم، أحزاب الايديولوجيات الديناصورية والشخصيات الكارزمية التي ملأت تاريخنا بجرائمها وهزائمها، ومن ينسى ما فعلته مراكز القوى أيام عبد الناصر عليه أن يعود لأرشيف السينما المصرية وما روته ووثقته من أحداث، في فلمي "الكرنك" و"احنا بتوع الأوتوبيس" على سبيل المثال لا الحصر.

كبار السن، أؤلئك الذين حوّلت التجارب جلّ اهتمامهم إلى الكيفية التي يتم بواسطتها الاحتفاظ بالمواقع والرتب بعد أن بدأت خيانات الجسد وتقصيره بالقيام بوظائفه البيولوجية والاستمتاع باللذات على الوجه الأكمل، وقلة ساعات النوم، ودنو الأجل، والرغبة الملحّة بالخلود.

أتذكر الآن شعاراً رفعته أحدى الفرق الموسيقية الشبابية في سبعينات القرن الماضي يقول:  "لاتثقوا بكبار السن"، كان شعاراً للمتمردين على المجتمع المحافظ وآلياته المتحكمة اللاجمة لاندفاع الشباب وجموحهم. أتذكرهذا الشعار عندما أرى الوجوه القديمة للأحزاب التي عادت على واجهة الأحداث بقياداتها المسنّة ومن وراءها قوى ومصالح وإعلام وقنوات فضائية تمهّد السبيل وتسلط الأضواء على هذا الحزب أو ذاك وهذه الشخصية أو تلك بتخصيص مساحة أكبر لحليف مستقبلي يحمي مصالح ويضمن علاقات متميزة ويسرق الثورة من أيدي صنّاعها.

لا أريد الدخول في حديثي عن ثورة الشباب من أحد البابين أي باب التفاؤل وباب التشاؤم بل أفضّل أن أتحدث بواقعية عن مجريات الأمور، فثمة أسئلة ملحّة تتبدى لكل مراقب، حول الثورة وأهدافها قبل السؤال عن نتائجها، تثيرها الشعارات والصور التي ارتفعت مؤخراً في ساحة التحرير كشعار الاسلام هو الحل وصورة كصورة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر إلى جانب اللافتات المطلبية التي رفعت أولا والتي تدعو لمحاسبة المستبدين واللصوص الذين عاش الشباب جلّ عمرهم وهم يستمعون لأحاديثهم وخطاباتهم ويبجلون رموزهم دون التوقف أمام خديعة دامت ثلاثة عقود على الأقل.

من نافل القول إن الاستبداد كان السبب الرئيسي للثورة. لكن الغريب أن تكون ثورة الشباب ضد الاستبداد وترفع رموزاً وصوراً كانت هي الاستبداد بعينه، صحيح إن عبد الناصر لم يسرق مليارت الدولارات من شعب مصر كما فعل خَلفه ولكن القمع الذي مارسته مراكز القوى التي كانت على عهده هي مثال صارخ على الاستبداد، "ولا يُطلَب العدل بالجور"" لأن فاقد الشيء لا يعطيه.

كما إن الشباب الذين رفعوا صوراً للشهيد "جيفارا" لا يمكنهم أن يرفعوا صوراً للأخوين "كاسترو". ومن غير المعقول أن يكتفي الشباب بتنحي مبارك ويعتبرون أن ثورتهم أنجزت أهدافها، فما أسسه نظام مبارك في ثلاثة عقود لا يمكن أن ينتهي بإزاحة شخص واحد أو قيادات حزبه، وإلا فهي ليست ثورة بل انتفاضة لتحقيق مكاسب ومطالب قد تقوم بها نقابة تدافع عن مصالح منتسبيها.

الموضوع الأساسي لثورة الشباب التي أخذت طابع القيادة الجماعية هو طي صفحة الماضي بأبطاله الفرديين والدخول في مرحلة جديدة عنوانها الثورة المستمرة التي تتابع خطواتها إنجازاً بعد آخر وتصحح مسيرتها بالتجربة والتعلم من الخطأ لا برفع الشعارات ولا التغني بأمجاد زائفة حققها جيل الهزيمة والاستبداد.

وللوقوف على معنى الاستبداد نذكر هنا ماقاله عبد الرحمن الكواكبي في كتابه طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، فهو خير ملهم للشباب لكي يضعوا أيديهم على الجرح ويشخصوا سبب المصائب التي حلّت على الشعوب العربية جميعاً. يقول الكواكبي: (الاستبدادُ لغةً هو غرور المرء برأيه، والأنفة عن قبول النّصيحة، أو الاستقلال في الرّأي وفي الحقوق المشتركة.

ويُراد بالاستبداد عند إطلاقه استبداد الحكومات خاصّةً؛ لأنّها أعظم مظاهر أضراره التي جعلتْ الإنسان أشقى ذوي الحياة. وأما تحكّم النّفس على العقل، وتحكُّم الأب والأستاذ والزّوج، ورؤساء بعض الأديان، وبعض الشركات، وبعض الطّبقات؛ فيوصف بالاستبداد مجازاً أو مع الإضافة.

الاستبداد في اصطلاح السّياسيين هو: تَصَرُّف فرد أو جمع في حقوق قوم بالمشيئة وبلا خوف تبعة، وقد تَطرُق مزيدات على هذا المعنى الاصطلاحي فيستعملون في مقام كلمة "استبداد" كلمات: استعباد، واعتساف، وتسلُّط، وتحكُّم. وفي مقابلتها كلمات: مساواة، وحسّ مشترك، وتكافؤ، وسلطة عامة. ويستعملون في مقام صفة "مستبدّ " كلمات: جبّار، وطاغية، وحاكم بأمره، وحاكم مطلق. وفي مقابلة "حكومة مستبدّة " كلمات: عادلة، ومسؤولة، ومقيّدة، ودستورية.

ويستعملون في مقام وصف الرّعية "المستَبَدّ عليهم" كلمات: أسرى، ومستصغرين، وبؤساء، ومستنبتين، وفي مقابلتها: أحرار، وأباة، وأحياء، وأعزّاء. هذا تعريف الاستبداد بأسلوب ذكر المرادفات والمقابلات، وأمّا تعريفه بالوصف فهو: أنّ الاستبداد صفة للحكومة المطلقة العنان فعلاً أو حكماً، التي تتصرّف في شؤون الرّعية كما تشاء بلا خشية حساب ولا عقاب محقَّقَين. وتفسير ذلك هو كون الحكومة إمّا هي غير مُكلّفة بتطبيق تصرُّفها على شّريعة، أو على أمثلة تقليدية، أو على إرادة الأمّة، وهذه حالة الحكومات المُطلقة. أو هي مقيّدة بنوع من ذلك، ولكنّها تملك بنفوذها إبطال قوّة القيد بما تهوى، وهذه حالة أكثر الحكومات التي تُسمّي نفسها بالمقيّدة أو بالجمهورية..

ومن الأمور المقرَّرة طبيعةً وتاريخاً‌ أنَّه؛ ما من حكومة عادلة تأمن المسؤولية والمؤاخذة بسبب غفلة الأمّة أو التَّمكُّن من إغفالها إلاّ وتسارع إلى التَّلبُّس بصفة الاستبداد، وبعد أنْ تتمكَّن فيه لا تتركه وفي خدمتها إحدى الوسيلتين العظيمتين: جهالة الأمَّة، والجنود المنظَّمة. وهما أكبر مصائب الأمم وأهمّ معائب الإنسانية، وقد تخلَّصت الأمم المتمدُّنة ـ نوعاً ماـ من الجهالة، ولكنْ؛ بُليت بشدة الجندية الجبرية العمومية؛ تلك الشّدة التي جعلتها أشقى حياةً من الأمم الجاهلة، وألصق عاراً بالإنسانية من أقبح أشكال الاستبداد، حتَّى ربَّما يصحّ أن يقال: إنَّ مخترع هذه الجندية إذا كان هو الشّيطان؛ فقد انتقم من آدم في أولاده أعظم ما يمكنه أنْ ينتقم!).


يعيدنا كلام الكواكبي إلى أسباب الثورة وكيف إن الاستبداد بكافة معانيه سالفة الذكر كان أهم أسباب الثورة ثمّ تأتي الحاجة الملحّة للتغيير. أقول ملحّة بنظر الشباب بالتأكيد، ومن هنا جاءت مطالبهم بتغيير الدستور لا ترقيعه بتعديل بعض فقراته، واسقاط كافة رموز العهد السابق ووجوهه والدعوة لحكومة جديدة مؤقتة، ليس فيها من ساهم في حكومات ثلاثة عقود فاسدة، تمهّد لاجراء انتخابات برلمانية تؤسس لنظام حكم ديمقراطي برلماني وليس رئاسياً. يعي شباب ثورة مصر الخطوات التي يجب اتخاذها لتحقق الثورة أهدافها واحداً تلو الآخر لكن هناك من يلعب بورقة الصبر ويراهن على انطفاء جذوة الروح التي أشعلت حماس الشباب لكي يدلو بدلوه من باب التقوى والزهد بحطام الدنيا وكونه ليس بطالب سلطة، وهو من المدمنين على الجلوس في الصفوف الأولى، بالمناسبة هناك تصريح لمبارك قبل أن يتنحى بيومين قال فيه أنا لم أكن في يوم من الأيام  طالب سلطة!!!
لذلك أقول لشباب ثورة مصر "لا تثقوا بكبار السن".
 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق