لا تقلُّ عن محاولات أديسون.. الفاشلة

ابتسمي من فضلك”

قال المصور متأهباً لالتقاط صورة لي بقصد الحصول على هوية وطنية جديدة بديلة عن التي ضاعت، وباءت محاولاتي في العثور عليها بالفشل.

ضياعها كان حدثاً سعيداً أراده الله: “ولا رفض لمشيئتك” فصورتي القديمة التي ألصقت عليها كانت تدفعني للفرار بعيداً كلما أمعنت النظر في ملامح وجهي. إنها مبالغة؟ لا والله فلو رأيتم تلك الصورة لعرفتم السبب إذ أن عيون الصورة حُرمت من بريق يهتف للحياة كما هي عادة النساء الأخريات أيضاً لا ابتسامة مغرية تشق عنها الشفتين بل كانتا مذمومتين بتوتر غريب، واستكمل أمرها بفقدانها كراسي خدود ملونة تحرك مشاعر الشعراء.

كانت الصورة ملامح مختصرة قدر الإمكان عجنتها الكاميرا ساعة تعب، ولذلك نادراً ما أخرجتها أمام غرباء، وكانوا يتساءلون باستهجان: تسيرين بلا هوية؟! تسافرين من غير هوية؟! ما هذه الجرأة!! تتقدمين لوظيفة حكومية بدون هوية؟!
تحت ضغط كهذا كنت أضطر لإظهارها من الحقيبة، وأنا غير متأكدة من أنهم لن يفرّوا كما يحصل لي.

ورغم أن تشكيل ابتسامة على شفتي يحتاج لمجهود يشبه الجهد المبذول لإنتاج عمل عبقري، إلا أني مصرّة في هذه الصورة الجديدة على ابتسامة: مغرية. لطيفة. مسترخية ومهللة للحياة تلصق على الهوية الشخصية.

لقد خططت لهذا الحدث منذ أسبوعين: أمام المرآة و بين الأصدقاء والأقارب الواجمين و أمام التلفاز عند مشاهدة نشرات الأخبار وحين أتابع مشاهد الغرام في الأفلام الرومانسية. كنت أدرّب نفسي على الابتسام في الأسواق: بين أكوام الخضر والفواكه الذابلة و أخرق خط التماس بين شفتي مع كل حبة بندورة بلاستيكية أحصل عليها، و كيلو غرام فاصوليا أحصل على قرونه بعد أن توزن بميزان الذهب، وكل باقة بقدونس نمت وترعرعت على مياه الصرف الصحي. كنت أبتسم كثيراً.

الآن وأنا أتمركز على كرسي التصوير بانتظار التقاط الصورة خططت عيوني بكحل أرسلته صديقة عراقية واستخدمت فرشة رموش قريبتي اللبنانية واستكملت المكياج ببودرة خدود من ابنة خالي الغزاوية، أما أحمر الشفاه فكان من ممتلكاتي الخاصة: سوريّ الصنع.

غرزت في خصلات شعري، وخلافاً لهويات الغرباء، وردة سلام جاءت مع آخر وفد من أسامة بن لادن تعبيراً عن تصالحه مع النصارى واليهود والمذاهب الإسلامية الأخرى غير الوهابية.

{{كان وضعي على كرسي التصوير مثالياً!}}

تك، ولمع ضوء فلاش الكاميرا. نظر المصور للصورة واجماً: سنعيد الكرّة. تك ثانية ولمع ضوء الفلاش مرة ثالثة. تك رابعة ولمع ضوء الفلاش خامسة. قمت عن الكرسي لأختار صورة تناسب هويتي.

أقول الحقيقة ولن يصدقني أحد: إن صورتي التي ستلصق على الهوية الوطنية برقم 00009500095 انحسر منها اللون البشري وحشر تحت بشرتي دم وقيح لم أعرف مصدراً لهما، ودّون عليها من غير قصد وعي ذاتي مضطرب خرج مع عملية الشهيق والزفير، فأية ملامح جامدة ولئيمة عرضتها الصورة!! وتلك الرغبة التي اجتاحتني: أن يرفرف الحمام من عينيّ. كانتا كأنما سجنتا الحمام، وطغى عليهما تعبير الفزع والخوف بدل رفرفته.

عيناي قامتا بإفشاء سر لغة الإشارات ولغة الروح وتسلل منهما تعبير الناظر لتلال من الجثث.

وحّد وجهي لأول مرة في التاريخ العربي ملامح الذكور والإناث وظهرت كدمات وانتفاخا.

قررت العودة إلى مكان التصوير في مرة أخرى و يوم آخر، بعد أن أكون راقبت الشمس في شروقها وغروبها وبعد أن أنثر الحَبَّ للحمام المرتجف وأملأ دلو ماء، من مياهنا المهدورة بين الجبال، لأسقي وردة القرنفل وبعد أن ألتقط من عيني حبيبي، الذي نسي الحب تحت ضغط أعباء الأسعار المرتفعة، نظرة حب هاربة.. بعد كل ذلك سأعود للمصور ليلتقط لي صورة جميلة ألصقها على الهوية الوطنية.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق