«لا طريق إلى الجنة» لحسن داوود.. حين يخرج الشيخ من عباءته / احمد زين الدين

في حركة سردية متمهّلة الإيقاع، وعبر عملية وصفية متأنية تشبه ترصيع المنمنات الصغيرة الحجم، الدقيقة الصنعة، داخل جدارية كبيرة، يضعنا الكاتب حسن داوود في روايته الجديدة «لا طريق إلى الجنة» (دار الساقي) في قلب معاناة وجودية، واختبار ذاتي لشيخ شيعي شاب في احدى قرى جنوب لبنان، يحاول ان يتلمّس طريقه الى منابع حياته الجوانية، التي تعيق الوصول اليها التقاليد الثقيلة التي ورثها، والأعراف الاجتماعية التي ألقيت على عاتقه بصفته الدينية، وبحكم نسبه الى سلالة السادة الأشراف والمشايخ. هذا الثقل المعنوي يفترض منه، ومن هو في حالته، ان يتحلّى بمسلكية ملائمة لدوره ومهمته. مسلكية تجعله يتحرّز في كل شأن، من خطواته الرزينة والمدوزنة على الأرض، الى حركاته المحتاطة، وعباراته التي يجب أن تُلفظ بطريقة معينة، هي في غالب الأحيان، بلا روح. الى مستلزمات زيه وهندامه، مثل العباءة والعمامة وإرخاء اللحية. وكل ذلك مناط بضرورة الحفاظ على مهابته الدينية، ومكانته بين الناس. يعارك الشيخ هذا النمط من المظهرية الجسدية المقيّدة لحركته وانطلاقته، والحائلة دون التعبير عن أحاسيسه العفوية او صبواته او نزواته. بقدر ما يكابد مرضه الذي يمنعه من ممارسة حياته الطبيعية، ومن الشعور بامتلائه برجولته، أو بقدرته على بلوغه ذروة لذته الجنسية. عالمه مخنوق، ويشبه الكلمات المخنوقة المتلجلجة التي يحاول ولداه الأبكمان أن يخرجاها من حنجرتيهما ليفصحا عما في داخلهما، فلا يفلحان في التواصل مع الناس، أو التفريج عن كربهما. شيخ يسعى أن يحيا كسائر المخلوقات، وأن يسمع وجيب القلب ونداء العاطفة، لا سيما انه يعيش مع زوجة جامدة وباهتة الحضور في حياته. وقلما اكترثت بإظهار عاطفتها أو اهتمامها به. بل جلّ ما راعها بعد إجراء عمليته في المستشفى أن وجدته، بسبب موجبات الجراحة، حليق الذقن.

الأب الغضوب

يستحضر حسن داوود رجل الدين ودوره في مجتمع قروي تقليدي، ويقف عند بطله الشيخ الشاب المسربل بالأغلال الإجتماعية، لنلمس في تحولاته العاطفية والذهنية مسار التبدلات التي حصلت في الحياة والثقافة بتأثير الزمن. الزمن الذي يختمر دائماً بإيقاعه البطيء تحت طبقة الجزئيات الوصفية الميكروسكوبية، والتفاصيل الدقيقة المشغولة بتركيز عميق. زمن يقضم العمر، ويترك بصماته على المباني والجدران والعادات. ويمكن ان نلمحه مادياً، بالوهن، والمرض، والهرم وما يصاحبه من عجز عن الحركة، وضعف وهشاشة بدنية «أيام زائدة» وحتى بنصول أصباغ الجدران وألوانها، وبالإنتقال والإقامة «بناية ماتيلد». ومعنوياً بتبديل العادات، وتغيّر طبيعة العمل وتقنياته ومفاهيمه (سنة الأوتوماتيك).

في روايته الجديدة ننتقل من زمن الأب الشيخ الغضوب الذي كان مؤنباً وحانقاً دائماً، وساخطاً على أبناء قريته، وقاسي النبرة عليهم، وملحّاً على إطاعة أوامره بحكم موقعه الديني المهيمن على نفوس القرويين. إلى عصر الشيخ الشاب الذي يفقد ذكوريته، ويهمل جامعه الذي يؤم فيه المصلين، تاركاً أياه بيد شباب متدينين غرباء عن القرية، يملأون فيه الفراغ الذي تركه، في حين ينشغل هو في مدّ حبل الوصال الى زوجة أخيه.

نحا الشيخ على الدوام الى التخلص من الإرث العائلي والأبوي، بل من الإرث الديني عموماً، بعد أن عقد العزم على أن يخلع في نهاية الرواية جبته وعمامته. وكأنه فيما عزم عليه إنما يخلع عن نفسه ثقافة فائتة وأعرافاً بالية، ويتحرر من سطوة الأب أو التماهي به، كما أراده أبناء القرية، حينما كانوا يرون فيه صورة متجددة عن الأب الذي توفي : فكان عندما يسمع الشيخ الشاب آيات الإطراء من المصلين: «أحسنت أحسنت» كان يقول في نفسه: «كنت أعرف أنهم يستحسنون تقليدي لصوته ونبرته» .

لم تنحسر بالطبع في مجتمعاتنا مكانة رجل الدين ونفوذه، بل ازدادت في الآونة الأخيرة سطوته وهيمنته على نفوس العباد وعقولهم. وزكّتها عودة متنامية لجماعات طائفية ومذهبية تلوذ برجال الدين حماية لها من غائلة الزمن، ومن عاقبة الأحداث السياسية الطارئة.

إنما تمثل الرواية لحظة خروج رجل الدين من زيّه الكهنوتي، ووضعيته وإرثه التقليدي إلى فضاء انسانيته وفرادة حياته وصدقه مع الذات. وعندما يتبرّع بمكتبه أبيه لجامع قريته، فمن أجل أن يتخلص من عبء مرحلة سابقة، ومن ذاكرة تثقل وتضغط عليه، ومن ماض يريد التحرر من وطأته. وهو يريد أن يواري حقبة تلاشت في نظره بمفاهيمها وظروفها وأحكامها. وأن يطوي مرحلة من البطالة المقنّعة، ومن الكسل، ومن الإحراج وازدوجية الذات، ومن استعراض معلومات دينية ليست ذات جدوى أمام مصلين لا يفقهونها. لينتقل إلى لحظة زمنية أخرى، يكتشف فيها معنى آخر للدين، وتحولاً في فهمه ووظيفته.

كما تمثل لحظة التعلّق بزوجة أخيه المتوفى خروجاً من ماضيه إلى حاضره. لحظة اكتشاف الذات في عريها وحقيقتها، وإعادة العلاقة الواقعية مع حاجاته الجسدية ونزعاته الإيروسية، واستعمال الزمن قبل تآكله بفعل مرضه الداهم، أو موته المفاجئ، وصرف ما تبقى له من أيام بأفضل طريقة ممكنة.

المسافة الفاصلة

ولو أردنا تجريد المتن الحكائي لرواية «لا طريق إلى الجنة» من الإهاب الديني الذي يمثله الشيخ بطل القصة، لما بقي بين أيدينا إلا نواة قصة حب عادية بين رجل وامرأة. بيد أن ما يمنح القصة فرادتها وحيويتها ويشدّ عصبها الروائي المشوّق، وعمقها الوجداني والإنساني، هو الدور الديني للبطل الذي يضطر، لحساسية هذا الدور ومتطلباته ونواهيه، الى أن يتأرجح على خيط الثنائية بين الحلال والحرام. بين الأنا الأعلى الكابحة، والأنا الراغبة. بين احترام ذكرى الأخ، والرغبة الملجومة ازاء أرملته. لذا كان الشيخ في الرواية حريصاً على الكتمان وعلى المداراة، وعلى عدم الإفصاح عن مكنونات نفسه حتى للمرأة التي يرغب فيها ويتمناها لنفسه. وبسبب هذا التحوّط والمناورة والمراوغة، فإن على قارئ الروايه أن يوطّن النفس على حمل كلام الشيخ ـ الراوي وتداعياته، على محمل التقرّب من زوجة أخيه التي تشكّل شخصيتها الحيوية نقيضاً لزوجته السلبية والجامدة. والكاتب الذي يقصد هذا السبيل، يتأوّل كلام المرأة المنشودة المشتهاة، وحركات يديها وايماءاتها ونظراتها تأويلاً ذا دلالة على نمو هذه العلاقة العاطفية الخجولة بين الاثنين. أما الكلام بينهما فيظهر على قدر ما يخفي ويحجب، لا سيما في المواقف الحرجة التي لا تسمح لشيخ في مقامه، أن يعبّر تعبيرأ صريحاً عن رغائبه ونزواته. فالرجل حتى في انفراده بها، يساوره إحساس بالذنب وتأنيب الضمير، وتحدق به أصول ولياقات وتحفظات لا يمكن خرقها أو تجاوزها، والمسافة الفاصلة بين المرأة والرجل تزداد بعداً في حال الشيخ ومكانته. مسافة شاسعة ترميه في عالم التهيؤات والتخيّلات التي يمثلها اللاوعي الليبيدي. شهوة مرجأة لا يتحقق انجازها بسبب نقص جسدي بعد العملية وموانع اجتماعية وأخلاقية. شهوة مكبوتة لا تكتمل إلا في الذهن والخيال، ما دام العائق الديني الذي يمثله الشيخ لم ينكسر. «عليك أن تخرج من جبتك وعباءتك» كما يقول له أحد زملائه المشايخ المحبين للنساء. وهذا الخروج المتأني يشكّل بالفعل مسار الرواية الذي يتوّجه الشيخ في نهاية المطاف بالتخلي عن زيّه الديني.

وتناسب لعبة الإضمار، والبحث عن المكنون المتواري خلف الكلمات الملتبسة الوجوه أسلوب حسن داوود الملمّ بهذا النحو من الكتابة الروائية، حيث يتفحّص بعينه الروائية الثاقبة الحركات والسكنات مهما دقّت، ويقلّب الموجودات، ويتقرّى الدبيب الذي يسري في الجسم، ويستنبش من وراء الصمت، كما من وراء الكلمات الرغبات الدفينة والمضمرة. ومن خلال التقاطه بصبر وأناة نثريات العالم اليومي المألوف، ونوافل الكلام والأشياء، يصنع خيوطه وروافده الروائية التي لا يمكن فصلها عن بعضها البعض، ولا مساءلتها عما تنطوي عليه من دلالات منفردة، وما تشحنه من معان مستقلّة. إنما تتجمع وتتآلف فيما بينها لتشكّل مشهدية وحقلاً دلالياً عاماً ورؤية تشخيصية جامعة، معبّرة عن الفكرة، أو الأفكار التي لا بد أن يلتقطها المتلقي الصبور المعتاد على هذا النمط من الكتابة الروائية.

عن ملحق السفير الثقافي

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق