لبنان: الكراهية وحلاوة الحياة

 الصيف الفائت: قراءة الصحف ومشاهدة التلفزيون من جهة، ورسائل روجيه عساف الإلكترونية: “نحن بخير، وأنتم؟” من الجهة الأخرى. هكذا ابتدأ الأمر. زرت لبنان من 2 إلى 11 يناير 2007، برفقة صديقي الكاتب ريمي شيشيتو. ولم تكن هذه الرحلة سوى استجابة لرغبة ملحة بالتحدث إلى الناس، أيا كانوا، لا من أجل محاولة الفهم، ولكن للاستماع إلى الحياة في هذا البلد الممزق. رغبة ملحة كهذه لا تُفسّر.
من تلك الرحلة ومن تلك اللقاءات، عدنا بنص وضعه ريمي وأخرجته أنا لفرقة “أطلبوا المستحيل” في مدينة بوردو الفرنسية، وبنص آخر أخص به موقع “الأوان”.

نص إكزوتيكي
سائق التاكسي الذي يقودنا من المطار إلى فندقنا، قرّر المرور بوسط المدينة دون أن يسألنا رأينا. توقف في الصف الثالث للسيارات لكي يرينا المخيم. ترجل وأشار إلينا أن نلحق به. لا بد وأنه طقس خاص بالسياّح: محاولة اجتياز مفرق الطرق، سيرا على الأقدام، وسط زحمة سير وضجيج خانق. بالنسبة لخيم حزب الله، رأينا يوم أمس في باريس ما يشبهها مع “أبناء دونكيشوت”. التخييم المديني لم يفلت من العولمة على ما يبدو..

طبعا هناك الأسلاك الشائكة، المصفحات والجنود المسلحون. الوضع جاد. لكن، حتى وإن لم يبد العساكر متوترين أو عدائيين بشكل عام ، فلست أحب هذا. الأمر فيزيائي بالنسبة لي ! هكذا خطرت لي خاطرة، غبية لكن ملحاحة: ينبغي أن أتبوّل على دبابة. سوف أنتظر اللحظة المؤاتية.

ذات مساء، في ضاحية بيروت الجنوبية، أكلنا طبق “بوف بورغينيون” أعدته فرنسية متزوجة من لبناني، في الطابق السادس من بناية. نبيذ البقاع ممتاز. إنتاج “كسارة”. لم تتعرض الشقة لكبير أذية. باستثناء فراش نقلته دعامة اخترقت الجدار الفاصل فاستقر في الممر، وجزء من غرفة نوم جيران البناية المواجهة التي صارت في صالة الأكل.
قال:

– عندما عدنا إلى الشقة بعد ترحيلنا، وجدنا أغراضنا كاملة. حتى ما كان منها محفوظا في الثلاجة وقد أضيفت إليه الديدان التي عششت في المحرك حتى. رمينا كل شيء بما فيه الثلاجة. لقد حفظ حزب الله الأمن وحمى الشقق.

– مُرّا بنا لتناول كوب من النسكافيه ؟
يا لهذه النسكافيه التي ترنّ كعلامة خارجية على الثراء أو الحداثة، لا أدري.

– لا يمكن أن تضيعا، فباب المدخل قائم بين سلتيْ مهملات. ثم أنكما ستريان لوحة عيادة زوجي.

رغم تلك التعليمات الثمينة، ليس سهلا العثور على عنوان عندما لا تكون البيوت مرقمة وحين تكون اللوحات مكتوبة بالعربية…. الحاصل ! تهنا كثيرا في بيروت.

هذا الصباح، زيارة مفيدة جدا إلى وسط المدينة وقد أعيد إعماره كما كان عليه قبل الحرب الأهلية. المحلات فارغة. وأرصفة المقاهي أيضا. المركز فارغ. كيف يُملأ ؟ ربما كان هذا رمز لبنان اليوم.

– هنا، نمضي الوقت في النسيان. ننسى كل شيء، وإلا لما تمكنّا من العيش.

هذا هو تقريبا ما رواه لنا عباس بيضون في مكتبه الغارق في دخان السجائر في جريدة السفير. قال أيضا إن هذا النسيان “المزمن” عائد حتما لعدم سرد “رواية” الحرب.
– إلى العمل إذن يا عباس !

يضحك كولد لا تمر عليه مثل هذه الألاعيب. الذاكرة تتغذى من النسيان على ما يبدو.

وهو يعدّ السلطة، يروي:

– في هذا الحي، لدينا واسطة كبيرة لجهة التيار الكهربائي. نحن مستهلكون كبار إلى درجة أننا ندفع الاشتراك الاعتيادي، إضافة إلى الاشتراك في مولد كهربائي جماعي.

ما أن ننحني عبر النافذة، حتى نرى عناقيد متدلية من الأسلاك الكهربائية شبيهة بتشابك الأغصان في غابة استوائية. الناس تمد خطوطا كيفما اتفق لتحصل على التيار الكهربائي. يجب أن نفهمهم…
لكن، هم الأغبياء أنفسهم من يدفعون الثمن دوما !
في تاكسي مرسيدس عتيق:

– إنه بلد مجانين ! يوم فازت إيطاليا في مباراة كأس العالم لكرة القدم، راح الشبان يجولون في الأحياء على دراجاتهم النارية وهم يطلقون الرصاص من الكلاشينكوف…. رصاص حقيقي بالطبع! الرصاص الزائف خاص بالغربيين فقط !

– ولدت ابنتي في الأيام الأولى للقصف من شهر يوليو في المستشفى الأميركي. هناك على الأقل، كنا آمنين. كنت في الغرفة في الطابق الثامن وكان يمكنني أن أرى عبر النافذة الانفجارات والحرائق في الضاحية الجنوبية. من ورائي، كانت ابنتي التي ولدت للتو. لم يكن في بالي إلا فكرة وحيدة: الرحيل. طوال النهار، حاولت تصويرها، إلا أنها رفضت بعناد أن تفتح عينيها. فأخذت صورة لابنتي البكر عندما كانت طفلة وتدبرت الأمر. حصلت ابنتي الأخيرة على جواز سفرها وسنها ثلاثة أيام. التحقت بأخي وسرنا الليل بطوله إلى أن اجتزنا الحدود السورية قبل بضع ساعات من تدمير الجسور. ما هذه البلاد ؟

انفعال جميل في صوت هذا البرجوازي الكبير، المليء بالمال وبالشكوك.

ريتا مصابة بالأنفلونزا. قامت بجهد عظيم كي تغادر سريرها، لكنها أتت في النهاية إلى الموعد. لديها نظرية جميلة جدا عن النسيان في لبنان. تسميها عقدة السمكة الحمراء. السمكة الحمراء تملك ذاكرة تدوم 3 ثوان. عندما تنهي جولتها داخل الحوض، تنسى أنها قد مرت من هنا سابقا. لذلك، فعالمها جديد دوما. يا عين !

المدينة ليست جميلة. ومع ذلك، فبيروت هي إحدى عواصم جراحة التجميل. إعادة الإعمار هي فعلا قطاع في ذروة ازدهاره. فيما يخص الجماليات، واضح أنها ليست الشاغل الأول للبلاد.

تتحدث عن طفولتك في هذا المقهى الخاوي في ميناء صيدا. تتحدث عن أبيك، عن شجاعته، عن يأسه من خيانة تعرض لها من قبل جماعته، لأن صداقة ربطته بفلسطيني. تقول إنه الآن ما عاد يريد التحدث بالسياسة. أبدا. نبيذ كفريا يوقظ مشاعر الحنين.

ذات يوم، في مقهى ملآن بشبان يبدون عاطلين عن العمل، نتحادث. وكم يشعرك بالراحة رفضُ الناس أن يعرّفوا عن أنفسهم بانتمائهم الديني.
– الدين، هذا غير مهمّ !

– الطوائف متكارهة في هذا البلد. نحن نحتمل بعضنا البعض، لكننا في العمق نتكاره. لكن، نحن الشباب لا يهمنا الأمر! أنا عندما يعجبني شاب لا أسأله عن دينه.

– جدي أنا كان مسيحيا ثم اعتنق الدين الإسلامي حين كان عمر والدي 15 سنة. والدتي يهودية. لطالما كانت الأمور معقدة في عائلتي، مع الأعمام، وبالنسبة للأوراق أيضا.

– ربما كان الدين ضروريا بالنسبة للبعض، أعني بشكل فردي. لكن هنا، لا تجري الأمور بهذه الطريقة. فأنت عندما تقول اسمك، تقول أيضا عائلتك على مدى عشرة أجيال، دينك، انتماءك السياسي، حتى وإن كنت لا تبالي.

– ديني أنا هو العلمانية. أنا من دين علماني وأريد أن أؤسس حزبا علمانيا. وسوف أشرب جعة علمانية في مقاه علمانية ! مع شرح ليمون وقطع جزر علمانية هي الأخرى !

عند كشك الجرائد، ذات صباح. ألقي نظرة سريعة على الصفحة الأولى من جريدة لوموند. سركوزي يريد إعادة فرنسا إلى العمل. عمل قاس من أجل كسب رخو. أفكر بكل الذين ينتظرون أوراقهم لكي يستقروا ويعملوا في فرنسا. وبكل أولئك اللبنانيين الذين يحلمون بأوراق إقامة تسمح لهم بالرحيل وبالعمل خارجا.

مرة أخرى أسأل عباس بيضون أن ينيرني حول الوضع اللبناني السياسي المعقد قليلا بالنسبة لي. يفقع ضحكا.

– كيف أقولها لك. إذا ظن أحدهم أنه يفهم ما يجري في لبنان، فمعناه أنه حظي بشرح سيئ. حتى نحن، لا نفهم كل شيء!

لقد فعلتها ! كان الليل هابطا والجنود يتحادثون أمام حاجز نقطة المراقبة. عبرت من ورائهم، بهدوء، وتبوّلت على الدبابة. أؤكد لكم أن الأمر يريح !

في محطة الباصات، نستعلم.

– في هذه الفترة، يمكنكم الذهاب أني شئتم، من دون مشكلة! الطرقات آمنة.

امرأة مسنّة تقول لنا ذلك. امرأة مجربة عاشت تجارب عدة. وضعت 17 بطنا كما تقول ! وهي تنتظر وصول أحد أبنائها من صور بالباص.

– البلاد آمنة، هذا أكيد ! هنا، لا يوجد لصوص! باستثناء الأغلبية الكبرى من رجال السياسة لأنهم رجال أعمال، وسائقي التاكسي. الأفضل أن تأخذوا الباص !

– هذه الحرب، ما كان أحد يريد تصديقها. ثم اضطررنا إلى التسليم بالواقع. بقيت حبيسة المنزل ورحت أتفرج على كل القنوات التلفزيونية. كنت حانقة بقوة. أتفرج على الحرب بشكل مباشر، عبر النافذة وفي التلفزيون أيضا. بعد مرور أيام، توقفت. عندئذ بدأت أهتم بالانترنت و بتصميم بلاغ خاص بي.

في مدينة جبيل، كل شيء مختلف. فيها وجدنا أنفسنا مدعوين إلى السوق القديم. ها نحن أخيرا في مكاننا المناسب كسياح لا مبالين عاشقين للأحجار القديمة وللصناعات اليدوية المحلية النموذجية. يمكننا أيضا أن نجلس على أرصفة المقاهي، تحت أشعة الشمس، لكي نكتب بطاقات بريدية. نتحادث بالثقافة حول طبق شهي برفقة فنانين. وضع المسرح كارثة في لبنان.

دقة طياري الجيش الإسرائيلي أسطورية. لقد دمّروا في صيدا الأعمدة الثلاثة الأولى دون أن يمسوا مولّد الكهرباء الرئيسي. إنجاز من نوع ألعاب الأطفال الإلكترونية يسجَّل لصالح الطيار الموهوب. دون الحديث عن الجسور المدمّرة بدقة ملحوظة… اشرحوا لي إذن كيف بقي مسجد حزب الله الرئيسي واقفا لم يمسّ وسط المباني المدمرة في ضاحية بيروت الجنوبية… لذا يمكننا اعتبار أن ما بقي سالما يتخذ معنى بقدر المعنى الذي يتخذه ما دمّر. إلا أن ذلك لا يشرح دائما سبب حدوث الأشياء.

بلدةالخيام غارقة في الضباب. ضباب يمكن تقطيعه بسكين. ننتظر أصدقاءنا في الساحة. يقترب رجل بصحبة مترجم يسألنا بالإنكليزية إذا كنا صحفيين.
– لا، لسنا صحفيين، نحن سائحان.
– سائحان ؟
– أجل، فنحن نحب الضباب جدا.

– إذن أهلا بكما، ويلكام !

ويلكام، ويلكام. الكلمة المفتاح في أفواه أصحاب المحال التجارية، سائقي التاكسي، والنادلين. إلا أن الواقف أمامي يمد ذراعه فأصافحه. سوف يروي لي في ما بعد أنه أخضع للتعذيب في سجن الخيام حيث قطعوا كل أصابعه. إصبع واحد في الأسبوع. المجموع 10 أسابيع، لا؟

الخيام ومعتقلها. كل شيء ما زال على حاله، في الزنازين. المناشف، فراشي الأسنان الملقاة على رفوف كرتونية، البطانيات فوق فرش عفنة. والصورة العملاقة لرجل يصرخ من وراء القضبان.

– الصيف الماضي، كان أول ما فعله الإسرائيليون هو قصف المعتقل. لمحْو الآثار طبعا. محو الذاكرة. صحيح أنه لم يبق شيء يُذكر. أوساخ موحلة. بقايا بلاستيك، قمصان مبلولة بالوحول، كمّ بذلة عسكرية. ما هذا كله ؟

إلا أن البقايا تبقى.

الشعر هو حوار قبل كل شيء، يقول عباس. حوار مع الذات، مع الآخر، مع العالم. لا يحق للشاعر أن يقول: أنا لا أفهم. عليه أن يبقى وسط ما يجري. إنه محكوم بأن يبقى فتيا، حاضرا، متنبها لما لم يعد الآخرون يرونه.

ينبغي أن أكف عن محاولة فهم هذا البلد الغريب. في سراييفو حيث ذهبت مباشرة إثر الحرب، كان الوضع واضحا، قاسيا. هنا، الأمر مختلف. الكراهية والعنف يشكلان جزءا من المشهد اليومي. حتى ولو كنت أشعر بهذا كله، حتى وإن كان رأسي مليئا بكل ما رُوي لي من فظائع، فإني أجدني أستمتع بحلاوة المناخ وبحلاوة العيش. هذي بلاد رائعة، نساؤها جميلات وطعامها ممتاز.

ذات صباح، لدى تناول الفطور، تضحك فافي كثيرا. لقد طارت تنورتها القصيرة.

– أتعلم الإنكليزية من مشاهدة أغاني الفيديو كليب في التلفزيون. قريبا، سأسافر إلى الولايات المتحدة. أنا لا أحب السوريين. والإسرائيليين أكثر وأكثر. والفلسطينيين أيضا وأيضا !
– هل أغرمتِ يوما ؟
– لا !

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق