لبنان المتآكل على مشارف مئويته: العلمانية هي الحل / حسن منينمة

على رغم فداحة ما صدر عن مفتي الجمهورية اللبنانية من حكم بتكفير من يتجرأ من السياسيين المسلمين على تشريع الزواج المدني الاختياري، وعلى رغم الخطورة المميتة لنظام الفصل الطائفي الانتخابي المرتقب الذي ينفي عن لبنان صفة الجمهورية ليجعل منه ائتلاف كيانات طائفية تتناطح على مساحته الضيقة بانتظار استفراد كل منها بحصته في المكان، فإن أكثر ما يدفع إلى الأسى هو حجم التعبئة والتعبئة المضادة التي تجعل كثيرين في مختلف الأطراف يتمنون القهر والموت لأندادهم ويجدون في الكلام المهين تنفيساً عن كبتهم، وفي أخبار القتل الآتية من الجوار سعادة وإثلاج صدور.

يمكن في الواقع زف النبأ للجميع في هذا الصدد بأن الشكل الذي تسير عليه الحوادث في المنطقة من شأنه أن يضاعف كماً ونوعاً أخبار الدمار هذه وأن يأتي، لا بالخبر فحسب، بل كذلك بالوقائع نفسها الى عقر دارهم.
وهذا التوقع ليس استقراءً لخيوط مؤامرة كونية ما، بل متابعة لانحدار تشهده المنطقة من دون رغبة لدى أي طرف باعتراض السقوط لقناعات متضاربة بأن الآخر عرضة لأضرار أكثر، بالتالي لا مانع من بعض الخسارة إن كانت تأتي بانكسار أعظم للخصم. وإن كانت المؤامرة بلام العهد من نسيج الأوهام والأضاليل، فإن المؤامرات الصغرى، سواءً منها التي يبعثها إلى لبنان النظام الساقط في دمشق، أو التي تتوالدها الخلايا المبثوثة التي توظفها إسرائيل، تجد الترحيب لدى أكثر من طرف من باب التنفيس عن الكبت في بيئة ثقافية لا تزال قادرة على بعض الضبط العلني، وإن تعرضت هذه القدرة للاهتراء بفعل انهيار المعايير الأدبية في خطاب سياسي يتبارى في بلوغ الحضيض، تشنجاً وشحناً وبذاءة.

طبعاً لبنان ليس وحده من يعاني الآفات الثلاث التي تنهك ثقافته السياسية. فالآفة الأولى، وهي التباين في الخطاب بين العام الوطني الظاهر والخاص الفئوي الباطن تكاد أن تكون صفة ملازمة لكل ثقافة سياسية في مجتمع تعددي يُطرح فيه خطاب عام يسعى إلى تحديد معالم الشراكة الوطنية وتعزيزها، وخطابات خاصة تحمل مخلفات التجارب التاريخية للمكونات الوطنية المتعددة. فالجدلية بين العام والخاص مبدئياً هي التي تغذي الروايات الفئوية بعناصر تلطيفية وتخرج إلى العلن ملامح من الرصيد الفئوي للتداول العام. ولبنان، لاعتبارات مختلفة، فشل في الاستفادة من هذه الجدلية، ولم يتمكن من تطوير خطابه الوطني الجامع، ولا من استيعاب مقومات من الروايات الفئوية للتقريب بينها وبين الخطاب الجامع.

أما الآفة الثانية، وهي تتفاقم بفعل الفشل في تحقيق الجدلية بين العام والخاص، فهي أن الروايات الفئوية تتطور باتجاه مزيد من التنافر والاستعداء، بل يجري استدعاء عناصر خطابية كانت مطموسة أو لم تكن متداولة أساساً من أجل تعزيز الشرخ بين الروايات. وما ينطبق على لبنان ومنطقة الشرق الأوسط في شأن غياب الخطاب الجامع وتصاعد التنافر في الخطابات الفئوية يمكن رفعه إلى مستوى العالم ككل، إذ تفتقد الأسرة الدولية سرداً متجانساً للواقع العالمي يعترض التباعد الحاصل اليوم في الخطابات الذاتية، لا بين الغرب وغيره فحسب، بل كذلك داخل الإطار الغربي بين الولايات المتحدة وما عداها. وكما الحال في لبنان والشرق الأوسط، فإن الضعف في الخطاب الجامع والنزوع نحو التعادي في الخطابات الفرعية قد لا يكونان السبب في اندلاع المواجهات، لكنهما حتماً من العوامل المشجعة لاشتعالها وتفاقمها.

أما الآفة الثالثة التي وإن لم ينفرد بها الشرق الأوسط، فهي من دون شك متقدمة فيه عن غيره: إنها التعويل على الرجولة والفحولة في توصيف الأزمات وسبل حلّها. فهناك من يصف خصومه بأنصاف الرجال، ومن يذمّ غيره لذرف الدمع على أشلاء الأطفال، إذ المعيار في الكلام والسلوك هو مقدار رجولة المتحدث وعملاقيته. وهذه الشخصنة للمواقف السياسية تجعل التراجع انتقاصاً من الرجولة والمقام، وليس مجرد إعادة نظر في الحسابات، وإن كان الثمن، كما الحال في سورية، الانهيار بالبلاد إلى القتل والدمار الذي يكاد أن يفنيها.

وعلى رغم استئثار هذه الآفات الثلاث بالخطاب السياسي اللبناني على أكثر من صعيد، فإنه مع الخمود الآني للأهوائية يكاد أن يكون من المتوافق عليه أن المسألة الطائفية ليست قضية دينية، وإن حاول بعضهم مذهبتها وعقدنتها، بل هي طروحات متنافرة تستدعي الدين والتاريخ والحضارة والأحقية والاستعلائية والنوعية، وما توافر من غيرها من الحجج، للحفاظ على مكاسب الطائفة ضمن الوطن والنخبة ضمن الطائفة وبعض الأفراد ضمن النخبة.

وفي حين كان مفترضاً بجمهورية «الطائف» أن ترسم السبيل للخروج من التخبط الطائفي، فإن واقع الحال سار باتجاه تعزيز الروايات الفئوية وتبديد الرصيد الوطني. وعلى رغم أن المنطقة تعاني توجهين سياسيين غير معلنين، أولهما المعيارية الأكثرية التي تضع في موقع المطالَب بالتعويض أو المتهم أصلاً كل من تباعد عنها، والفوقية الأقلياتية التي ترى في الأقليات كمجموعة أو في أقلية معينة سمات تقدم وارتقاء تنفيها عن الأكثرية… فإن المشكلة التاريخية في لبنان لم تقتصر على التناطح بين هذين التوجهين (اللذين اتخذا عبر التاريخ مسميات تمويهية مختلفة)، بل في غياب المتنفس للذين انعتقوا من المنطق الفئوي للتعبير عن حضورهم والنمو كقوة وطنية حاضنة للخطاب الجامع وملطّفة للتباعد بين الروايات الطائفية.

وفتوى التكفير الصادرة عن مفتي الجمهورية، هذه السابقة التي تستدعي كوابيس التراث والتاريخ وتفتح الباب على مصراعيه أمام نقض لبنان ككيان، كما نظام انتخاب الفصل الطائفي الذي ينفي المواطنة من أساسها، يجعلان هذه المجموعة اللبنانية بامتياز، الخارجة عن السلطة المعنوية للطوائف، بصيص الأمل الأوحد للبنان كي يتجاوز الذكرى المئوية لإعلان قيامه بعد أعوام قليلة. وإذ هي في عزلتها تعلن أن العلمانية هي الحل، فإنها تقدم للبنان والمنطقة الأساس الذي يمكن من خلاله تجاوز آفات الثقافة السياسية، للحاق ربما بما يطيب لسائر العالم، شرقه وغربه، من سعي إلى تحقيق الازدهار بدل الانغماس في الضغائن والأحقاد.

عن ملحث تيارات – جريدة الحياة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق