لبنان الموبوء بمديح نفسه يكرر حروبه من غير وجل

ندر أن يخرج مؤرخ لبناني أو عربي وهو يبحث في تاريخ بيروت عن خط أثير حفظته الثقافة اللبنانية عن ظهر قلب، يتصل بمديح بيروت الستينات والسبعينات. والحق أن بيروت الستينات والسبعينات تستحق المديح. لكن هذا المديح الذي يكال لها من وقت لآخر وبأقلام مؤرخين ومثقفين على قدر من الحصافة والذكاء لا يتصل كثيراً أو قليلاً بالوقائع والحقائق وتالياً بالتفاصيل التي يمكن أن تثبت من دون لبس صحة ما ذهب إليه هؤلاء. بل أن المؤرخين المغرمين ببيروت ما قبل الحرب الأهلية يتناسون عمداً وأحياناً عن سوء نية، أنها هي نفسها، أي بيروت الستينات والسبعينات، منجبة الحرب الأهلية المراد ذمها.

فعلى صهوة ثقافة الستينات والسبعينات في بيروت والعالم العربي ترعرع شيطان الحروب الأهلية وها هي اليوم تضرب أرجاء العالم العربي واحداً تلو الآخر. (لحظة كتابة هذا المقال كان الخبر الرئيس الوارد من اليمن يفيد أن القوات الحكومية بدأت بتسليح رجال القبائل الموالية للحكومة لقتال أنصار الحوثي في منطقة صعدة). لهذا يجدر بنا تعريض أعمال مثل هؤلاء المؤرخين للمساءلة القاسية، لسببين متناقضين في المظهر ومتصلين في الجوهر. ذلك أن الحروب الأهلية ليست شراً مستطيراً في تواريخ الأمم. فبعض البلاد، بل ربما أن معظم الأمم انبنت على حروبها الأهلية والفراغ منها. والحروب الأهلية في هذا المعنى، أو في المعنى الحديث (المتصل بالحداثة)، هي مرحلة من مراحل تطور المجتمعات. وليست انحرافاً خطيراً وانزلاقاً نحو هاويات التخلف والحماقات التاريخية.

بطبيعة الحال ثمة أرواح كثيرة تزهق في مثل هذه الحروب ولا يمكن تعويضها في أي حال من الأحوال. لكن رثاء الشهداء والضحايا لا يحجب، ولا يجب أن يحجب النتائج التي ترسيها مثل هذه الحروب، وإلا وجب على الأميركيين الذين أبادوا الهنود الحمر عن بكرة أبيهم، أن ينتقلوا من رثاء الهنود وتكريم موتاهم، إلى حد أسطرتهم وجعلهم شهداء على المعنى الذي نعطيه للشهيد في أحوالنا العربية عموماً، إلى تسليم من تبقى منهم مقاليد السلطات في عموم أميركا الشمالية بوصفهم أصحاب الحق الشرعي وورثة الذين ماتوا ظلماً واستشهدوا دفاعاً عن معتقداتهم وواجهوا قسوة الرجل الأبيض بشجاعة منقطعة النظير.

وعلى النحو، نفسه يختلط الامر على بعض المناضلين في سبيل القضية العربية الأم في الصراع العربي – الإسرائيلي حيال الرأي في أعمال المؤرخين الإسرائيليين الجدد. فالاعتراف الإسرائيلي (استناداً إلى اأعمال المؤرخين الجدد) بالمذابح التي صنعتها العصابات الصهيونية بحق المدنيين الفلسطينيين، لا تجعل هؤلاء، أي المؤرخين والإسرائيليين عموماً، أقل ايماناً وأضعف انتماءً إلى دولة اسرائيل. ولم يحدث أن هاجر المقتنعون بقسوة العصابات الصهيونية التي أسست دولة إسرائيل من دولتهم التي استوطنوها بالقوة والقسر إلى حيث كان يعيش أجدادهم أو آباؤهم. (رغم أن الهجرة من المواطنة الإسرائيلية ليست شأناً عابراً من شؤون الدولة الإسرائيلية عموماً. لكن هذه الهجرة لها أسباب أخرى أكثر تعقيداً من هذا السبب المباشر، وهي تتصل بالحرج الذي تشكله دولة إسرائيل اليهودية لحداثات العالم أجمع، العلمانية في معظمها الغالب والمسيطر).

السبب الثاني الذي يحث على تبخيس قيمة أعمال هؤلاء المؤرخين يتعلق بنزوعهم المرضي نحو اعتبار الحروب الاهلية ظاهرة عارضة في تاريخ لبنان واجتماعه. ورغم أنهم لا يكفون عن التذكير بالنزاعات الأهلية المستشرية في لبنان منذ أكثر قرنين من على الأقل. إلا انهم حين يصفون أزمان الهدوء الأهلي اللبنانية يصورون مجموع الشعب اللبناني كما لو أنه ضحيتها النموذجية. فاللبناني الذي يحب العيش والذي ينبعث من رماده (كطائر الفينيق) والذي يصنع المعجزات إعماراً لما خربته الحرب، صفات تتوالى من دون تدقيق أو تمحيص، وتنسب إلى الشعب اللبناني من دون أي تعميق نظر.

ذلك أن متصفح كتب التاريخ اللبناني سرعان ما يلاحظ فارقاً هائلاً ويستكشف هوة لا يمكن ردمها بين شعب لبنان ما قبل اندلاع الحرب الأهلية في منتصف سبيعنات القرن الماضي وشعب لبنان الذي عايش الحروب وعاصرها. والحق أن التاريخ اللبناني يبدو كما لو أنه يكتب عن شعبين متباينين، فهذا شعب يظهر في أوقات الهدوء الأهلي مسالماً ومحباً للحياة ومغناجاً ومتطلباً، ويظهر في أوقات الحروب قاسياً وعنيفاً ومن دون رحمة على الإطلاق. ومن أسباب القلق العميق على وعي النخبة اللبنانية أنها ما إن تغادر لجة عنفها الأهلي المروعة حتى تستنكر ما يجري في بلاد أخرى وتستهوله كما لو أنه غريب وطارئ على ما خبرته وعاشته في لبنان.

بل كان المعلقون الصحافيون والمؤرخون ومثقفو بيروت عاصمة التنوير العربي، يستهولون ما جرى في حرب الجزائر الأهلية التي عصفت بهذا البلد معظم عقد التسعينات، وها هم اليوم يستهولون ما يجري في العراق ودارفور، وقريباً سيشعرون الشعور نفسه حيال ما سوف يجري في اليمن. لكن المتأمل والمدقق لما يجري في العراق وما سبق وأن حدث في الجزائر لن يجد فارقاً يمكن الاعتداد به عما جرى في يوميات الحرب الأهلية اللبنانية. ففي تلك الحرب ذبح اللبنانيون بعضهم على المذهب، والذبح ليس مجازياً، بل هو ذبح صراح بالسكاكين والخناجر تماماً كما كان يذبح الزرقاوي ضحاياه. وفي لبنان خُطف الناس على الهوية، بل وبلغت بعض مآثر اللبنانيين في تلك الحرب أن عصبة منهم اسست عصابة أسمتها “حركة تحرير المخطوفين” ونشطت في أوائل الثمانينات من القرن الفائت، وكانت تدافع عن المخطوفين وتعمل على تحريرهم عبر خطفها مواطنين لبنانيين من مناطق أخرى غير المنطقة التي تنشط فيها هذه الحركة.

تكفي هذه العينة من المآثر اللبنانية لتبيان حقيقة تفيد أن مآثر الجزائر والعراق ليست جديدة كل الجدة، وقد سبق للبنان ان اجتهد في صناعة ما يشبهها مما يمكن اعتباره الأصل الذي تأسست عليه المآثر الجزائرية والعراقية والسودانية على حد سواء. لكن المؤرخين الذين لا يتنكرون لمثل هذه الروائع اللبنانية في حروب لبنان الأهلية، سرعان ما يمدحون الشعب المسالم ورغبته العارمة في النهوض من عثرته، وقدرته العجائبية على التمسك بالأمل وحب الحياة. مما يظهر اللبنانيين شعباً يمتلك كل أسباب المعاصرة ويتمتع بكافة قيم الحداثة والديموقراطية دفعة واحدة في أزمان السلم، ويصبح شعباً متوحشاً في أزمان الحرب. وتفادياً لهذا الفصام المرضي في أعمال المؤرخين اللبنانيين، يجنح هؤلاء ومعهم معظم نخب البلد ومقدميه، إلى تحميل الخارج العابث بالبلد كل أسباب الحروب الأهلية وكل فظائعها.

لو سلمنا بهذه الوجهة التاريخية التي يجنح المؤرخون إلى اعتناقها، لبدا البلد غير مستحق لسلمه وحربه في آن معاً. فحربه، وإن كانت ضحاياها من اللبنانيين الأقحاح، هي حرب خارجية وسلمه وإن كان أبطاله من اللبنانيين أيضاً هو سلم خارجي. أي أن الشعب اللبناني يباشر الرقص والغناء ما إن تكف القوى الخارجية عن استدعائه للحرب وتكالبه بإظهار مفاتنه وعرضها، ويباشر الذبح والشنق ما إن تدعوه هذه القوى إلى مثل هذا الواجب الثقيل.

على مثل هذه الوجهة في التاريخ وقراءة الأحداث، ليس غريباً أن ينقسم اللبنانيون اليوم شعبين عميلين لقوتين خارجيتين. وليس ثمة من يصدق بين معسكري الاصطفاف الأهلي المحتدم، أن ثمة ما يمكن أن يكون مطلباً لبنانياً صرفاً في معسكر الخصوم. فالمحكمة ذات الطابع الدولي لا تتصل من قريب أو بعيد بمحاكمة قتلة الرئيس رفيق الحريري، بل هي متصلة جملة وتفصيلاً بمشروع إميركي – إسرائيلي لإخضاع سوريا من دون زيادة أو نقصان. أما مناقشة أسباب الحرب الأخيرة ونتائجها في الضفة الثانية من ضفاف الاصطفاف الأهلي المحتدم، فلا تتصل على اأي وجه من الوجوه بطبيعة المشروع الإسرائيلي حيال لبنان. فقط ثمة اعتداء في غير وقته على الخط الأزرق وثمة رد فعل اسرائيلي عليه، وهذا يدخل جملة وتفصيلاً بانضواء تام ولا شروخ فيه في مشروع إيراني – سوري يهدف إلى تحسين الشروط الإيرانية في أي مفاوضات مقبلة مع الولايات المتحدة حيال الدور الإيراني في الخليج. أما أن ينبري أحد ما ويسأل لماذا يقبل اللبنانيون بالآلاف على مقاتلة إسرائيل في معركة غير متكافئة خدمة لمشروع إيراني صرف، فهذا يبدو من الأسئلة المحرمة. وواقع أن الثقافة اللبنانية تجنح دوماً إلى تبرئة اللبنانيين من دماء اللبنانيين، ونسبة اللبنانيين إلى حب الحياة والرغبة الملحاح في البناء والازدهار لا يتيح لها، أي الثقافة اللبنانية، التدقيق في الأسباب التي تجعل انفجار الهدوء الاهلي مرجحاً ومتوقعاً في كل لحظة. والأرجح أن هذا الجنوح المرضي في الثقافة اللبنانية هو ما يمنع التاريخ اللبناني من أن يكون مشتركاً.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق