“لحن التغريبة في صحراء “الكوني” الشّريدة”

              ذراني والفلاةَ بلا دليــل       ووجهي والهجير بلا لثام

               فإنّي أستريح بذي وهـــذا      وأتعب بالإناخة والمُقام

صوتُ مَنْ هذا المُنبعث من بعيد ؟ و"أنا" مَنْ تبغي الرّحيل منفردة إلى صحراء بلا بشر بحثا عن راحة في السفر؟ هل هذا رَجْعُ صدى "المتنبّي" وقد اكتشف "صحراء العباد" فارتدّ عنها إلى أحضان "صحراء البلاد" يؤمّها، ويحتمي برمالها وهجيرها من لفح "صحراء البشر" بعد أن طعنته بنبالها وكوته بلهيبها، أم هو صوت "إبراهيم الكوني" ينبعث من مَتْن رواياته يردّد لحن سيرة الصحراء ومسيرتها؟ هل اختلفت العصور والأماكن وظلّت الصحراء ماثلة ممتدّة في الوجدان لا تروم التحلحل، ولا تلين للنسيان؟

للمتنبّي فلاته/مشتهاه وللكوني صلاته وتسابيحه فيها ومنتهاه.. صحراء الرّمل والرّحيل والغربة والامتداد حملها وجعا وهمّا ومشغلا. هام بها  وَجْدا وصبابة فهام في رمالها المتحرّكة وسفوح جبالها وقممها التي ترسم ملحمة صمود الإنسان، وصبره على الأهوال، و قدرته على إذلال الطبيعة، وإخضاعها لمشيئته…

نحن ننطلق، في عملنا هذا، من مُصادرة مفادها أنّ "الكوني" جعل "الصحراء" بزمنها وشخصياتها وحكاياتها العجيبة، وأساطيرها التي تعود بالإنسان إلى زمن البدايات وأصل الخلق، مرويّا أساسيّا عليه مدار أعماله الروائيّة، وفيها تنصهر كلّ الوظائف السرديّة.

على أنّ الإنصاف يقتضي التنويه إلى أنّ "الصّحراء" في القصص لم تكن موضوعا جديدا ابتدعه "الكوني" على غير أصل. بل إنّ عددا غير قليل من الروائيين العرب جعل من الصّحراء فضاء لمروياته ويكفي أن نشير إلى "عبد الرحمان منيف" في خماسيته "مدن الملح". ولكنّ الصحراء في أغلب هذه التجارب كانت مجرّد فضاء تؤثثه أحداث تنزع إلى الفرار من عالمها الذي ضاقت به، وضاق بها.

على أنّ "إبراهيم الكوني" بنى كونه الروائيّ–في تقديرنا- على الصّحراء وحملها "أيديولوجيا" اعتنقها، وانتصر لها رؤيةً للعالم. ومعه استحالت هذه الصحراء فضاءً ووجهة نظر، وأداة فنّيّة تبلّغ مواقف، وهواجس في زمن أصبح هذا الفضاء مستهدفا في وجوده، مفتضّ العذريّة بعد أن أمسى "ثروة" تتهافت عليها القوى العظمى لاستدرار ما تحويه من نفائس في باطنها.

بين "الكوني" والصحراء، إذن، علاقة عشق متينة العرى، وثيقة الروابط لا تنفصم. رافدها أنّه لم ترتبط حياة أمّة بالصحراء كما ارتبطت حياة العرب بهذا الفضاء الشاسع الممتد. ففيه معاشهم ومعادهم ذهابهم وإيابهم . هي المهرب، والدافع إلى الهروب. والعجيب أنّ ابن الصحراء هذا لم يعش فيها. وإنّما ظلّ بالكتابة مشدودا إلى أصوله الصحراويّة، وإلى أهله"الطوارق" الذين جابوا الصحراء شمالا وجنوبا غير آبهين بما امتدّت فيها من حدود فرضها قيام دول ما بعد الاستعمار في إفريقيا.

1-الصحراء فضاءً أسطورياّ:

 يجمع دارسو أدب "إبراهيم الكوني" على أنّه أقام استراتيجيات السّرد في رواياته على أسطرة المرويات. ولعلّ ذلك ما جعل أعماله الروائيّة التي اتّخذت من الصحراء الغربيّة وشخوصها وحكاياتها مرويّا أساسيّا، تُعَدُّ نقلة نوعيّة في مسيرة الرواية العربيّة المعاصرة. ولئن كان المجال لا يسمح بالإفاضة في تعريف الأسطورة، وأشكالها، ووظيفتها في الكشف عن رؤية الإنسان للعالم في مرحلة من مراحل وجوده، فإنّه،في المقابل، يحتّم الإشارة إلى جملة من الملاحظات التي ترسم السّمات العامّة للأسطورة. فاستئناسا بما أشار إليه المؤرّخ، والباحث في الأديان والأساطير "ميرسيا إلياد"(1907-1986) يمكن القول إنّ الأسطورة هي قصّة مقدّسة تروي أفعال كائنات فوق –طبيعيّة. وهي قصّة حقيقيّة لارتباطها بمجموعة من الوقائع. وفي الغالب تتعلّق بالخلق حيث تروي كيف ظهر عنصر من العناصر إلى الوجود.

وفي رواية"المجوس" تتعدّد الأساطير .وتتنوّع مصادرها. فنجد "أسطورة واو" وأسطورة "جلد الثور" وأسطورة الإله "أمناي" وفيها تتعايش شخصيات آدميّة مع أخرى أسطوريّة.

1-1-أسطورة واو:

تمثّل أسطورة مدينة  "واو" التيمة الرئيسيّة في رواية"المجوس"، والوظيفة السرديّة الكبرى التي تحوم حولها الأفعال السرديّة. وما يجمع بين كلّ سكّان الصحراء، وإن اختلفت طقوسهم وأديانهم، هو البحث عن هذه المدينة الفردوسيّة. حتّى استحال هذا البحث عقيدة مشتركة يحملها كلّ الصحراويّ بين ضلوعه، ويحرص على اقتفاء آثارها حرْصَه على حياته"ومن منّا لم يبحث عن واو؟" (المجوس: ص188). وتقول أسطورة "الطوارق" إنّ هذا البحث يجري منذ آلاف السّنين دون أن يفضي إلى ما يمكن أن يعلق بذاكرة الصحراويّ. وهو ما يجعل رحلة البحث أشبه بالوهم والسراب والعبث. وإذا كان "بروست(Proust) قد بحث عن زمن ضائع فإنّ "الكوني" قد جعل ،في عالم الأسطورة الذي رسمه، من البحث عن "الفردوس المفقود واو" حلما جميلا يتراقص في مخيّلة كلّ صحراويّ " واو الفردوسيّة الخفيّة التي لن تستطيع أن تجدها في ضلوع امرأة .. وهي أقرب.. من حبل الوريد" (المصدر نفسه: ص188).

وتلحّ الأسطورة على أنّ واحات"واو" في الصحراء ثلاث: واو الكبيرة واو الناموس واو الحريرة (المصدر نفسه ص 85 على أنّ في الحديث عن "واو" على لسان أكثر من شخصيّة في رواية "المجوس" ما يشير إلى وجود أكثر من "واو". منها ما هو روحاني مسكنه القلب. ومنها ما هو مادّيّ يُطلب في مجاهل الصحراء، وتحت كثبانها التي ردمت أمما، وقضت على حضارات. يقول "الزعيم" مخاطبا "الدرويش""ستذهب معي الآن وسنتحدّث عن واو. واو التي في صدر كلّ مخلوق و"واو الأخرى التي نبحث عنها في الصحراء الأبديّة" (المجوس: ص187) وإذا ما تعرّض أهل الصحراء في حديثهم لواو"كثيرا ما يضرب الحكماء صدورهم النحيلة ليردّدوا:"واو الحقيقيّة هنا. قفص الصدر أسوارها والسكون لغتها" (المصدر نفسه:278.)فهل عنى "الكوني" بواو الروحانية قيمة "الحرّية" التي يجب على كلّ فرد أن يبحث عنها ، وأن يضحّي بحياته من أجل أن يجدها؟؟وهل "واو" الأرض المفقودة إلّا "فلسطين" الأرض التي تاهت في صحراء الفرقة والشقاق والنفاق؟؟

1-2أسطورة الإله "أمناي":

"أمناي" إله "القبلي".وهو إله صحراويّ لا يقلّ هيبة وضخامة عن آلهة الرومان والفينيق.لم تصنعه يد إنسان فنّان. وإنّما نحته الريح "في فجّ بين أعلى جبلين شمال تينبكتو" المصدر نفسه:ص131.ولئن كان هذا الإله ضاربا بجذوره في أعماق الصحراء يقيها من هجمات "القبلي" التي تهدّد الصحراويّ بالموت ردما بالتراب، فإنّه قد أخذ بعض صفات إله الفراعنة القدامى "النيل" الذي كان يغضب فيرتفع منسوب مائه ،ولا يعود إليه هدوؤه إلاّ إذا زوّجوه من عذراء تُنتقى من بين الحسان حتّى يرضى،ويمنع عنهم الخطر.فإله القبلي في الصحراء "أمناي" "إذا جاع وأراد القرابين أثار زوبعة واستدار بنصفه العلويّ كلّه إلى الخلف… ولن  يتوقّف القبلي ويعود الإله إلى وضعه الطبيعيّ إلّا عندما يهرع أهل الصحراء ويلقون له في الهاوية بأجمل عذراء" (المصدر نفسه:ص 131)

وتستحيل العذراء منقذا للصحراويّ، تقيه من الانقراض ،وتحميه من غضب الإله"إمناي".لذلك تعمّ الفرحة القبيلة لميلادها وتنبعث زغاريد الفرح بقدومها."تستمر الزغاريد على ثلاث دفعات ليعلم الأب أنّ القبيلة قد رزقت بعذراء صبيّة أنثى الدفعة الثالثة إشارة بهيجة يفرح لها الأب والقبيلة والسهل ورؤوس الجبال" (المصدر نفسه: ص 256).ونظرا لقدرة الصبيّة العذراء على ترويض الإله وإرضائه قدّسها الصحراويّ وبجّلها"من غير الأنثى أنقض الصحراويين من الانقراض؟ من غير الأنثى في الصحراء يستحقّ التبجيل ويعامل بالقداسة ويعبده الفرسان؟من غيرك أيّتها العذراء يستطيع أن يهوّن قساوة القبلي ويروّض وحشيّة الصحراء؟ (المصدر نفسه الصفحة نفسها)

1-3أسطورة جلد الثور:

إذا كان الإله "أناي" قد أخذ بعض صفات "النيل" الذي لا يهدأ غضبه في مصر الفرعونيّة إلّا إذا زُوّج بحسناء من خيار الإنس، فإنّ بناء  السلطان "أناي" لمدينة "واو" في صحراء "آزجر" قد تلبّس أيضا بأسطورة"فينيقيّة" تقول إنّ "علّيسة" قدمت أرض"إفريقيّة" وبنت فيها مدينة "قرطاج" بالمكر والخديعة.إذ طلبت من حاكم البلاد أن يبيعها أرضا في حجم جلد ثور(بيرصا) (بيرصا:جلد الثور في لغة الفينيقيين) فوافق مندهشا من الطلب العجيب لكنّ الأميرة الماكرة قطّعت جلد الثور .وإذا ما ظنّه الحاكم قليلا يتحوّل إلى مساحة واسعة.ولجأ "السلطان أناي" إلى المكيدة نفسها .إذ قدم أرض "آزجر" مستجيرا ،طالبا الماء وقطعة أرض في حجم جلد جاموس.ثمّ بنى مدينة "واو" التي تعاظمت وقام سورها العظيم محتويا السهل ،ومحاصرا الزعيم وأهله. وهو ما جعل الشيخ "بكّه" يغلظ القول للزعيم ،ويتّهمه بالعمى وقصر النظر مشكّكا في حكمته"هل ينزل مهاجر على قبيلة ولا يطلب سوى قطعة بحجم جلد جاموس ثمّ يستولي على ثلاثة أرباع السهل ليبني "واوا" مزعومة " (المجوس:ص267)

فهل كانت غاية "الكوني" من استلهام هذه الأسطورة أن يذكّر بالحيلة الفينيقيّة الآفلة ،أو أن يُلمّح إلى الخديعة العبريّة الماثلة التي اعتمدت النهج نفسه في ابتلاع الأرض،وطرد سكّانها مع اختلاف الزمان والوسائل؟؟

1-4الشّخصيّة الأسطوريّة:

يتواتر في روايات "الكوني" حضور كائنات أسطوريّة تجمع بين صفات الإنس ،وشكل الحيوان.وفي رواية "المجوس" يظهر "الإنسان الذئب" في صورة "جدّ الدراويش" الذي تاه في الصحراء بعد أن مات والده ووالدته. فاحتضنته ذئبة رحيمة"علّمته كلّ حيل الذّئاب حتّى جاءت حوّاء" (المصدر نفسه ص297) لكنّه ما أن اقترب من المرأة ،وشمّ رائحتها حتّى حنّ إلى عالم الإنس.ولقد وظّف "الكوني" هذه الشخصيّة الأسطوريّة ليؤكّد أنّ جوهر الإنسان أفظع من "موخامد". فالجسد يؤصّله آدميّا والقلب ينصّبه في الصحراء وحشا ضاريا.تقول "الأمّ الذّئبة" وهي تحاول إقناع الإنسان الذي ربّته بالبقاء مع قطيع الذئاب"مَنْ زرع الشّرّ في صحرائنا..الإنسان أم الذئب؟..مَن ْاستنزف الآبار وأفسد عيون الماء:الإنسان أم الذئب؟..مَنْ رفع يده وقتل أمّه وأخاه وأباه:الإنسان أم الذئب؟من منّا الوحش:الناس أم الذئاب؟ (المصدر نفسه ص299ص300)

ومن الشّخصيات الأسطوريّة العرّافة"تيميط"التي تنفث عقدها،وتكتب على رمل الصحراء سحرها.فهي مخلوق خارق يتعامل مع الجنّ ويسخّرهم لكشف المستقبل.إليها لجأت العجوز"تاماهارت" تطلب حجابا يُعيد ابنها"أوداد" من الجبل الذي اتّخذه سكنا جريا وراء طائر فردوسيّ ذي صوت أخّاذ.ونحوها وجّه شيخ الطريقة سهام محاربته للشعوذة ولكلّ تعاليم المجوس.و"تيميط" تخفي سرّها عن العيون.لكن-على حرصها-انكشف سرّ مُديتها السحريّة ،وفاحت من خيمتها"رائحة الحليب السماويّ الذي تحلبه من ضرع النجوم لتسقي به صغار الجن كي يكشفوا لها حجاب المستقبل ويخبروها بسرّ المجهول" (المصدر نفسه ص191 )
 

2-الصحراء فضاءً سياسيّا:

2-1مسألة السلطة: بين الخيمة والقصر وبر يتبدّد مدر يتمدّد:

تبدو صحراء"آزجر" خاضعة لمركزيْ نفوذ هما خيمة "الزعيم" وقصر "السلطان".ويتّضح أنّ القصر الدّخيل على الصحراء ونواميسها طاغٍ كُتِبَ له الدّوام ،وأنّ الخيمة الأصيلة المتوارثة عبر العصور منحسرة ،محكوم عليها بالفناء.وعبر الحوار المطوّل بين الزعيم والسلطان الذي ينتهي به الجزء الأوّل من رواية" المجوس" تتجلّى نهاية هذا التنازع بانسحاب الزعيم إلى "صحراء الحمادة" التي كان قد لجأ إليها سابقا لمّا طغى شيخ الطريقة في "آزجر" وفرض سلطانه عليها.

2-1-أ-خيمة الزعيم:

تبدو خيمة الزعيم فضاء مفتوحا للوافدين من داخل "آزجر" ومن خارجها.ولا يوجد حولها ما يمنع صحراويّ من دخولها متى ارتأى ذلك.والخيمة تُعلن دائما ،بالتصاقها الظرفيّ بالأرض، الاستعداد للرّحيل ،والتوثب للفرار من لظى الجفاف إلى بَرْد  الطراوة . وهي تعكس نظاما في الحكم عرفه الصحراويون القدامى يقوم على سلطة الشيخ الحكيم الذي علّمته السنون والتجارب كيف يتّخذ القرارات المهمّة بحضور شيوخ القبيلة الطرف الفاعل في الاستقرار على رأي جماعيّ وفاقيّ. وهي لا تعزل الزعيم عن أهل قبيلته بل ترسّخه فردا منها يتّخذه الناس ملاذا ومنه يطلبون الحكمة وسداد الرأي فيما يواجهونه من صعاب ،وفيما يزمعون إنجازه من أعمال . وفي الخيمة تتصارع الأفكار .وتُسمع الآراء المتباينة حدّ الشطط. فالشيخ "بكّه"عاتب الزعيم و تجرّأ عليه ،وتجاوز المعاتبة إلى الغلظة في القول لكنّ حِلم الزعيم جعل هذا الخلاف لا ينتهي بفاجعة القتل والانتقام .وهو ما يؤكّد أنّ شِرعة القبيلة تُجيز الكلام ،وتعتبره مباحا مادامت غايته البحث عن حلّ جماعيّ.يقول الشيخ "بكّه" مخاطبا الزعيم في خيمته بغلظة لا يعرف سرّها إلاّ الصحراويون"لقد تساءلت كثيرا في الآونة الأخيرة عما إذا كنت مازلت تتمتع بقواك العقليّة وفي بعض الأحيان أيقنت أنّك أعمى"( المجوس 267).

فهل هي الإشارة إلى أنّ خيمة الشيخ في النظام القبلي كانت دوما مسرحا للاختلاف ولم تكن في يوم من الأيام صدى قرار الفرد المتعاظم !!؟؟ لقد سنّت الصحراء منذ القديم ناموسا يقضي بأن تكون الحكمة سبيلا إلى السلطان. فمن أين تسلّل إليها مَنْ غابت حكمتهم وحضر جبروتهم ؟

لقد كان الزعيم "آده" رمز الحكمة بما أنّه كان الأقدر على مسك العصا من الوسط.ولقد حافظ على التعاليم الصحراوية .فنفر كلّ ما يدلّ على الاستقرار. ورسّخ ميزة الصحراوي .وهي التوثب والاستعداد للرحيل.وقد اختار الانسحاب إلى صحراء "الحمادة" لما شعر بأنّ شيخ الطريقة قد تجاوز كلّ الحدود .وانسحب أيضا لما لاحظ أنّ السّلطان قد ابتلع أرضه ،وأنّه لم يعد قادرا على إيقاف نزيف الإعجاب بالذهب الذي اتخذه "السلطان" وأتباعه دينا جديدا جاء ليبدّد ما تواضع عليه الصحراويون.

لكنّ الزعيم -على حكمته- ارتكب ما جعل "آزجر" تفقد استقرارها .لقد قبل أن يمنح "السلطان " مكانا يقيم عليه مدينة"واو" الحقيقيّة التي أرادها بديلا عن "تينبكتو" التي سيطرت عليها قبائل "بامبرا" .وقد  وجد الزعيم نفسه مُكرها على اقتسام الأرض مع الغرباء. ذلك أنّ الالتزام بتعاليم الصّحراء ،وبتعاليم الدستور الضائع"آنهي" يفترض منح الماء لطالبه ،ومنع تسميم البئر انتقاما من الأعداء الذين استولوا عليه. وجاء في هذا الدستور أنّ مَنْ سمّم بئرا ،ومنع ماء في الصحراء عن طالبه حاصرته اللعنة ،وحُكِم عليه بأن يهيم في الصحراء منبوذا مدحورا يقول الزعيم دافعا عن نفسه تهمة التفريط في الأرض للغرباء ومستشهدا بآنهي"إذا منعت جرعة الماء عن عابر سبيل منعتها الصحراء عنك" (المجوس ص205)

2-1-ب -قصر السلطان:

ذا كانت الخيمة مكانا مفتوحا للناس وللرياح فإنّ القصر فضاء مغلق محصّن لا يُقتحم إلا بإذن. يمنع الدخولَ إليه عسسٌ وحجّاب "أمام باب القصر وجد ثلاثة من العسس:زنجييْن مارديْن وتابعا هزيلا طويل القامة مزمّلا بلثام باهت يضع سوارا جلديا قانيا في معصمه الأيمن" (المصدر نفسه ص168) .واحتجاب الحاكم عن أهله بدعة لم تعرفها الصحراء، ونمط في الحكم لا يستقيم في عالم يفرض التوحّد بين الحاكم والمحكوم توحّدا يلغي التراتبيّة المزيّفة والاختلاف ،ويكرّس الاجتماع سبيلا لمواجهة "ريح القبلي" ولفحه ،وكثبان الرمال وزحفها،والأعداء وما يفرضونه على الصحراويّ من توثّب ،واستعداد دائم للدفاع عن وجوده. فالقصر مكان دخيل على مصطلحات الصحراء وتعاليمها،يتميّز بالفخامة.وهو مبنيّ بالحجارة علامة الاستقرار"دار واسعة تتوسّطها الأعمدة مفروشة بالسجّاد العجمي الأحمر.فوق البسط تناثرت وسائد جلديّة مزخرفة بالنقوش محشوّة بالريش والوبر" (المجوس ص342).

ربّ القصر وسيّده السلطان "أناي" الذي وفد فارّا من "تينبكتو" يحدوه عزم بناء مدينة "واو" الحقيقيّة.وهو سياسيّ لا تنقصه الحكمة ،ولا يعوزه الدهاء قدم إلى "آزجر" مستنجدا طالبا ماء يقيه عطش السفر ،وأرضا يُنيخ فيها جماله إلى حين .وانتهى حاكما بأمره في المكان ،مسيطرا عليه بالحيلة والدهاء.وهو ما أجبر الزعيم على الانسحاب.

وللسلطان رأي في طريقة الحكم يختلف اختلافا جوهريّا عن الزعيم .فهو يعتبر انعزال الحاكم في قصره ،وابتعاده عن الاختلاط بالعوام السبيل الأمثل لحكم الناس ودفعهم إلى الإذعان"إنّ المخالطة لا تلد إلاّ الاحتقار والكراهية. المخالطة مقبرة الكرامة والكبرياء والنظام" المصدر نفسه ص345وهو يوجّه اللوم إلى زعيم القبيلة الذي يتساهل مع الناس ويسمح لهم بمجادلته والتطاول عليه " كيف تتجنب وقاحة الوجهاء الذين يسمحون لأنفسهم بأن يرفعوا أصواتهم فوق صوت ولي الأمر لمجرد أنهم معمرون أو مجرد ادعاء عن حرص مزعوم لحماية القبيلة من الفناء كما فعل معك الشيخ الجسور بكّة" (المصدر نفسه ص345) فهل هي الإشارة إلى أنّ الخروج من سلطة القبيلة إلى سلطة القصر هو خروج من نعيم "الشورى" والوفاق إلى جحيم الاستبداد والشقاق !!؟؟

ويظهر السلطان "أناي" في صورة الحاكم المستسلم لمتطلّبات العصر ،وما تفرضه من تغيير مسّ الصحراويّ في عاداته وهويّته.وهو يدافع عن اتخاذه البناء والحجارة بديلا عن الخيمة ،ووبرها المشرع للرياح ولزحف الرمال .ويحاول أن يؤصّل فعله.فيردّه إلى سلاطين مدينته القديمة "تينبكتو".يقول مدافعا عن نفسه ومغريا الزعيم بدخول "جنّته""لم أفعل شيئا سوى أنّي استبدلت خباء زعماء القبائل المصنوع من الجلد ببيت من الحجر خباء من الحجر على عادة سلاطين عاصمتنا القديمة تينبكتو" (المصدر نفسه ص343)

وإلى "أناي" يعود"إثم" جلب الذهب هذا المعدن الملعون، إلى "آزجر" متحدّيا بذلك شرائع الصحراويين. إذ يؤكّد كتابهم المقدّس ودستورهم هلاك كلّ من يقع فريسة امتلاكه والمتاجرة به، وكلّ من يخضع لبريقه الخدّاع. وقد اعتبره السلطان الأداة المثلى والوسيلة الناجعة لبناء مدينة قويّة تضاهي في عظمتها "تينبكتو" القديمة ،وتحقّق للصحراويين حلم بناء "واو الحقيقيّة" بديلا عن واو الأسطوريّة التي يلهج الصحراويّ بذكرها دون أن يكون لها أثر إلا فيما ترسّب في المخيّلة من وهم العثور عليها يوما.ولذلك استعاض السلطان عن "واو الحلم" بواو الحقيقة والممكن وقالوكأنّه يثبت حقيقة: "لماذا لا يكون الكنز هو واو ولماذا لا تكون واو هي الكنز؟" (المجوس:ص345) 

2-2مسألة الحرّيّة:

وُلد الصّحراويّ في رَحْب من الأرض ومُنْبَسط منها ومُرْتَفع لا تحدّه حدود ،ولا تمنعه حجارة عن الحركة، مقاوما كلّ علامات الاستقرار وما تفرضه من ذلّ ماثل أو قادم.و رأى هذا الصحراويّ في الرّحيل الدائم علامة على الحرّيّة، وفرارا من الأسر.ولقد كانت الحرّية عنده هي حياته التي عليها بنى رؤيته للكون وبها قاوم ما صَعُب من هموم ،وما تمطّط من ليل الوحشة والألم.الحرّية قدر الصحراويّ عليها انعقد حلّه وترحاله إذ "ما هي هذه الهجرة الأبديّة التي تراها إن لم تكن هربا من الأصفاد والأرض والاستقرار والواحات" (المصدر نفسه350 ")

وانتصارا للحرّيّة قاوم ،في رواية "المجوس"،  "الزعيم" ،و"أوخا" حارس البئر، وأتباعهما من أهل "آزجر"سور المدينة الذي جاء ليضع الحدود ،ويغلق الآفاق. لقد قاوموا زحف المدينة بشراسة واعتبروها مهدّدا للحرّيّة التي تمثّل ماء الصحراويّ في أرض العطش.ولئن أدرك المنتصرون للحرّية في "آزجر" أنّ في حرصهم عليها فناءهم، فإنّهم واصلوا عنادهم مواجهين الموت في سبيلها،فارّين من جنّة مزعومة تهدّد وجودها كما تمثّلوه واعتنقوه دينا .فردّدوا وهم يواجهون خطر المدينة الزاحف""نحن دراويش لا لأننا نرفض الدخول إلى الفردوس ولكن لأننا قايضنا الحياة نفسها بعدم بفناء بضياع أبديّ اسمه :الحرّيّة" (المصدر نفسه ص350)

والصحراويّ المتوثّب أبدا للرحيل لا يقبل النّعيم الذي يفقده حرّيته ،و لا يرضى بالفردوس التي تبعد شقاءه لتضعه في الأغلال.ألم يترنّم  صحراويّ بصوت تردّد صداه في "الربع الخالي" لتجاوزه إلى "الصحراء الغربيّة":

                لا تسقني ماء الحياة بذلةّ            بل فاسقني بالعزّ كأس الحنظل

                ماء الحياة بذلّة كجهنّم              وجهنّم بالعزّ أطيب منزل

ولمجرّد أنّ هذه المدينة الزاحفة اعتدت على نواميس الصحراء ،وشوّهت ما استقرّ فيها من عادات ،وطرق في العيش رفض الصحراويّ الأصيل دخول أسوارها ،والاستكانة إليها ،والاستئناس ببيوت قُدَّت من حجارة ،ودفنت الحريّة تحت بهرج العمارة. "الجنّة تكفّ عن أن تكون جنّة بمجرّد أن يجبر المخلوق على الذهاب إليها مسلسلا في القيود.السرّ في الأصفاد نفسها والمجازفة في الاستهانة بالخيار" (المجوس: 356)

ويبدو الصحراوي في لهثه وراء تثبيت حرّيته أشبه بالقابض على الماء بالأصابع يطارد وهما تعلّق به، يدرك أنّ في طريقه إليها حتفه لكنّه يمضي مكابرا معاندا لا يلين لترغيب ،ولا يخضع لتهديد .حتّى لكأنّ هذه الحرّيّة المزعومة هي آخر بقايا كبرياء ينتصر فيها لبداوته ،ويقاوم من خلالها زحف أغلال المدينة وحدودها كما قاوم كثبان الرمل التي ردمت مدنا لكنّها عجزت عن كسر عزيمة الإنسان.هذا التعلّق الغريب بالحرّية لم يجد له "السلطان" من تعريف إلّا "الكبرياء الكذاب الذي يضلّل العقل ويجعل المتكبّر الأبله يخلط بين الشرف  والركض وراء السراب كما يخلط بين الحريّة وسكينة الاستقرار" (المصدر نفسه ص351   )

2-2-أ"واو" فردوس الحرّيّة:

رحلة البحث عن "واو" رحلة فرديّة مرتبطة وجوبا بكلّ فرد .وهي ليست "فرض كفاية " إذا قام به البعض سقط عن الآخرين. وهو ما يعمّق الاقتناع بأنّ "واو" المبحث هي الحريّة. هذا الحلم الجميل الذي رسم له إنسان المدينة والمدنيّة تمثالا وأطلقها على أسماء الشوارع وتغنّى بمواويلها في أغانيه.لكنّه قتلها. وخنقها بما بناه من سجون ،وبما صاغه من حدود. "واو" صورة من صور الحرّيّة الضائعة في الأقبية والسجون ،و نشيد الحريّة يتردّد بين جبل "أدينان" ومجاهل آزجر" و"آير" و"تينبكتو".يرسم الصحراويّ لنفسه هدفا. وهو أن يتعانق مع "واو" الفردوسيّة.رحلة البحث عن "واو"،إذن، هي مصير الإنسان الذي تفرض عليه إنسانيته أن ينفلت من كلّ فخاخ العبوديّة والاستغلال.فلا غرابة أن يقول المريد التيجانيّ :"قطعت على نفسي عهدا ألّا أذوق طعما لطعام ما لم أعثر على "واو" أنا زائر من زويلة أبحث عن واو.. أبحث عن واو" (المجوس ص 184) ولا غرابة أن ينتهي ميّتا بعد أن تدحرج من رأس الجبل.

وفي منطق الكونيّ الروائيّ، العيب الذّي اقترفه  عربيّ الحاضر /صحراويّ الماضي، في حقّ إنسانيته وفرديته هو اعتباره "الحريّة" مطلبا تحقّقه الجماعة ،وتمنحه للأفراد على طبق من ذهب..الذهب المرفوض في رواية "المجوس" هو في بعض دلالاته "بريق" الحلول الجاهزة ..لقد انشغل العربيّ ببريق الحريّة والقيم الإنسانيّة الغربيّة القادمة من وراء البحار .ولم يرحل في الذات والمكان، لبناء حرّيته التي يمكن أن تُسْتَقْصَى من الأفق الرحب الذي بنته "حضارة الصحراء" كما رسمها القدامى بحوافر خيولهم ،ونحتوها في رمالها المتحرّكة.فالحرّيّة القادمة من وراء البحار ،في نظر "الكوني"، غلّ يضيّق الخناق على العربيّ،ويحاصره مادام يحلم بقدوم "المهاجر المنتظر الذي سيقبل على ناقة من الغرب…ينطق المهاجر بوعده ويقول إنّه سيقودهم إلى "واو" فيهرع خلفه الباقون من ضعاف النفوس طمعا بالفوز بواو لكن المهاجر اللئيم يطرح لهم كليما على هاوية..يتدافع إليه ضعاف النفوس فيسحب المهاجر بساطه ليتساقط الأتباع في هاوية بلا قاع" (المصدر نفسه ص282)

2-3 صخب الأيديولوجيا :عواصف السياسة:

يبدو "الكوني" في رواياته منغلقا على صحرائه يجمع خرافاتها وأساطيرها جَمْعَ من يريد المحافظة على تراث ثمين ،ويصف أهلها وَصْفَ مَن خبر عيشهم ،وأدرك كنه معاناتهم وهم بين حلّ وترحال.وقد أوهم هذا الانغلاق بانعزاله عن عالمه الراهن،وبانفصام علاقته به. فهو يستدرج "الكوني" قارئه إلى عالم سحريّ عجائبيّ أسطوريّ.لكن ما أن يرفع عن عينيه رمل الصحراء وغبارها، حتّى ينفتح له عالما يعرفه ويعيشه لكنّ حجاب الألفة أعماه عن تمثّله.

يتّضح أنّ "الكوني"ما ابتعد إلا ليقترب من لظى حاضره، وما جنّح بخياله في عالم الأساطير الصحراويّة القديمة إلا ليعود إلى واقعه سائلا متسائلا. إذ كثيرا ما انبعث من رواياته"صوت عقل أعياه طول النظر في أهل الدنيا وهم…ضائعون يبحثون عن خلاص ولا يجدون إلا سرابا… وصوت ضمير حائر متبرّم بالأنام يرثي لحالهم ويشهق كالضاحك،والسّخر من شيم ذوي الفكر دواؤهم من علّة التسآل يدرؤون به عن نفوسهم وطأة الهموم إذا اشتدّت" (توفيق بكّار:تقديم رواية من أساطير الصحراء)

  2-3-1الصّحراء:بداهة البداية متاهة النهاية:

لا نخال "إبراهيم الكوني" كتب روايته"المجوس" وهو خالي الذهن من توثّب الغرب لبناء"درع الصحراء" استعدادا لما سيعرف فيما بعد باسم"عاصفة الصحراء" التي مثلت شرخا في الوعي العربيّ ،وأكّدت الانقسام والتيه.فقد وُلِد نصّ "المجوس" (أنهى الكوني تأليف الرواية في 28/12/1990) و طبول حرب الخليج  الثانية تُقرع لتعصف ببقايا الوهم العربي.في هذه الحرب أراد "المجوسيّ الجديد" أن يتخلّى على مفرداته"الصليبيّة". فاستعاض عنها بمفردات من صميم الصحراء. واعتبر ما يقوم به من أعمال تخريب، عاصفة من عواصف الصحراء الرمليّة التي ألفها العرب ،وعرفوا كيف يتعاملون معها.فالصحراء التي انطلق منها العرب لبناء حضارتهم التي امتدّت في الزمان والمكان تحوّلت إلى متاهة.لقد كان العربيّ كائنا صحراويّا ،مجافيا للمدر ،توّاقا إلى وبر يحمله ويركبه راسما "رحلة الشتاء والصيف" متنقلا بين مجاهل الصحاري ،ومتاهات المدن. فأراد له"مجوس" الزمان الجديد أن يموت تحت رمالها في عاصفة تجنّدت لها كلّ الترسانات الغربيّة.وحتّى البطل الذي انتصر لم يُطلق عليه اسم "رامبو" أو أيّ اسم من الأسماء التي تتفنّن السينما الأمريكيّة في نحتها، بل تحوّل بكلّ بساطة إلى "ثعلب صحراء" في تحدّ سافر لمن يدّعون أنهم امتلكوا الصحراء وأجبروها على الإذعان لهم.فهل كان "الكوني" صوت النذير الذي  تنبّأ بمصير أمّة الصحراء القاتم عندما صاح "أيّها الصحراويّ الشقيّ منذ اليوم لن يكون المنفى في الخلوات وحده قدرك الأبديّ ولكن ها هم الأعداء يعدّون لك الكفن والزوال يطرق بوابة الصحراء" (المجوس ص256)

وبين مخالب "عاصفة الصحراء" تفرّق العرب شيعا .وتاهوا في صحراء الفرقة والنفاق. منهم من لبس ثوب "أورغ" فآخى مجوس القرن الجديد، وحكم باسمهم محاولا نسف نواميس الصحراء من الداخل. ومنهم من لبس ثوب"أوداد". فسافر في رحلة زائفة بحثا عن أسطورة طائر توهّمه ورأى فيه النجاة فغيّب الجسد والعاطفة وانتحر على مشارف الجبال.

2-3-2الصّحراء رجع صدى الهزيمة:

ظنّ العرب أنّهم أسياد الصحراء فكان هلاكهم فيها.ألم تته جيوشهم في صحراء سيناء سنة1967؟؟ألم يضيّعوا العمر سدى يبحثون عن"النصر الحقيقيّ النهائيّ الذي يركّع الخصم ويجبره على توقيع معاهدات الاستسلام" (المجوس ص258) فلم يظفروا إلا بمرارة الهزيمة يتجرّعونها في ترحالهم على غير هدى في صحراء الفرقة والشقاق.ألم يتحوّل النّصر الذي كانت تردّده هتافات الناس في الشوارع إلى هزيمة مذلّة؟؟

ولقد تعمّق التيه الذي شرّد الذات العربيّة عندما انشغلت عن عدوّها المتربّص ،وانهالت على جسدها تجريحا وتعذيبا.فتعدّدت الصراعات "الدونكيشوتيّة" بين دول جمعها الفقر والذلّ فلم تجد -إمعانا في سلخ الذات- من أن تنهش بعضها،وأن تصوّب حقدها إلى غير هدفه الحقيقيّ المتمثّل في عدوّ مشترك خرج من "مدينته" مولّيا شطر الصحراء باحثا في باطنها عن كنوز جنّد للفوز بها كلّ أسلحته.غابت الحكمة.وغاب التعقّل فظلّ صوت "الكوني"يتردّد بلا صدى في صحراء خالية من الحكمة"هل من الحكمة… أن نجهّز للحرب ونقفز إلى عدوّ يرابط على الحدود ونترك عدوّا يضرب الحصار حول بيوتنا ويحرمنا بئرنا ويهدّد أعناقنا" (المصدر نفسه:ص 269 )

وهل يمكن لعربيّ عايش المحن ،ورأى أرضه تُنتَهك وتجزّأ أن يخطئ فهم  ما رمى إليه "الكوني" وهو يصوّر في صحرائه البعيدة القريبة،كائنا دخيلا تسلّل إلى أرض آمنة طالبا ظلّا ،وبعض ماء ليستولي على كامل الأرض ،ويفرض "سلطانه" بكلّ صلف؟؟ أليس ماضي الصحراء الذي يوهمنا به الكوني هو حاضر المدينة التي نعيشه؟؟ وهل"آزجر" المخدوعة إلاّ وجه آخر لفلسطين التي قدم إليها من وراء البحار يهود طلبوا النجاة . ثمّ استولوا على الأرض.وحاصروا أهلها .وهدّدوهم بالرحيل.؟؟ يلتبس الأمر علي القارئ فلا يدري إن كان "الكوني" يتحدّث عن سور خرافيّ يحيط بواو "الخيال" كالأفعى أم عن الجدار العازل الذي جزّأ المجزّأ ،أم عن سور القدس المهدّد بالسّقوط؟؟؟فهل ما نطق به "الشيخ بكّه" هو كلام شخصيّة ورقيّة ابتدعها المؤلف، أم كلام عربيّ هذا اليوم الذي يتابع في حيرة وعجز عدوّا متربّصا"يأتي وافدا غريبا ونعطيه الأرض والماء ثمّ يتجاسر ويستولي على القربة وعلى الوادي. أصبحنا غرباء في صحرائنا (المجوس:ص205  ).وستظلّ هذه الحيرة المريرة متوارثة جيلا بعد جيل مادامت "أرض الميعاد" تتوسّع على مرأى ومسمع ممّن منحوها جرعة الماء فسمّمت قربهم !!

  2-3-3استسلام في سلام :حكمة مسك العصا من الوسط:

يجمع سكّان "آزجر" على حكمة الزعيم ،وعلى قدرته على مسك العصا من الوسط علامة على اعتداله.ومن علامات اعتدال الزعيم وحكمته تمكين "السلطان" من قطعة أرض في حجم جلد جاموس انطلق منها ليستولي على ما جاورها من السّهل .فهل أمسى التنازل عن الأرض والعرض حكمة الماضي والحاضر ؟؟ هل أمسى التنازل عن البئر "اعتدالا"؟؟ هل انسحاب الزعيم  إلى صحراء "الحمادة" فرارا من شيخ الطريقة مرّة ،ومن السّلطان أخرى ضرب من ضروب الحكمة ؟؟أين وجه الاختلاف بين "زعيم"رأى الحكمة والاعتدال في أن يمنح رقبته للعدوّ،وبين "زعماء" الصحراء في هذا العصر الذين فرّطوا في آبارها النفطيّة؟؟أين الغرابة في الأمر والعالم الغربي يصنّف عرب هذا العصر إلى معتدلين ومتطرّفين؟؟.على أنّ الاعتدال في المنطق الجديد هو إنكار ملكيّة الأرض ،والاعتراف بالكيان الدخيل المزروع زرعا في أرض منزوعة من أصحابها.وتزداد لعبة "الزعامة" سخريّة عندما يفتح التاريخ صفحاته المظلمة ليكشف أنّ أوّل من بادر بقبول "اقتسام ماء البئر" أطلق على نفسه اسم "الزعيم"،واختزل في شخصه كلّ الألقاب ،وأنّ مَنْ ألقى بأمّة في "بئر" كان أيضا "زعيما" في أرضه له تُعقد المدائح والأذكار؟؟وبين زعيم فرّط وما درى ،وآخر أفرط وما وعى تأكّد كلام "الكوني"وازداد رسوخا" كلّ تراجع في الصّحراء رحيل…من سلّم في شبر أعطى الأرض كلّها" المصدر نفسه:ص158

وإزاء كلّ مشاريع الاستسلام التي تنشد سلاما واهيا يتراءى برقا خلّبا في ظلمة الواقع تبدو إجابة الكوني واضحة لا يخطئها نبيه"ما معنى حياة المخلوق إذا لم يسدّد دينا جعله الخالق في يد أرض يدوس عليها المخلوق كلّ ساعة وكلّ يوم؟هذا النداء هو ما يحوّل الجبناء إلى أبطال يرمون بأنفسهم إلى التهلكة ،ويدفعهم إلى مواجهة الأعداء بصدور عارية كي يدفعوا الأتاوة للأرض ويرووا حفنة التراب بالدم" (المصدر نفسه:ص332 )فهل هي الصرخة في صحراء لا صدى فيها !!؟؟ هل ستحقّق نبوءة شاعر النّوح والحنين "مظفّر النوّاب" عندما صاح باكيا "سنصبح نحن يهود التاريخ… ونعوي في الصحراء بلا مأوى"؟؟؟

هل كان "الكوني"المتوغّل في رمال الصحراء يتّخذ من الكثبان غطاءً يتوارى خلفه ليرثي حال أمّة إليها ينتمي تاهت في بحث بلا طائل، عن انعتاقها وتحرّرها ،وطاردتها اللعنة لأنّ الذيّ يحكمها "شيخ أعمى" فرّط في العصا من حيث ظنّ أنّه يمسكها من الوسط ،ولأنّ الإمام الذيّ انتظرت منه أن يهديها سواء السبيل قد"فقد فراسته الدينيّة وضلّل المؤمنين أكثر من مرّة"؟؟؟ لمجوس:ص167

من تحت كثبان الرمل ،ومن بين أصوات الرياح ،ولفح القبلي ، كان "الكوني" يرفع شعارات ،ويرسل إشارات،ويرسم علامات لا يمكن لعربيّ هذا العصر أن يخطئها ،أو أن يقرأها بلامبالاة.حتّى لكأنّ التوغّل في صحرائه يمسي توغّلا في رمال السياسة المتحرّكة.وهل أبلغ من هذا الشعار السّياسي ردّا على كلّ مشاريع الاستسلام التي تسوّق لوهم السلام "إنّ من يكسب السلم هو من يتأهب للحرب (المصدر نفسه ص272")

على سبيل الخاتمة:

لقد حاولنا في هذا البحث أن نلج عالم "إبراهيم الكوني" الروائيّ.فلم نجد أفضل من توسّل"الصّحراء ودلالاتها" سبيلا لاكتشاف هذا العالم لاسيما وقد آل "الكوني"على نفسه أن يجعلها فضاء رئيسيّا لمروياته.وقد سلكنا طريق الصّحراء من أبواب ثلاثة:باب الجغرافيا قصدنا من خلاله تتبّع الفضاء الفيزيائيّ الذي تتحرّك فيه الشخصيات ،وانتهينا فيه إلى أنّ الصحراء التي تبدو ،في الظاهر،كلّا موحّد السّمات والتضاريس تتلوّن في شكل جبال وسهول ومدن وآبار. وباب الأسطورة وفيه بحثنا عن مجموعة الأساطير ،والحكايات التي تكشف عن وعي الصحراوي بمحيطه ،وبمنزلته في الوجود ،وبنظرته للكون.وباب السّياسة الذي عليه مدار ما يكتب"الكوني".فقد تبدّى لنا أنّ رياح السياسة العاتية كانت توازي في صحراء "المجوس" عواصف الرمال.ويمكن أن نجمّع أهمّ النتائج التي يزعم هذا البحث أنّه قد توصّل إليها في النقاط التالية:

-الصحراء في أدب "الكوني" عموما،وفي رواية "المجوس" خصوصا،هي فضاء لايكتفي بتأطير الحدث السردي خارجيا بل يدخل ،عبر تجلّيات تصويرية،في التكوين الرّؤْيَوِي للنصّ.وهو يقدّم مفاهيم ،وتصورات تخدم السّرد ،وتكوّن مادته ليصبح سمة هذا الروائيّ العالم الروائيّ.وقد فاز بجائزة "الكلمة الذهبيّة"التي تمنحها اللجنة الفرنكفونية التابعة لليونيسكو لأنّه "بعث إلى الحياة عصرا بأكمله من تاريخ ليبيا كحضارة مجبولة على عشق الحرية والانتماء المسخر للرفع من قيمة الإنسان، راصدا حياة الصحراء اليومية سواء في تنوع مظاهرها الطبيعية، أو في ثراء قيمها الروحية؛ ذلك كله مطبوعا بروح فلسفة تروج لإماطة اللثام عن سر الوجود الإنساني" (بيان اللجنة الفرنكفونيّة عندما تسلّم "الكوني"جائزة"الكلمة الذهبيّة )

-"المرويات" في رواية المجوس محكومة بالأسطورة التي تحرّك الأفعال السرديّة ،وتلوّن الشخصيات ،وتفعل في الزمان والمكان إذ"لا معنى للمرويات فيها خارج الأسطورة" (محمّد الباردي"دروس لطلبة الماجستير)

-"إبراهيم الكوني" فرّ إلى الصّحراء مجازا وتخييلا. لكنّه لم يغادر المدينة العربيّة والمدنيّة الحديثة.فالصّحراء في رواية "المجوس" هي هذا العالم وما يشهده من تحوّلات،وهذا العصر الذي يئنّ تحت وطأة صراع الحضارات والهويات متأرجحا بين الحرب والسلم.فلا غرابة إذن أن يتقاطع في نصوصه الأسطوريّ والسياسيّ.

-للكوني فضل إخصاب المدوّنة السرديّة العربيّة،وإغنائها بمرويات جديدة قطعت مع ما عرفته الرواية العربيّة من نزعة إلى التجريب أتت،في أحيان كثيرة ،على لذّة القراءة، ومتعة الفنّ.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق