لفيلم اللبناني (لما حكيت مريم) بعد أربع عشرة جائزة!!.. عن المسافة الملتبسة بين نقد الخاص وهجاء العام

حين نسي الناقد السينمائي الأردني ناجح حسن الذي أدار الحوار بين مخرج فيلم (لما حكيت مريم) وجمهور الحضور أن يذكرَ الجوائزَ التي فاز بها الفيلم، لم يتوان أسد فولادكار مخرج الفيلم بأن يذكِّرَ مَن في القاعة أن عدد الجوائز هو أربع عشرة جائزة. وأمام رقم كهذا كان لا بد من التصفيق بحرارة. فأن يحقق فيلم عربي هذا الإنجاز في غير مهرجان مسألة تستحق التقدير فعلا.

لقد انتظر عشاق السينما طويلا في عمان وصول (مريم) لسماع حكايتها، فالانتشار الإعلامي للفيلم سبقه، وكان يكبر مع كل جائزة جديدة يظفر بها سواء في العالم العربي أم في بقية دول العالم.

مهرجان الفيلم الفرنسي العربي، تكفَّلَ بتقديم (لما حكيت مريم) وعدد من الأفلام الأخرى، التي شاركت في إنتاجها فرنسا أو احتضنتها بعد إنتاجها.

يشير المخرج فولادكار إلى أن قصة الفيلم تستند إلى حكاية واقعية لبنانية، وبالطبع لسنا ضد الواقع ولكننا يمكن أن نكون ضد زاوية النظر التي يتم من خلالها معالجة هذا الواقع؛ وسواء قال هذا المخرج أو ذاك الكاتب إنه اتكأ على الواقع أو لم يتكئ، فلا شيء يأتي من كوكب آخر، لأن أصل الحكايات كلها في الحياة. إلا أن جملة (هذا الفيلم يستند إلى حكاية واقعية) التي تتصدر شاشات العرض، غالبا ما تذهب إلى إعادة تصوير الواقعة دون الارتفاع بها إلى مستوى الفن حرصا على الأمانة للوقائع.

وقبل المضي أبعد، فإن قصة فيلم (لما حكيت مريم) وكما جاءت في النشرة الرسمية للمهرجان هي على النحو التالي (يعيش زياد ومريم حياة سعيدة لا يعكر صفوها سوى أمر واحد، ألا وهو عدم إنجابهم للأطفال بعد ثلاث سنوات من الزواج. يشفق زياد على زوجته ويؤكد لها حبه بعد أن علم بعقمها، ومع هذا لا تستطيع مريم الهروب من الضغوط العائلية وبالأخص تلك التي توجهها لها حماتها.. ) وتكون النهاية أن تقوم مريم بنفسها بالبحث عن عروس مُنْجِبَةٍ لزوجها، بعد رضوخ زوجها للضغوط، لأن رضوخه هو أصل المشكلة.

وكما يُلاحظ أيُّ متتبع للأفلام والمسلسلات، فإن الحكاية مألوفة جداً، بل ومستهلكة، عالجها ذات يوم المخرج نجدت أنزور في مسلسل قديم، وعالجها ياسر العظمة في واحدة من مراياه، أو أكثر، وعالجها الحاج متولي وشبيهه العطار في المسلسلين المصريين حتى ضاق الجمهور من المحيط إلى الخليج بذلك. وعالجتها روايات وحكايات و…

بالطبع، ليس استهلاك حكاية سبباً موجباً للابتعاد عنها، لأننا دائما ننتظر من يذهب بعيدا في الحكاية العادية ليخرجها من عاديتها باستخلاصه جوهرها الأكثر عمقا الذي لم يكتشفه أحد من أولئك الذي داروا حول فولكلوريتها الساذجة.
فما الذي فعله المخرج فولادكار هنا، لقد نقلها إلى السينما دون أن يرتبك أبداً أمام كونها حكاية مُستهلكة، معروفه، يمكن أن يخرج عدد من الناس في أي قاعة ليسردوا مثيلات لها، كما حدث فعلا بعد العرض، في المناقشة.

أما السؤال الذي لا بد منه فهو: لماذا يمضي مخرج شاب بهذا الاندفاع نحو موضوع كهذا؟ (وهذا يسجل لصالحه) فلنقل إنه التحدي، وإنه حق الفنان في أن يختار ما يريد، ليرفعه للمستوى الإنساني الذي نتمناه ونريده، لنقل إن ذهابه نحو فكرة عارية كهذه، فكرة نعرف بدايتها وأوجها وليس من الصعب علينا أن نتوقع نهايتها، لنقل عن ذهابه هذا أن فيه جرأة غير عادية، لأنه يريد أن يصعد بالعادي إلى ما هو غير عادي، وأن يعيد إنتاجَ المألوفِ فناً رفيعاً، وأي تحد أكبر من هذا؟

ولكن ما الذي حصل؟!!

على المستوى الفني فإن ثلاثة أرباع الفيلم خارج أي جماليات حقيقية للسينما وحساسيتها الجديدة أو الحديثة، ويبدو أشبه ما يكون بسهرة تلفزيونية لا غير، فالإيقاع رتيب تماما، رغم سعيه لتقديم حلول إخراجية باللقطات التي سيتبين أنها قادمة من المستقبل، أو الأحداث التالية، وكذلك حركة الممثلين، والأجواء المحيطة بهم، الضوء، زوايا التصوير، وما يمكن أن يشير داخل الكادر إلى ما يحدث في داخل الشخصيتين الرئيستين معدوم. ويمكن القول هنا إن من الجماليات القليلة التي تتكرر، تلك اللحظات أو اللقطات التي يوزعها المخرج بين الأجزاء السردية للحكاية، والتي تَظهر فيها مريم لتقول ما حدث لها وفيها وهي تتحدث مع الكاميرا أو الجمهور مباشرة، هنا الضوء الأصفر الشاحب الذي ينعكس على ملامح الوجه وعفويته التي تتفجر بعذاب نبيل، وهذه اللقطات سنكتشف في نهاية الفيلم أنها اعترافات مريم، أو رسالة مريم لزياد التي سجلتها بنفسها وتركتها له.

وإذا ما تجاوزنا جماليات الفيلم، وذهبنا إلى (ما الذي حدث للحكاية) فإن طريقة سردها لم تصعد بها أبداً نحو درجة أعلى مما لو كنا سمعناها كحكاية عابرة، بمعنى أن معالجتها السينمائية لم تضف لها الكثير، بل إن قيام المخرج، وهو كاتب السيناريو أيضا، بدفع الحكاية نحو الميلودراما في حالات كثيرة، وتقليدية، ساهم في إفقارها أكثر مما ساهم في إغنائها. سواء بدفع مريم إلى الجنون، أو إماتتها.

كان لا بد للمخرج إذن من أن يطلبَ من الجمهور قبل عرض الفيلم (بأن يستسلم لفيلمه) ورغم أن فكرة الاستسلام للفيلم تبدو جميلة، لكننا حين نتأملها، نحس بأنها تشبه ذلك الطلب الذي يطلبه ذلك الشخص، أو الطبيب الذي يستخدم التنويم المغناطيسي لعلاج مريضه. لكن الأمر في الفن، غير ذلك تماماً، لأن عليك في كل لحظة أن تعيش وتصارع وتعلو وتهبط وأن تتقدم مشاعرك وفكرك معا في اللعبة دون أن تفقد ذاتك من أجل ما يقدَّم إليك على الشاشة، لأن الفيلم ليس نفيا لك، بقدر ما هو حوار معك في كل لقطة من لقطاته وفي كل جملة حوار تقولها أي شخصية فيه.

الاستسلام هنا، لا يعني سوى شيء واحد، كان يجب أن يُطْلَبَ من الجمهور قبل دخول بوابة صالة العرض، أن يضع عقله عند الباب، وكذلك ذائقته الفنية، ويستسلم لما سيراه، كأنه أول فيلم سينمائي أنتج في العالم، ولم يسبق لأحد أن رأى اختراعا مثله من قبل.

ولأن ذلك لا يمكن أن يحدث، فإن طلبَ المخرج كان دعوةً للمُشاهدِ للتنازل عن كل ما يعرفه إذا ما أراد أن يفهم ويدرك هذا الفيلم المحصن بكل هذه الجوائز.

ولكن، كيف يمكن أن تنسى أنك (أنكِ) تعرف / تعرفين حكايات شبيهة، كيف يمكن أن تنسى أنك تشاهد فيلما هو أقرب لبناء المسلسل منه إلى بناء السينما، أو أن تنسى ذلك الإيقاع العادي الذي لا يبعث الحياة فيه صوت الكمان، الموسيقى التصويرية لكثير من مشاهده؟

كيف يمكن أن تنسى أن رقصة مريم في عرس زوجها رأيتها في المناسبة ذاتها في مسلسل أنزور ؟
وكيف يمكن أن تنسى أن مريم تخرج من مستشفى الأمراض النفسية وتعود بعد منتصف الليل أو قربه، وتدخل من بوابة مفتوحة، دون أن يسألها أحد كيف خرجتْ وكيف عادت؟

وكيف يمكن أن تنسى موتها المفاجئ الذي جاء بلا مقدمات، وكيف يمكن أن تنسى أنه يقوم بغسل جثتها بنفسه، ودفنها بنفسه مع أن عدد الباكين في الغرفة المجاورة من أصدقاء زياد وصديقتها والأهل يمكن أن يمد له يد المساعدة؟
كيف يمكن أن تنسى أن دموع كلَّ هؤلاء الأصدقاء لم تدفعهم للذهاب معه إلى المقبرة عند دفنها؟!!! وقد كان المخرج صارما بحيث لم يسمح حتى لصديقتها الوحيدة بالوصول إلى المقبرة.

وإذا ما كان المخرج قد تجاوز فكرة عدم جواز غسل جثتها من قبله أو من قبل رجل، رغم أن وصيتها بأن يغسلَ هو جثتها تنسف فكرة الحجاب، وإيمانها الداخلي الخاص به، كما فسّرها لي المُخرج، من أساسها، فإذا كان أرادها ملتزمة بحجابها فكيف تطلب طلباً كهذا من زوجها وهو الذي أصبح من زمن بعيد طليقها!!!

هكذا تختلط الأمور فنجد أيضا أن كل من أحبوها مقذوفون خارج مراسم وترتيبات جنازتها، باستثناء دموعهم، لأن المخرج يريد أن يرفع من وتيرة الحس العاطفي الذي تغمره الميلودراما لكي يقنعنا بأن حكاية الحب هذه كانت خاصة إلى حد أن أي مخلوق لا يجوز له المشاركة فيها.

وكيف يمكن أن ننسى جملة مريم الأخيرة (في الشريط الذي تركته له) حين تقول له إنه لم يعش لأنه لم يعرف ويحيا معنى الحب أبدا. ولكن المخرج الذي وصف فيلمه قبل العرض بحكاية رومانسية، كان يريد لنا أن لا ننسى رومانسيتها أبداً، وألا نرى في المشاهد الأخيرة إلا رومانسيتها حتى ونحن نعرف أن الزوج (الرومانسي) هو السبب الأول في جنونها وبالتالي موتها.

هذا من ناحية، أما الناحية الأخرى، فتتمثل في هذا التوجه الإخراجي، الساعي لتقديم حكايات صالحة لترسيخ الصورة النمطية عن العرب، وليس ثمة أفضل هنا من هذه الصورة التي تحتقر المرأة، وتحتقر الرجل بالطبع، والزواج من أربع نساء موضوع أثير، فالتي لا تنجب يمكن أن تعيدها إلى أهلها، تماما كما يمكن أن تُعيد أي جهاز تلفزيون لوكيله إذا ما تبين أن هناك خللا فيه، وتستبدله بآخر.

قد يقول قائل، ولكن موقف الزوج كان غير ذلك، لأنه رفض، ولكننا لا نستطيع أن ننسى أنه قَبِل، بل وذهب في الحكاية إلى آخرها، وأن مسافة زمنية طويلة فصلته عن مريم، التي ظل يختلي بها في البداية، حتى انكشاف قصته معها من قبل زوجته الجديدة، ومن ثم انحدار حالتها إلى ذلك الحد الذي أوصلها إلى مستشفى الأمراض النفسية، فلم يعد يعرف عنها شيئا إلى أن جاءت بنفسها إليه.

ولم يكن هناك من سبيل لدفع حكاية الزواج من ثانية وثالثة ورابعة إلى مدى أبعد أفضل من طرح تلك الصورة الأكثر تخلفا وبعدا عن العقل والمتمثلة في التجاء مريم إلى مشعوذ دجال، وانهزامها أمامه، رغم يقينها أنه دجال في البداية، ويسجل هنا للمخرج أنه صور لنا انحدارها من رفض الشعوذة وسيلة للعلاج إلى حد إدمان هذا العلاج. لكن ذلك لا ينفي أنه بتصعيده للعلاج في النهاية والرامي إلى طرد الجنِّية التي في داخل مريم، الجنية التي تمنعها من أن تحمل، قد ذهب إلى حد مرعب حين أجبرها المشعوذ على النفخ في فم جثة فتاة ميتة لكي تستقر الجنية في الجثة، وتخرج من مريم إلى الأبد.

تسأله مريم: ومن يسمح لي بأن أنفخ في جثة أحد أقربائه؟ فيرد المشعوذ: بالمال يحدث كل شيء؟

نحن هنا أمام صورة تتجاوز حالة مريم، والتخلف المحيط بها، إلى حالة قذف مجتمع بصفة الجشع التي لا تجعله يفكر بحرمة أمواته.

كان يمكن أن نقفز عن هذه الملاحظات بالاستسلام للفيلم ونسيانها كما أراد لنا المخرج، لأن هذه الأمور جزء من واقع عربي، ولكن المخرج يوقِعُ فكرته عن فيلمه في المكان الأكثر دلالة، فحين تخرج مريم هائمة على وجهها مجنونة في الليل، يتلاشى صوت الكمان كخلفية موسيقية للمشهد وتتقدم التراتيل وبعض ما يشير إلى إقامة الصلاة، كما لو أن ما نراه في الصورة هو محصلة نهائية للثقافة التي يمثلها الصوت القادم من مكبرات المسجد المجاور، أي الثقافة الإسلامية.

ذات يوم قام بهذا الأمر بصورة مزرية المخرجان أوليفر ستون وألن باركر في فيلم (اكسبرس منتصف الليل) حين كان الأتراك لا يعذبون السجين الأمريكي (البريء) إلا مع صوت الأذان لربط الهمجية بالإسلام، ودفعا الأمر إلى أقصاه، حتى أننا كدنا أن ننسى أن هذا البريء ضبط متلبسا بتهريب المخدرات (قدما اعتذارا علنيا بعد ذلك).

فهل كان ثمة ضرورة لربط ما آلت إليه أحوال مريم بهذه (المؤثرات الصوتية) ذات الدلالة؟ والتي تخرج الفيلم من إطاره الخاص كحكاية لأفراد إلى ما يشير إلى إطار عام يتعلق بثقافة أمة؟

سأل أحد الأصدقاء الكتّاب المخرجَ بعد انتهاء العرض: ولكننا لم نر خصوصيات المكان اللبناني في الفيلم؟ وكانت إجابة المخرج تشير إلى أن الحالة تتجاوز لبنان لأنها حالة عربية.

وهذا ما كنا نعنيه، في أن الحكاية تخرج من الإطار الطبيعي لها كحكاية شخصين لتلامس أو تشير إلى حالة عامة تتصف بها هذه الثقافة.

ثم كيف يفسر لنا المخرج هذه المعادلة الغريبة في فيلمه والمتعلقة بالحجاب، فمريم هي الشخصية المحجبة الوحيدة خلافاً لبقية الشخصيات النسائية في الفيلم!!!!!!، مع أننا لا نعثر على أي سلوك يدعم وجود الحجاب، لا في حياتها الشخصية، ولا في تفكيرها الذي يبدو علمياً أمام خرافة العلاج، كما أن النساء حولها بدءا بحماتها، غير ذلك تماما ففي كل مشهد نراها في تسريحة جديدة، أو تعد لهذه التسريحة، أو تعتني ببشرتها، وليس مظهر أمها بعيداً عن ذلك وإن بدا في الإطار العام الذي لا يتجاوز المنديل إلى الحجاب، والأمر نفسه مع صديقتها ومع الزوجة الثانية وحتى مع تلك الفتاة السمينة التي لا تكف عن توجيه الشتائم للرجال، ونعني تلك التي تعمل عند المشعوذ. أما مريم فمنذ بداية الفيلم نراها محجبة وسط الأصدقاء في الاحتفال بعيد ميلاد زوجها. في حين يظهرها الفيلم خارج حجابها امرأة (ببعدها الشرقي) ولا يدخر المخرج جهدا في هذا المجال وهو يرصد جمالها كله!! أو بعضه الذي يشير إلى كله!!

هناك مسألة أخرى في الفيلم، يمكن أن تكون مساحة للنقاش، وهي تلك التي تمثل ما بعد لحظات الحب، ونعني هنا ما نراه كرمز يتمثل في يد زياد التي تغسل بعض أجزاء جسد الزوجة برقة غير عادية، لكننا نكتشف في نهاية الفيلم أن كل ما أوهمنا الفيلم أنه حدث بعد لحظات الحب، هو في الحقيقة المشهد الطويل لزياد وهو يقوم بغسل جثتها، وكل ما فعله المخرج أنه وزّع بعض لقطاته على الفيلم.

كيف يمكننا قراءة مشهد كهذا؟

يمكن يُقرأ، بأن ما كان يبدو حبا لأعيننا طوال الفيلم هو في الحقيقة غير ذلك تماما، وكان معادله الفعلي يتمثل في صدمة اكتشافنا أن ما كنا نراه هو غسل جثة، وبذلك أَطار المخرج بضربة واحدة كل ما حملناه من حس (رومانسي) أرادنا أن نحمله للفيلم وبطليه. فالعلاقة منذ البداية ميتة، وإذا كانت كذلك، فإن الرجل ميت على مستوى مشاعره، وهذا يعني أنه موضع إدانة، وهنا يسقط أحد ركني هذه العلاقة، لتغدو أشبه بحكاية حب من طرف واحد، لا يمكن أن يُطلق عليها (حكاية رومانسية). وتبدو الفكرة ناخرة للفيلم أكثر مما هي مرممة له أو دافعة له نحو الأمام كحكاية حب تدور بين إنسانين.

وبعيدا عن النتيجة النهائية التي فاجأتنا بزياد يغسل جثة، فإن التقطيع المشهدي بعيدا عن هذه الخاتمة كان حلا إخراجيا جميلا دالا ومعبرا، وكان تقطيع مشاهد شريط الفيديو وتوزيعها على الفيلم حلا ساهم إلى حد بعيد في كسر رتابة السرد السينمائي وواقعيته، ولكن أيضاً، لا نستطيع هنا أن ننسى أن مريم تُطلُّ علينا في هذا الشريط رغم أنه الشريط-الوصية وآخر ما فعلته، تطلُّ علينا امرأة ساخرة مُدركة تماما لما يدور، ودارَ، وبصحة تعتبر جيدة لا تشير إلى موت قادم لا ضرورة له إلا لرفع وتيرة الميلودراما والوصول إلى نهاية.

ولكن ماذا عن الشخصيات في الفيلم، وبناء هذه الشخصيات جزء من فنية أي عمل سينمائي ومشروعية وجوده؟
في هذا المجال تبدو برناديت حديب (مريم) الزوجة (المسلمة) المُحبة كمركز للعمل قد قاتلت بصعوبة لترفعه بأدائها إلى درجة أعلى بقليل مما هو عليه، وكان لحضورها الطبيعي كممثلة، أثر ساهم في ذلك، أكثر مما ساهمت الحكاية وساهم الإخراج، خاصة في مشاهد: الرقص وعندما يتم ضبطها متلبسة مع زوجها، وحين تلتقي زياد وتكتشف أن أمه ماتت مثل أمها، كما أن حضورها في لقطات الفيديو كانت آسرة فعلا.. وهي في الحقيقة ممثلة غير عادية قادرة على جذب المشاهد حتى لمجرد وجودها على الشاشة مجللة بهذه المشاعر المتضاربة، وهي بالتأكيد أكثر أهمية من الدور (بمجمله) وأكثر قدرة على تقديم ما هو أصعب وأكبر من تلك المشاهد المهمة التي أدتها باتقان وموهبة.

أما بقية الشخصيات: حماتها، حماته، الصديقة (نستثني مشهدها مع طفلتها النائمة وحولها القطط الصغيرة ومشهد التهامها للقطعة الباقية من الجاتوه في الصحن الذي تحمله مريم في طريقها للمطبخ) وإلى ذلك شخصية المشعوذ والزوجة الثانية، وهي الشخصيات التي تحتل المساحة الأوسع، تبدو شخصيات رأينا العشرات مثلها في الأفلام والمسلسلات، وهي لا تختلف بتاتا عن تلك الفكرة الشائعة القارَّة في العقل الجماعي العربي عنها. أما بالنسبة للمشاهد الغربي فهي بالتأكيد جديدة ومشاهدتها أشبه بمشاهدة سيرك صغير تؤدي هذه الحركات الغريبة فيه شخصيات تشبه البشر.

ثمة شيء أخير لا بد من أن يقال، وهو أن هذا الفيلم يستحق أن يُرى، ولذلك يستحق المناقشة، فهو الفيلم الروائي الأول الطويل لمخرجه، وقد أُنتج في ظروف صعبة، وقُدِّم بذكاء كان لا بد من محاورته، لأن الفيلم سار على خطوط دقيقة، يدركها المخرج، توقِعُ المُشاهد العربي في التعاطف معه بسهولة، وتُقدِّم للغربي ما يحتاجه تماما كي يرانا.

ولكي أكون منصفا تماما، حاورتُ المخرجَ، بعد كتابتي الأولى للمقال، في مسألتين، مسألة التمويل، وكان هناك فقرة طويلة في المقال عنه، وبعد الحوار حذفتها، لأنه قال لي أن الجهة الممولة لم تر النص أبداً، فهو أستاذ في الجامعة اللبنانية الأمريكية أصلا، ومسألة حجاب مريم، التي لو قدَّم لي بشأنها جوابا شافيا يقنعني لما رأى هذا المقال النور، ربما!!!

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق