لقوة الأخلاقية والسياسية لثلاث نساء عاريات / جهاد الزين

لا يُقارَن تعرّي السيدات، المصرية علياء المهدي الرائدة العربية لهذا “التيار”، وجلشيفتا فراهاني الإيرانية، ومؤخّراً “أمينة تيلر” التونسية… لا يُقارن بأي احتجاجٍ نسويٍّ سبقه في العالمين العربي والمسلم.

عندما تتعرّى سيّدات شابات ومتعلّمات بل مثقّفات مسلمات أو من بيئة مسلمة، فإن في تعرّيهن قوةً أخلاقيةً ليس ضد لاأخلاقية اضطهاد المرأة فحسب بل أساساً لأنهنّ بهذا التعرّي “يضحّين” بجسدهن نفسه. وهذا أقوى ما يمكن أن تقدّمه امرأة في مجال التضحية “الاجتماعية” بالنفس أينما كان، فكيف في عالمنا المسلم؟

لكن القوة الأخلاقية لهذا التعرّي – من حيث هو انتحار اجتماعي – الذي تقوم به هؤلاء السيدات لا يختصر موقفهن. فميزة هذا التعرّي قوّتُه السياسيّة. إنه سياسيٌّ بامتياز، ليس فقط لأنه يحصل ضد ثقافة محافظة وقمعية في النظر إلى موقع المرأة الاجتماعي بل لأنه فعلٌ متطرّفٌ جداً ضد سيطرة التيارات الأصولية والسلفية على مجتمعاتنا العربية والمسلمة في هذه الحقبة من حياتنا. سياسيّتُه تُلغي نسويّتَه بالمعنى الإيجابي أي تتجاوزها لتصبح فعلَ دفاعٍ عن الرجل والمرأة معاً ككائنين ذويْ حقوقٍ سياسية في الحرية والديموقراطية والتقدم.

هكذا تكون علياء المهدي و”امينة تيلر” (السنيّتان!) اللتان تعرّتا فايسبوكياً على أرض بلديهما، وبنسبة مخاطرة أقل جلشيفتا فاراهاني (الشيعية!) التي تعرّت عبر إحدى المجلات الفرنسية وهي خارج بلدها بعد معاناة مع أجهزة الأمن داخله بسبب مشاركتها كممثلة في أحد الأفلام… هكذا تكون هؤلاء النسوة الثلاث مناضلاتٍ بل قائداتٍ سياسيّاتٍ بالمعنى الحرفي للكلمة. نختلف أو نتفق مع طريقتهن النضالية، فهنّ وربما بدون أي تنسيق يؤسّسْن لما يُصبح تدريجيا أحد أشجع تيارات الاحتجاج ضد السيطرة الأصولية السياسية الراهنة على مجتمعاتنا في العالم العربي والإيراني.

تقوم نخبة بل نخب سياسية وثقافية علمانية وليبرالية في بلدان السيدات الثلاث، ولا سيما في مصر وتونس، بمواجهة ضارية مع حكم “الإخوان المسلمين” والانتشار السلفي في المجتمع، منذ اللحظة الأولى لسقوط الديكتاتور هنا وهناك. وقد نجحت هذه النخب حتى الآن، وهي طبعا ليست الأغلبية بل الأقلية الواسعة، نجحت في ما أسميتهُ سابقا “إفساد حياة” النظام الإخواني الجديد. هذه المواجهة هي السمة العامة للمرحلة الحالية في تونس ومصر، وكلُّ أشكال الاحتجاجات الأخرى السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية بما فيها النسوية هي روافدُ لها: تعرّي السيدات الثلاث هو واحد من هذه الروافد. ولكنه رافد غير عادي. وأُذيع مؤخرا أن السيدة الفاني، المخرجة السينمائية التونسية (شاهدتُ في باريس فيلمها:”لائكية… إن شاء الله”) قد تظاهرت كاشفةً عن أحد نهديها تضامنا مع مواطنتها “أمينة تيلر”.

لقد سبق لي أن كتبتُ العام الماضي (24/1/2012) بعد تعرّي السيدة فاراهاني وقبل ظهور تعرّي السيدة “أمينة تيلر” التالي:

“السؤال الكبير وربما ذو الطابع الثقافي الذي يسمح به “استشعار عن بعد” للحدثين المهدوي والفاراهانوي هو: هل يكون هذا النوع من البطولة الفردية شكلا من أشكال “العمليات الانتحارية” التي تنبئ ولو بصورة مبكرة جدا عن بدء أفول عصر الصعود الاصولي بعدما بلغ ذروته او هو آخذٌ ببلوغ ذروته في الوصول الى السلطة بعد اندلاع “الربيع العربي”… الذروة التي لا بد ان يليها بدء التراجع؟” وكنتُ تساءلتُ يومها هل بعد السيدة علياء المهدي المصرية والسيدة الايرانية جلشيفنا فاراهاني… علينا ان ننتظر مفاجأة تعرٍ جديدة من نوع مثلا إقدام سيدة اندونيسية او مغاربية أو من منطقة أخرى على ذلك… فيتواصل “مسلسل” الصدمات “الآتي” من المجتمعات “الاكثر” محافظة حاليا في العالم المسلم؟…”.

تعرّي هؤلاء السيدات الثلاث جعل بعض أشكال التعبيرات النسوية الأخرى، أو التي تقدّم نفسها على أنها نسوية، محافظةً قياساً به. هذا لا يعني التسليم بأن هذا الأسلوب الاحتجاجي هو الخيار المقبول. فقد يظل حالاتٍ فردية تتحوّل إلى نمط بين أنماط أخرى للاحتجاج أكثر تنظيما ومنها مساهمات نضالية وسياسية وثقافية لنساء لا يُردن أن يكنّ أصلا ضمن أي حركة “نسوية” الطابع. لقد انتقدت شخصيات نسائية تونسية فاعلة وبقوة تعرّي “أمينة تيلر” ومن حق هذه القيادات النسائية التونسية الطبيعي ذلك. بالمقابل حظيت “أمينة” العضو في منظمة “فيمن” الأوكرانية بتأييد ملموس. لكن أياً يكن موقفنا واختياراتنا فإن تعرّي السيدات الثلاث هو بدون أدنى شك أشجع احتجاج نسوي ظهر حتى اليوم في العالم المسلم. احتجاج يبلغ حدّ الانتحار الاجتماعي. وهل هناك تضحية أقوى وأرفع من ذلك؟ مع أنه من البداهة والتكرار القول أنه ليس كلُّ تعرٍّ أو كلامٍ عارٍ هو عمل احتجاجي خصوصا التعرّي السِلعي الشائع. بل العكس فإن التعرّي السِلعي (ما عدا في تعبيراته الفنية والثقافية الجادة) هو عنوان خضوع المرأة لا حريّتها.

وأياً يكن الموقف مخالفا، فلن يُكتب تاريخ نضالات المرأة العربية والمسلمة المعاصرة بدون “تَطرُّفِ” هذه الأسماء الثلاثة.

الانتحاريون الإسلاميون الجهاديون يفجّرون أنفسَهم فيدمرون البشر الأبرياء والحجر.
“الانتحاريات” الثلاث لا يُؤذين أحداً غير أنفسهن.

عن جريدة النهار البيروتية

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق