للحيوانات أسماؤنا.. وللآدميّين أسماؤها
على عوض الله كرار

أُصيبت الوطنية بانهيار عصبى مفاجئ إثر علمها بأن فيلما أمريكيا أطلق اسم الرئيس الراحل انور السادات على كلب ، مما يعد من وجهة نظرها إساءة بالغة للراحل، ولكل المصريين، وقد طالبت تلك الوطنية بسرعة التحقيق مع المسؤول عن الرقابة التى أجازت عرض الفيلم.

وتقول جريدة الشروق المصرية ( 11 أغسطس – ص 3 ) :
” وفى الاتجاه ذاته أكد النائب محمد مصيلحى أنه سيتقدّم بمشروع قانون مع بداية الدورة البرلمانية القادمة لإضافة مادة الى قانون العقوبات تقضى بمعاقبة كلّ من يسيء لرموز مصر أوالتشكيك فى وطنيتهم..”

وإذا وافقت كمواطن لا حول له ولا قوة على ما يريده النائب ، فهل يكون لى حق سؤاله: ما العمل لو كان الرمز هو الذى أساء الى مصر أو الى أحد أبنائها مثل الشيخ المحلاوى خطيب مسجد القائد ابراهيم بالإسكندرية، إذ قال ضمن خطبة من خطبه : ( أهو مرمى فى السجن زى الكلب ) .. وماالعمل لو شكك هذا الذى جعلتموه رمزا فى قدرة المصريين على إدارة شؤون البلاد السياسية، فأتى بأتباعه عن طريق انتخابات مزوّرة، وعيّن من يضمن ولاءهم، عمداء للكليات ورؤساء للصحف والمجلات وللأزهر الشريف إلخ ، حتى ولو كان هناك من هم أعلى كفاءة علمية منهم، كفاءة ترتفع بها قامة الوطن، ومن ثم المواطن، ومن ثم الشعور بالمواطنة..

الوطنية صارت مجرد مقهى شعبى بمنطقة المنشية الشهيرة بحدثين سياسيين مهمّين. الأول ( وهو يعبّر عن ذروة صراع داخلى ) : محاولة إغتيال جمال عبد الناصر.. الثانى ( وهو يعبّر عن ذروة صراع دولى ) : تأميم قناة السويس . كما اشتهرت المنشية ( بوسط الاسكندرية ) وجدانيا بصوت هدى سلطان التى غنّت لحبيبها الذى قابلته فى المنشية المشهورة. وعن طريق صوت أم كلثوم التى غنّت لعبد الناصر:

أجمل أعيادنا الوطنية

بنجاتك يوم المنشية

وحبيب هدى، ومعظم المتفرجين السينمائيين، هو زعيم الشاشة الشعبية فريد شوقى .. وحبيب أم كلثوم، ومعظم المتفرجين السياسيين، هو زعيم مصر جمال عبد الناصر.

المصريون – تقليدا للجاليات الأجنبية التى كانت بمصر – يسمّون كلابهم : بوبى / جيمى / فوكس / لاكى ، إلخ .. فهل اعتبر المصريون أو الأجانب إطلاق هذه الأسماء على كلابهم إهانة للآدميين .

وبالمناسبة : رغم أن اسم جيمى هو اختصار للاسم الأجنبى جيمس ، إلآ أنه صار بالتوازى تدليلا لأى شخص اسمه جمال ، فهل أصدر الرئيس الراحل جمال عبد الناصر قرارا بمنع تسمية أى كلب باسم جيمى ؟ . خاصة وأن زملاءه المقرّبين كانوا ينادونه به قبل أن يسمّى ( أبو خالد ) ؟ .. طبعا لا …
ولعائلات الآدميين أسماء الحيوانات :
الحيوان / الجحش / أبو بهايم / الضبع / أبو جاموس / القط / الفار / تعلب / ديب / حنش ، إلخ .. وهى بالمفهوم الشعبى الدارج تعنى :
شتيمة ( ياحيوان / ياجحش / يابهيم ) . وتعنى الذى يبدى لك تعاطفا حتى تطمئن إليه ، فإذ به يبرز أنيابه ممزقا جسدك ( = ضبع ) أو الذى يطمع فى حقوق غيره من الناس ( فلان دا مضبّع ) .. وإهانة رجل لرجل آخر ، واتهامه بعدم الفهم ( دا جاى من ورا الجاموسه ) . فما بالك بمن جاء من وراء أبى الجاموس كله والإتهام بالمسكنة والرضوخ ( = القط ) .. وبالجبن والهرب من المواجهة ( = الفأر ) .. وبالمكر ( = تعلب ) .. وبذلك الذى يتشبه بالكلب الوفى حتى يقترب من عشة الدجاج ويخطف إحداها ( = الديب ) .

ثم ألم تطلق سينما والت ديزنى الامريكية أسماء الآدميين على حيواناتها الكرتونية ( توم وجيرى ) أشهر قط وفأر فى التاريخ المعاصر .
إذن الأسماء هنا لا علاقة لها بالمفاهيم الدارجة .
لكن لماذا لم تتسم بعض العائلات باسم ( الكلب ) ؟

أيام غزو العراق نشرت صحيفة بريطانية كاريكاتيرا لتونى بلير رئيس وزراء بريطانيا ، وهو على هيئة كلب مربوط بسلسلة يمسكها بوش . ولم يُحاكم صاحب الجريدة ، أو صاحب الكاريكاتير . وقد أعيد نشرها فى جريدة الأهرام القاهرية ، ولم نسمع أن السفارة البريطانية بمصر احتجت على إعادة النشر .

لكن لماذا لم تتسمّ بعض العائلات باسم الكلب ؟

هل لأنهم يعتبرونه نجسا يبطل الوضوء لو مسّ أحدا ؟

هل لأن ديل الكلب عمره ما ينعدل ؟

هل لأن موقفه من صاحبه ينبع من معدته ، لا من ذهنه ؟

هل لأن عضّة الكلب تصيب الآدمى بالسّعار ، ومن ثم الجنون ؟

هل لأن معظم الكلاب شوارعية ( مثل القطط ) ليس لها أصحاب ؟

وعلى العموم :
الكلب وطنى من الدرجة الأولى الممتازة ، ألا يحرس بيت من يُؤمن له الطعام والشراب والمأوى والعلاج إلخ .. يحرسه بكل تفان وإخلاص . ويدافع عن صاحبه إذا هُوجم .
طبعا السياق الاجتماعى جعل كلمة كلب إهانة واحتقارا إذا قالها شخص لآخر ..وتتوازى معها كلمة حمار .
فى امريكا اتخذ أحد الحزبين الرئيسين الحمار شعارا له . فى حين أنه عندنا يعنى الغبى الذى لا يفهم ، بعكس ماجاء فى الثلاثية الغنائية ( الجوز الخيل ) .. ومنها هذا المقطع :

إن شد السرعه بإيده يمين

يحوّدوا زى البنى آدمين

وإن شد شمال ……( = يسار )

برضك فاهمين …..( = فهم وظيفى محدود )

لم يعتبر الشعب المصرى هذا المقطع يتضمّن إهانة له ، وتعامل معه فى سياقه العام ( = الأغنية ) ، ولم يخرج به الى المعنى السياسى ، سواء أكان هذا قبل الثورة أو بعدها . وسواء أكان هذا فى فترة الادعاء الاشتراكى الناصرى ، أو فى فترة الادعاء الرأسمالى الساداتى .

وبالمناسبة : هل يحق لألمانيا ، وسينماها تعيد تقييمها لزعيمها النازى هتلر ، أن تطالبنا بحذف مشاهد السخرية والإزدراء من أحد رموزها التاريخية ( هتلر ) حتى وإن كانت بعض التيارات الألمانية مازالت تعتبره أسوأ زعيم فى تاريخها المعاصر ، حذف هذه المشاهد من فيلم ( الاسكندرية ليه ) ليوسف شاهين ابن الأمثال المصرية الشعبية التى منها:

– أدعى على ولدى .. وأكره اللى يقول آمين

ومصر تدعو كل يوم على أولادها ممن تتسببوا فى مصائبها ، لكن إذا وافقها غريب ، ولو بمشهد سينمائى نكشت شعرها ، وكشّرت ملامحها ، وارتعشت أعصابها ، وكشفت عن أنيابها ، ويا رحمن يا رحيم من غضبها.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This