للمنابر الإعلاميّة والفنّية إرهابها أيضا!


في أحد المؤتمرات الصحفية في مهرجان "دبي" السينمائي منذ أعوام عدة اشترك "الزعيم" عادل إمام و"سنيدته" من الممثلين في مؤتمر صحفي واجه فيه "الزعيم" على غير العادة أسئلة صحفية حقيقية غير مهادنة من صديق صحفي سوري لم يعترف بسلطة الزعيم الأمر الذي أغضب أحد أتباعه (شريف .م) ولحق بالصحفي بعد انتهاء المؤتمر وسأله مستنكراً  "أنت ازاي تتكلم كده مع الزعيم" فأجابه صديقي "هادا زعيم عليكم مو زعيم عليّ".


بالمقابل لم تعرّ الثورات جميع المنافقين، هناك مناضلون من ورق ومنهم إعلامي مصري يكتب بأقلام من رصاص هو نموذج لصحفي ينادي بالحرية، ويتوجه إلى ميدان التحرير ليحمل على الأكتاف، لكن ثوريته مشكوك فيها منذ أن تحدث سجين سابق في السجون الناصرية في أحد البرامج الوثائقية كيف أنه أتي به من زنزانته في السجن ليبث اعترافاته في برنامج يعده ذلك الصحفي، لكن هذا الأخير غضب لأنهم اختاروا هذا السجين الذي تظهر على وجهه آثار التعذيب وطلب سجيناً آخر لا تبدو عليه علامات التعذيب، أي أنه كان جزءاً من بروباغاندا وأجهزة تعذيب، أما الآن فتحول إلى مناضل في سبيل الحرية!؟


صحيح أن الرؤساء والزعماء طاروا لكن أنظمتهم بقيت (حتى اليوم على الأٌقل)، إلا أن الإنجاز الأهم للثورات والانتفاضات العربية هو قوائم الشرف وقوائم العار، لأن تلك القوائم تعني أن المنافقين سيُفضحون، ولن تحول دموع تامر حسني دون طرده هو وكل الفنانين الذين احترفوا اللعب على الحبال كبهلوانات في سيرك العالم العربي، والصحفيون مثل عمرو أديب الذي أعطاه متظاهرو ميدان التحرير بوسة كبيرة وحضن كبير ولسان حالهم يقول الله معاك ولا ترنا وجهك.


 ما حصل يمكن اختصاره بعبارة "الملك عار" التي أصبح بإمكان كثير من العرب قولها اليوم ليس لملوك على العروش فقط ولكن لملوك نصبوا أنفسهم على حياتنا وأذواقنا ووسائل التواصل، وهنا يمكن فهم أهمية وسائل التواصل الاجتماعي التي قضت على المركزية، ونقلت الأهمية مجدداً للفرد، الذي اتضح أنه الأقدر على صياغة دوره الاجتماعي، وأن مجموع المنابر الفردية أكبر من حاصل جمعها.


إن تفكيك سلطة الفساد يجب أن يجري على مستويات عدة، فالأمر لا يتعلق فقط بطغم سياسية، إنما هو حالة مستشرية في الأوساط كلها، ما يجعلنا نتساءل عن البديل وهل هو أفضل؟ وعمن يشارك في التغيير وخصوصا وسائل الإعلام التي لا تحترم بداية موظفيها في العالم العربي، فأي صحفي في كبرى الفضائيات العربية التي تتخذ من دول الخليج العربي مقراً لها تشكل جزءا من حالة الكفيل حتى لو كانت ضمن مناطق إعلامية حرة، ولا يستطيع الصحفي السفر إلا بموافقة كفيله سواء كان شخصا أو مؤسسة، هذا إن لم يكن جواز سفره أصلا محجوزاً لديها، أما عقود العمل فتبيح إنهاء خدمات الصحفي دون أي مساءلة، وهو ما يجعلنا نتساءل كيف أن فاقد الشيء لا يعطيه، وأن المؤسسة التي لا يملك عاملوها الحرية وتمارس ضدهم كل أشكال التسلط لا يحق لها انتقاد أنظمة تمارس الذنب نفسه فما المقتول بأحسن من القاتل.


قنواتنا الثورية تذكرت فجأة ثروات الشعب الليبي، وتذكرت فجأة مواقف قائده الطريفة الظريفة، فيما كان بعضها يتفاخر سابقاً بالحصول على لقاء حصري معه، ويقدم له بإعلانات تسبقه بأسبوع ويزيد.


اليوم، وفجأة، صحت تلك القنوات من سباتها واعتمر صحفيوها قبعات تشي غيفارا وأخذوا يبشرون بالحلم الثوري، ولكن باستخدام كاميرات الناس الذين صنعوا الأحداث، فالروح غالية، ومن الصعوبة بمكان الوصول إلى ميدان التحرير إلا بلقطة بعيدة، والحديث عن المعتصمين يشبه كثيراً الحديث عن أشباح، وفي أفضل الأحوال تقتلع تلك الكائنات الثورية من مكانها لتدلي بأقوالها تلفونياً، أو باستضافة في الاستديو الذي فقد وظيفته الإعلامية في حالة إحدى القنوات الأشهر وتحول لمنبر لبث البيانات العسكرية ودعوة العسكريين في ليبيا إلى رمي سلاحهم والتجمع في أوقات وأماكن محددة، والناس فرحة بما تشاهد، ولم يعد يفرق معها الالتزام بأصول العمل الإعلامي، فإحساس المشاركة بالثورة بفضل ضغة زر على "الرموت كنترول" وزيادة ضخ "الأدرينالين" خلال الاستلقاء على الأريكة المريحة في غرفة الجلوس عمل ثوري تصاحبه تضحية السهر لمتابعة الثورات القُطرية ما يعطي صك غفران وبراءة تعفي صاحبها من أي جهد إضافي.

ويتبرع مفتو تلك القنوات مثل القرضاوي بفتاوى تجيز قتل القذافي، أو يحضون على الجهاد، ويخرس الصحفيون أمام حضرته، وينسى الجميع تحت وطأة الخبر المتسارع خطورة تغير الأدوار.


وعلى الجانب الآخر من الافتاء يطل من فضائية مصرية خاصة شيخ في مقتبل العمر اسمه المعز مسعود ليقول: "دا بيكفي أن اسم محمد حسني مبارك زي اسم نبينا"، ويستدل الشيخ من تشابه الأسماء على أنه لا يجوز إهانة الريس.

شيخ يفتي بالقتل وشيخ يدعونا إلى المسامحة لأن أحرفاً تتطابق في اسمين، لم يتغير الشيء الكثير عما كان قبل الثورات والانتفاضات، وما زال الوعظ مستمراً.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق