للنساء مسرات الغياب

منتصف الليل وأنا في مدينة الموتى، والرجال مخطوفون أو مقتولون أو قتلة، والنساء وحيدات ،أحسست بخفة غريبة تجتاح جسدي وأنبأني فؤادي أنني قد أستطيع التحليق والتنقل وسط ظلمات الليل ، وكأني استعدت قوى بدائية فقدتها البشرية منذ دهور، على الضد مما كنت أكابده في نهارات بغداد وأنا أتعرض للتهديد وربما الموت العشوائي بانفجار سيارة مفخخة أو أن يطلق عليّ احد الرجال ذوي اللحى الشعثاء نار رشاشته او يرمي على وجهي ماء النار لأنني اكشف عن وجهي وشعري كما اعتدت طوال عمري في هذه المدينة المحتلة..
أدركت أنني صرت قادرة على الإفلات من الأرض والتحليق في الأعالي وكأنني من صنف ملائكة خفاف ، لكنني أرجأت الفكرة المجنونة وفتحت التلفزيون ورأيت عازفة يابانية تعزف كونشيرت البيانو رقم 4 لبيتهوفن ، سحرني عزفها و غمرني نوع من السلام النادر وتناءيت عن الأرض وما فيها وملأتني الموسيقى بفيوض من الغبطة، وأنا أشاهد العازفة تتجلى في أدائها، وتذوب على ملامس البيانو متلاشية في نشوة الموسيقى ، وخيّل إلى أن جسدها الأبيض يمتزج بأسود البيانو وسواد ثوبها يتلاشى في الملامس البيضاء ،حتى اختفى الجسد تماما وبقي البيانو يتحرك عازفا نفسه بنفسه دونما أصابع تطلق لحنه الصادح..
من النافذة الشرقية انهمرت ريح ساخنة رطبة محملة بأشذاء شجرة الياسمين،وتندى جسدي وقميص نومي برذاذ لم أدرك مصدره وفكرت أن اكتب رسالة للرجل البعيد، لكن انقطاع الكهرباء حال دون تشغيل الكومبيوتر ، فوجهت له نداء تخاطريا وتمنيت أن يبلغه ندائي وهو في البلاد القاصية، واستجابت حواسي للمسات يده على جسدي وأنا استحضرها تخيلا وتذكرا، أصابعه تنبض فوق صدري وتحولني إلى رحيق حلو استدعى تلك اللذة الدافقة في عروقي وتحسست جسدي، لكن يدي، بالله ما بها يدي؟؟ إنها تجوس في فراغ، إذ لم أحس بلمس يدي على جلدي، وخشيت أن تكون الأصابع قد فقدت حسها ..
وتمنيت ساعتها أن يظهر لي مما وراء الغيب ويطفئ رعبي، ليثبت لي أنني موجودة حقا بوجود جسدي ، لكنه ما كان سيسمعني إذ ناديته من قلب الكارثة وأصوات الرصاص وحشرجات القتلى تتعالى في الشوارع مختلطة بزعيق سيارات الإطفاء وعويل سيارات المارينز المسرعة.
وبين آونة وأخرى كنت اسمع أصوات الانفجارات وصرخات النساء المروعات في شوارع بغداد، يبحثن عن رجالهن وأبنائهن بين الجثث الملقاة على الأرصفة، لا، أبدا، ما كان سيسمع ندائي ولن يجدني إمراة مجسدة لها حضور مادي في المكان والزمان المتحولين إلي جحيم..
عدت ابحث عن جسدي الذي تلاشى في كونشرت البيانو ورياح الجنوب ورجفة رعبي من المسلحين الذين يحومون في الشارع، لم يكن الرجل ليسمعني فاللغة تحولت إلى همهمات خوف تشوش على نبض القلب، أطلقت صرخة تصادت بين جدران الغرفة، خشيت أن يمحيّ صوتي بامحاء جسدي، وعدت ابحث عن جسدي، تلمست ذراعي ووجهي وصدري وساقيّ ، فما عثرت إلا على المزيد من الفراغ المروع وتحول جسدي إلى عدم، وقلت لو كان حضر فانه سيضحك من هلوساتي ولربما كان وجدني وعانقني وأنقذني من انخطافي في هذا الجنون، آه ، لا ، أنني لا أتوهم ولست أعاني من هلوسات ولست احلم فانا متيقظة وأنا الآن بلا جسد ولا حجم وأكاد أطير شبه فقاعة أو ملاك باهت أو هباءة تائهة في هبوب الريح.. فكيف سيجدني عندما يأتي؟
عدت ابحث عن بقايا شيء من جسد المرأة الذي اختفى وذهبت فزعة إلى غرفة نومي : وقفت أمام المرآة الكبيرة في خزانة ثيابي فلم أشاهد شيئا ولم ينعكس فيها سوى الجدار ولوحة امرأة نصف عارية تمثل ” زليخا ” عاشقة ” يوسف ” رسمها لي طالب فنون معدم بثمن قميص وسروال، حدقت بالصورة فلبثت  زليخا في ذهول شهوتها ترمق باباً مواربا يوشك أن ينفتح ليبزغ منه الفتى يوسف، وجسدها يتألق في إشراقة الرغبة ، ورديا وصافيا تنضح فتوته من أعطافها ..
رأيتها تنظر إلي حتى ظننت أنها تسخر مني وهي تراني بكل حواسها المتوفزة ، بينما تحولت أنا إلى عدم وفراغ، لقد انتهيت وبقيت (زليخا ) تتراءى في المرايا وتتكاثر في الهوى الصاخب وتصرخ في الأزمنة : “هيت لك..”  تملكني الرعب وبدأت أعي محنتي : إنني إمرأة استحالت إلى هواء،فماذا تفعل إمرأة بلا جسد بحياتها ؟؟ وشئت أن اختبر حواسي وأنا في وحدتي ، فتحت التليفزيون الصغير في غرفة نومي فانهمرت صور القتلى و ملأت الشاشة جثث رجال متيبسة، وأخرى مقطوعة الرؤوس والأطراف وبعضها أخصيت قبل قتلها ، وجثث جرى تعذيب أصحابها حتى الموت، وانتشى العشب الطري الأخضر بالدماء، بينما كانت الغربان والصقور تحوم على ارتفاعات منخفضة تحت شمس ذهبية تتخلل غيوما لامعة بحواف بنفسجية زرقاء والكلاب الضالة تنهش الجثث المتروكة ، أطفأت التلفزيون وهرعت إلى حديقتي وقصدت أن أمر بين شجيرات اللانتانا ذات الأغصان الخشنة الواخزة ، فلم اشعر بوخز أو حكاك وما رأيت في الشارع غير سيارات مسرعة وسمعت انفجارات قذائف الهاون تتردد في الليل وأنا انحنى على زنابق الاماريليس واتنشق شذاها وأتلمس طراوة البتلات الندية المخططة بالأبيض والأحمر في حوض الزنابق .
عدت مسرعة إلى داخل البيت وأحكمت إغلاق الباب وارتميت على سريري فلم اشعر ببرودة المفارش ونعومتها . ووجدت الوسائد مثل رغوة حرير ومررت بيدي على جسدي فلم اعثر على غير الفراغ ، وانشغلت باختفاء جسدي عن الحلم بمتع قادمات عندما يعود الرجل الذي غادرني بعد أن خيّره الخاطفون بين القتل أو دفع فدية ومغادرة البلاد ، كان يزورني خلسة قبيل رحيله إلى الخارج ، يأتيني في ليلة اكتمل ظلامها ويغادرني قبيل الفجر تاركا جسدي مستغرقا في نعيم الحب المحرّم علينا ، يعانقني لدى الباب ويتنفس عطري ويرتشف دموعي ويمضي متنكرا في زي بائع أو مرتديا رداء برتقاليا كالذي يرتديه منظفو الشوارع ..
غلبني النوم ويبدو أنني نمت طويلا ، إذ وجدتني استيقظ عندما غمرني وهج شمس باهرة انعكس على زجاج النافذة من خلال أغصان شجرة الليمون وشجرة العنب المتعرشة عليها، ولبرهة نسيت ما حدث لي في الليل ولكنني فوجئت بغياب كياني المادي عندما وجدت الفراش مرتبا وباردا ، ،كأنه لم يمس وما ترك فيه جسدي بعضا من دفئه، فانفجرت بالبكاء وخيل إلي أنني اذرف روحي لأنني لم أجد دموعا ولا وجها ، و هالني الأمر وركضت في ممرات البيت وهاتفت صديقة لي وأيقظتها من نومها وأنا اصرخ بها :
– سارة ، اسمعيني ، لقد اختفى جسدي و أنا غير موجودة ، انظري إلى نفسك هل تجدينها؟؟
سمعتها تضحك مما حسبته دعابة أو شطحة من شطحاتي ، فصرخت بها :
– أرجوك تلمسي جسدك واخبريني ما تجدين ، أرجوك أنا جادة فيما أقوله ..
– أواه من جنونك ، دعيني أنم ساعة أخرى ..
– أتوسل إليك لا تتركيني أواجه هذا الرعب وحدي ، هيا انظري إلى نفسك وتلمسي جسدك ..
سمعت صرخة الهلع التي أطلقتها سارة وهي تردد :
– أنا غير موجودة و لا أرى جسدي لقد أصبحت غير مرئية ، يا إلهي إنهم لن يروني ..
آه ، لقد نجونا ، ما من احد سيرانا بعد الآن ، ولن نرغم على شيء ، او نضطر إلى التخفي بعد اليوم..
قلت لها : سوف أستثمر اختفاء جسدي لأزاول كل الأشياء التي حرمت منها تحت طائلة القصاص ، سأقوم بكل ما يخطر على بالي من أفعال ورغبات..
قالت : ولن أفكر بعد الآن بالحمية وإنقاص الوزن ليعجب مظهري الرجال .
فكرت أن للحرية أثمانا باهضة ندفعها من حياتنا ، وبدأت أثرثر واغني وأتفوه بكلمات غريبة واكتشفت أن للغة ملذات قد توازي ملذات الجسد وان للكلمات فعل السحر فينا ..
، وعندما رن هاتفي وأتاني صوته من الأقاصي، تحولت حقا إلى رحيق وتمدد في أحاسيسي الغامضة خيط من اللذة العجيبة ، وسمعته يتمادى في مغازلاته غير آبه بأجهزة التنصت على الهواتف وعابرا حدود المألوف من حواراتنا وبوحنا برغباتنا وأشواقنا واكتسى صوتانا بتلك الغصة التي تعقب تدفق الرغبات..
أنهى مكالمته ، فخرجت إلى الشارع أختبر حريتي بعد إمحّاء جسدي ولم أبصر في الطرقات غير الرجال المسلحين وجنود المارينز و بعض الشرطة ، وسمعت دوي الانفجارات يلف المدينة منذ الصباح ، لم تكن ثمة إمراة في أي مكان ، رجال رجال ورجال ودبابات ،والطرقات تتراكض فيها ظلال غير منظورة و لكنني كنت اشعر بحفيفها وهي ترتطم بي ، أو تتقاطع معي ، او أشم بعض العطر أو روائح العرق من تلك الظلال التي كانت فيما مضى نساء ينبضن بالحياة، إنما يلاحقهن رعب الاغتصاب أو القتل على الهوية عند مفارق الطرق..
ثم أدركت أن حريتي المتحققة هي في الوقت ذاته حرية شبيهة بالموت ، فخلاصي من الجوع ومشكلة الملابس والقسر على ارتداء الحجاب وسقوط التابوات والنجاة من الأوبئة التي انتشرت بعد الحرب في المدينة ، وعدم رؤية القناصين والقتلة لي ،كل ذلك لا يخفف من وطأة عذابي بتحولي إلى وهم أو ظل من الظلال الهائمة في مدينة لايرى فيها سوى الرجال والقتلة،
ومع ذلك وجدتني أركض وأصطدم بالمسلحين وجنود المارينز فلا يطلق أحدهم الرصاص علي ولا يزجرني لأنني أسير بثياب نومي الشفافة القصيرة ، ولكن هل كنت ارتدي ثيابا حقا ؟؟ أم كنت أتمادى في التخيل وأراني أبرهن على حريتي بالخروج على كل الممنوعات؟؟
كنت في امحّائي أفكر أن النساء حققن أقصى حضور لهن بهذا الاختفاء الشامل ، بالرغم من أن الحياة غدت شبيهة بمعسكرات الأسر الذكورية، وهذا ما لم يتوقعه احد بعد هذه الحرب الطاحنة، وما سبق للبشرية أن مرت بمثل هذه المحنة المروعة التي تنذر بفنائها الوشيك ،فكيف سيتكاثر البشر بعد كل هذا؟؟ من أين سيأتي الصغار وتدوم الحياة بعد اندثار جنسهن في العدم ؟؟
أيقنت أن قدر الكائنات الأنثوية أن تحقق اختفاءها وتتلاشى وتجتاز خرافة العيش وسط المجزرة وتصدر حكمها الباتر على مصير الرجال الذين سيواصلون العيش كجنس وحيد موكل بالفتك وتدمير الحضارة ، يا للخلاص المدمر ، أن يبقى الذكور وحيدين في ساحة التقاتل محكومين بقدر العقم إلى الأبد ، أما نحن النساء فقد تحولنا إلى شعب من الملائكة الخفاف -بالرغم من أن الملائكة مخلوقات خنثوية لا جنس لها ولا رغبات لكننا احتفظنا برغباتنا – فلا مخاوف ولا مصائر فانية بل إندغام كامل في العدم الكوني ، هتفت في اضطرابي :
على الأرض الفناء وللنساء مسرات الغياب

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق