لماذا أصبح “الإصلاح الدينيّ” فريضة علمانيّة؟

تثير مقالة الصديق جاد الكريم الجباعي “[أوهام الإصلاح الدينيّ لدى العلمانيّين->http://www.alawan.org/%D8%A3%D9%88%D9%87%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B5%D9%84%D8%A7%D8%AD.html]” المنشورة في الأوان بتاريخ 9/6/2009 الكثير من التساؤلات حول قضيّة شغلت أذهان المثقّفين العرب، وعلى سبيل التأكيد؛ شغلت أذهانهم عن قضايا واستحقاقات هامّة، بحيث بات حلّ هذه الاستحقاقات رهناً بإشكال محوريّ هو الإصلاح الدينيّ. ربّما من هنا يبدأ الإشكال الأوّل، إذ تحوّلت قضيّة الإصلاح المزعوم، أو المرتجى، من استحقاق تاريخيّ يخصّ رجال الدين إلى استحقاق ثقافيّ عامّ، يحمل لواءه في الواقع مثقّفون غير متديّنين أو إسلاميّين بالمعنى الثقافيّ الواسع. مع ذلك لا يحيل التوصيف السابق إلى جوهر الإشكال الذي يتلخّص بالمفارقة التالية: لا ترى الغالبيّة الساحقة من المتديّنين ضرورة للإصلاح الدينيّ بالمعنى التاريخيّ، بل تنظر إلى الإسلام كجوهر أبديّ، وإذا كان من ضرورة وفق هذا التصوّر فهي مقاومة الانزياحات التاريخيّة والعودة إلى الجوهر النقيّ، في الوقت الذي تأتي فيه دعوات الإصلاح متخارجة ومتعارضة مع الواقع الذي تمثّله الأغلبيّة، وكأنّ بعض المثقّفين “العلمانيّين” من دعاة الإصلاح ينصّبون أنفسهم نخبة على جمهور لا يعترف بهم، ويرى في دعواتهم هرطقة، هذا إن أنصت إليهم أصلاً!.

ينطلق “علمانيّو الإصلاح الدينيّ” من عدّة مزاعم فكريّة لم تثبت وجاهتها رغم مرور قرن على دعوات أوائل الإصلاحيّين الإسلاميّين الذين كانوا رجال دين متنوّرين، وقد أحسن الصديق جاد تفنيد فكرة الإصلاح، والتي عنت أوربيّاً تفكيك مركزيّة الكنيسة من خلال الانقسام إلى مذاهب، وقد عنى هذا بدوره تفكيك السلطة السياسيّة القائمة الملتبسة بالدين. من هنا تبدو الفكرة الشائعة عن الإصلاح الدينيّ في أوربا ساذجةً لجهة تغاضيها عن صلب ما جرى، أي عمليّة انتزاع السلطة السياسيّة من الكنيسة، وقد انتهت هذه العمليّة كما نعلم بتنازل الأخيرة عن وصايتها على الحياة المدنيّة والاكتفاء بالوصاية الروحيّة على الأتباع الذين يقبلون بها مختارين. هكذا لم يكن مطلوباً من الدين التوافق الأيديولوجيّ مع حركة الحداثة، بل أن ينسحب الدين إلى آخر معاقله وهي الحياة الشخصيّة الخاصّة بكلّ فرد، وتدلّنا التحوّلات في الكنيسة الكاثوليكيّة وفيما استجدّ من مذاهب في عصر الحداثة على أنّ الدين لم يصبح أكثر علميّة، أو أقلّ إيماناً بالماورائيّات والأساطير والمعجزات، بقدر ما أصبحت السلطة الدينيّة أكثر إقراراً بالعلمانيّة كواقع تاريخيّ فُرض عليها. مع ذلك يخطئ علمانيّو الإصلاح الدينيّ إذ يعتقدون بإمكانيّة تكرار التجربة كما هي بعد عدّة قرون لأنّ الظروف العالميّة اختلفت جذريّاً، ولأنّ السلطة الإسلاميّة منقسمة منذ زمن بعيد، مع الأخذ بالحسبان الحكم غير المباشر لهذه السلطة، وأيضاً انتزاعها السلطة المباشرة أو الاقتراب من ذلك في أكثر من بلد إسلاميّ مؤخّراً.

يدخل البعض من علمانيّينا السجال مع الأصوليّين بعدّة منتقاة من الدين الإسلاميّ، وأغلب ما في هذه العدّة يرجع إلى المرحلة المكّيّة وقت كان الإسلام ضعيفاً غير قادر على فرض رؤيته بحدّ السيف، ومن نافل القول إنّ هذه العدّة التي عمادها التسامح وعدم الإكراه في الدين وما إلى ذلك لا تصمد أمام العدّة الفكريّة المقابلة التي تعود إلى “دولة الرسول” في المدينة، والتي تجبّ ما قبلها بالمعنى التاريخيّ الذي يقبل به هنا الأصوليّون، ولو بمفهوم النسخ، بينما يتجاهله العلمانيّون هذه المرّة!. لا يتجرّأ العلمانيّون في هذا السجال على مطالبة الإسلاميّين بشطب ذلك الجزء الذي يشكّل إرهاباً فكريّاً، وأقصى ما يصلون إليه الإضاءة على ما يرونه وجهاً ناصعاً للإسلام، أو حتّى قابلاً للتماشي مع معطيات الحداثة، فيصبح الخلاف مع الإسلاميّين حول ما هو الإسلام، وبالتأكيد لن يكون للعلمانيّين الكلمة الفصل في تحديد ماهيّته. الأسوأ من ذلك هو انزلاق هذه الشريحة إلى جدل فقهيّ خارج عن علمانيّتها المفترضة، إلا إذا استثنينا المحاولات الساذجة لتأصيل العلمانيّة إسلاميّاً أو اختراع علمانيّة ذات خصوصيّة إسلاميّة!.

لقد انطوت اتّهامات الإسلاميّين للعلمانيّين دائماً على تكفيرهم لا بالمعنى الدينيّ وحسب، وإنّما تكفيرهم بمفهوم الهويّة وتجريدهم من أصالتهم الاجتماعيّة، ولعلّ انزلاق العلمانيّين إلى “سرير واحد” مع الإسلاميّين يعبّر عن شعور بالذنب أو إقرار بافتقادهم “الشرعيّة الاجتماعيّة” قياساً إلى الغلبة العدديّة للإسلاميّين. “أستعير هنا تعبير السرير الواحد والتنازع على الغطاء من مقالة (الجدال مع الإسلاميّين: وقفة تأمّل) لرجاء بن سلامة المنشورة في الأوان بتاريخ 17/9/2007”. على هذا النحو يسقط العلمانيّون في فخّ اختزال الحضارة الإسلاميّة إلى نصوص دينيّة رسميّة، ويهملون الوعاء الرمزيّ الأوسع الذي يضمّ المنجزات الثقافيّة المتنوّعة، والذي يستطيعون الادّعاء بأحقّيتهم به على قدم المساواة مع الآخرين، وبهذا يمنحون للإسلاميّين “شرعيّة” الهيمنة على الفضاء الرمزيّ ككلّ، ويساهمون في تكريس الدمج بين الهويّة الثقافيّة، التي اختُزلت بدورها، والهويّة الحقوقيّة للفرد باعتباره إنساناً أوّلاً. هنا أيضاً يتناسى العلمانيّون وجود منظومة حقوقيّة معاصرة تعنى بحقوق الإنسان الفرد بصرف النظر عن انتمائه الدينيّ أو عدمه، ويتوخّون نقلة إسلاميّة غير منظورة تمنح المسلم هامشاً أوسع من الحقوق، والحال أنّ هذا السجال التفصيليّ ينحدر إلى مستوى اللهاث وراء فتات الحقوق، ويؤدّي إلى “خصومة فكريّة دنيا” بتعبير رجاء بن سلامة في مقالتها المشار إليها أعلاه.

أعتقد أنّه ليس من شأن العلمانيّين المجادلة حول جنس الملائكة، أو حول طقوس الوضوء، كما ليس من شأنهم المجادلة حول الحدّ المقبول إسلاميّاً من الحجاب. وقد تعمّدت ذكر قضيّة الحجاب لأنّ الجدال حول هذه القضيّة التفصيليّة كشف عن البلبلة الفكريّة لبعض العلمانيّين، سواء من خلال إثارة قضيّة الحجاب في فرنسا وتركيا أو إثارتها في الشارع العربيّ، ولعلّنا لا نزال نذكر حميّة بعضهم في الدفاع عن الحقّ في الحجاب في فرنسا وتركيا ما يضمر هذا الحقّ بالمطلق عربيّاً. وإذا أخذنا هذه القضيّة كقضيّة معياريّة فمن المدهش مثلاً حجم الكتابات العلمانيّة التي ذهب أصحابها إلى قراءة النصّ القرآنيّ وتأويل مفهوم الحشمة المقصود فيه، وهذه التأويلات لا تصمد برمّتها من الناحية الفعليّة أمام فتوى لشيخ ينكر دوران الأرض حول الشمس، وإلا كيف نفسّر التقدّم المطّرد لظاهرة الحجاب على الرغم من محاولات تأويله بغير ما يتجسّد واقعاً؟ لقد تنازل بعض العلمانيّين عن منطلقاتهم الفكريّة تحت وهم تحصيل جدوى اجتماعيّة، أو اكتساب مواقع في أرض الخصم!، في الوقت الذي كان من الأولى فيه طرح قضيّة الحجاب من الزاوية الحقوقيّة بمفهومها الكلّيّ، لا تجزيئها أو اختزالها إلى حريّة المرأة المسلمة في وضعه، لأنّ قضيّة الحريّة تستوجب الحريّة الفعليّة لكلّ امرأة في قرارها، ومن ثمّ ألا تؤدّي حريّة النساء، مهما كثر عددهنّ، في وضع الحجاب إلى الاعتداء على حريّة الأخريات في عدم ارتدائه، ولو أخذ هذا الاعتداء طابع الإرهاب الفكريّ غير المباشر، وطبعاً ألا يؤدّي الحجاب إلى الاعتداء على الحياة العامّة، على سبيل المثال؛ كيف لمنقَّبة أن تؤدّي وظيفتها في التدريس أو في الطبّ على نحو جيّد؟!. لنتذكّرْ هنا أنّ قضيّة الحجاب لا تنطلق عند أصحابها من قضيّة الحقّ بل الامتثال للتكليف، أما تحوّلها مؤخراً إلى ظاهرة فيتعلّق ببنائها كرمز ثقافيّ سياسيّ ينطوي على هيمنة الإسلام على الحياة العامّة.

قياساً على ما سبق، وعلى الكثير من القضايا التفصيليّة، فإنّ النزاع الحقيقيّ بين العلمانيّين والإسلاميّين هو بسبب تسلّط الإسلاميّين على الحياة الشخصيّة والعامّة، لا بسبب الخلاف على قضايا فقهيّة ثانويّة. ومن المفهوم أن يؤدّي المدّ الإسلاميّ المتعاظم إلى تراجع القوى العلمانيّة، وتهاونها الفكريّ إلى درجة المراهنة على التغيير من داخل القوى الإسلاميّة ذاتها وقد بتنا نرى منظّرين كثرا لهذه الأطروحة، لكن لا نتائج حتّى الآن تشي بالاتجاه إلى تغييرات راديكاليّة في الإسلام، وإذا شئنا المقارنة مع الغرب؛ لن تأتي هذه التغييرات بالمهادنة، بل بتوجيه ضربة قاصمة للإسلام تبقيه أسير دور العبادة، وهذا يتطلّب التخلّي عن مقولة “الإسلام دين ودنيا” التي سادت منذ “دولة الرسول” حتّى الآن. لا إصلاح في الدين متى تحوّل الدين إلى سياسة، لأنّ السلطة الدينيّة بطبيعتها سابقة على مفهوم الدولة ومنافية لها. قد تصلح قضيّة الإصلاح الدينيّ كتمرين فكريّ لبعض العلمانيّين، على ألا يتمّ الترويج لها كفريضة، وألا يقعوا تحت وهم “إنجازاتهم” كنخبة علمانيّة مقبولة إسلاميّاً.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق