لماذا أكثر الفقهاء من ذمِّ المرأة؟

{{-1-}}

انشغل الفقهاء على مدار العصور الإسلامية المختلفة، بالمرأة وشجونها، واستمروا بهذا الانشغال إلى الآن كما لم ينشغلوا بأيّ موضوع آخر مهم.ّ وقد ساعد على هذا، الدور السياسيّ الخطير الذي لعبته السيدة عائشة في معركة الجمل عام 656 م في حربها وحزبها مع الخليفة علي بن أبي طالب، وذهب ضحية هذه الحرب أكثر من ثلاثين ألف مسلم. وهي الواقعة التي ندمت عليها السيدة عائشة، وقالت بعدها نادمة: “وددت أنّي إذا متّ كنت نسيًا منسيًا”. وقيل إنّها عندما احتضرت جزعت فقيل لها: أتجزعين يا أمّ المؤمنين وابنة أبي بكر فقالت: “إنّ يوم الجمل لمعترض في حلقي ليتنى متّ قبله” (طبقات ابن سعد 5/123). ومنذ ذلك التاريخ ذمَّ الفقهاء على لسان الرسول عليه السلام المرأة ذماً شديداً، مُعرّضين نصوص الإسلام للتناقض الواضح والصريح.

{{-2-}}

فمن المعروف أنّ الإسلام قد أنصف المرأة نسبة لما كانت عليه قبل الإسلام. وربما يثير هذا القول حفيظة الذين يعتبرون أنّ جناية الإسلام على المرأة كانت عظيمة. ولكن هؤلاء هم من اعتبروا أنّ الآيات التشريعية وخاصة تلك التي تخصُّ المرأة آيات عابرة للقارات وللتاريخ. ولم يحاولوا قراءة هذه الآيات قراءة تاريخية من خلال كيمياء المجتمع العربيّ في الوقت الذي جاءت فيه هذه الآيات. أي قراءة هذه الآيات من خلال التاريخ وليس من فوق التاريخ كما يقول هاشم صالح. فما فعله الإسلام أنه قدم لنا شرائع اجتماعية تتماشى وروح ذلك العصر. ولم يكن في خيال وتصوّر وعلم الإسلام أن ترتقي المرأة إلى ما ارتقت إليه الآن. فمن الواضح أنّ الإسلام حاول أن لا يغضب العرب، طمعاً في انضمامهم إلى الإسلام وكسبهم إلى جانبه، وهو الذي كان أحوج ما يكون إليهم. كما حاول أن لا يغضب القيم الإنسانية في الوقت ذاته باعتباره ديناً إنسانياً، جاء لنصرة الإنسان ذكراً كان أم أنثى.

{{-3-}}

ولكنّ الفقهاء الذين انهمكوا في شؤون المرأة انهماكاً غير مسبوق، إلى درجة أنه جاء وقتٌ كالعصر الحديث لم يجد فيه الفقهاء من موضوع يشغلون به المسلمين غير المرأة، وحريتها، وحجابها، ونصابها، وحيضها، وصلاتها. ونسوا ما للرجل وحريته السياسية والاجتماعية والثقافية من حقوق وواجبات. وكما اخترع الفقهاء في العصر الأموي ّمثلاً الكثير من الأحاديث السياسية الموضوعة في وجوب إطاعة أولي الأمر، حتى ولو أصبحوا كفاراً، أو حتى لو جلدوا ظهور رعاياهم وسلبوا أموالهم، فإنهم كذلك اخترعوا ووضعوا أحاديث ملفّقة عن وجوب إساءة معاملة المرأة، واستطاع أعداء الإسلام فيما بعد، أن يتّخذوها سلاحاً ضدّ الإسلام، ويواجهون بها المسلمين كدليل على احتقار الإسلام للمرأة، ووضعها في المرتبة الدنيا من الرجل. وجاء هذا الكمّ الضخم من الأحاديث النبوية للحطِّ من قيمة المرأة، وكأنّ المرأة أصبحت عدوّ الإسلام الأكبر. وكأنّ الرسول لم يكن يشغله في هذا العالم غير المرأة وشجونها. وخُيّل إلينا أنّ الفقهاء بوضعهم هذا الكمّ الضخم والمتناقض من الأحاديث، إنما يسعون إلى تأنيث الإسلام، وتكريسه للحطّ من قيمة المرأة.

{{-4-}}

وكانت الطامة الكبرى أن جاء الفقهاء في العصر الحديث، ودون مراعاة لتغير وضع ودور المرأة في المجتمع العربي المعاصر عما كانت عليه قبل 1400 سنة، ورددوا الأحاديث ذاتها، دون أية مراعاة لتموضع المرأة الجديد في العالم، وفي العالم العربيّ كذلك. فالمرأة في العصر الحديث، وصلت إلى أعلى المراتب السياسية، حتى في الدول الإسلامية كرئيسة للوزراء، وإلى أعلى المراتب العلمية، كفوز شيرين عبادي المحامية الإيرانية بجائزة نوبل للسلام عام 2003، وإلى أعلى المراتب الثقافية مؤلفةً وباحثةً وأديبةً وشاعرةً وناقدة، ورغم هذه المكانة الإنسانية الرفيعة التي نالتها المرأة، فما زال الفقهاء يردّدون أحاديث تقول:

( لا يفعلن أحدكم أمراً حتى يستشير، فإن لم يجد من يشيره فليستشر امرأة ثم ليخالفها، فإنّ في خلافها البركة).

ثم هذه الأحاديث الأربعة الأخرى، التي تؤكد ذمَّ المرأة، وهو ذمٌ من الفقهاء، وليس من الإسلام:

( شاوروهن وخالفوهن)

(عوّدوا النساء ” لا “، فإنها ضعيفة، إن أطعتها أهلكتك )

( طاعة النساء ندامة)

( هلكت الرجال حين أطاعت النساء)، وغيرها من الأحاديث.

{{-5-}}

فلو اتفقنا ووافقنا على صحّة هذه الأحاديث، وأن الرسول الكريم قد قالها حقا – وفي هذا شك كبير- فهل يمكن أن تكون هذه الأحاديث عابرة للتاريخ؟

بمعنى أنها إن كانت صالحة لنساء القرن السابع الميلاديّ اللائي لم يتلقين تعليما يُذكر، وكانت نسبة الأمية بينهن تتجاوز ربما 99 ٪ ، ولم يحتللن مناصب سياسية واجتماعية وثقافية وتعليمية وتربوية ومصرفية، فهل هي صالحة لنساء القرن العشرين أو القرن الحادي والعشرين؟

وهل نضع نساء القرن السابع الميلادي مع نساء القرن العشرين والحادي والعشرين في كفّة واحدة، وهنَّ اللائي برزن الآن، في مجال السياسة، والتربية والتعليم، والعلوم، والقضاء، ومختلف المجالات الأخرى.

فهل نشاور هؤلاء النسوة ونخالفهن؟

وهل هلك الرجال حين أطاعوا هؤلاء النساء؟

بل هل هلك المسلمون عندما تولت الصحابية “السمراء بنت نهيك الأسدية” الحسبة (شؤون الأسواق التجارية) في مكة المكرمة، في عهد الرسول عليه السلام، والحسبة فرع من فروع القضاء، وكان لها صوت تُعنّف به الغشاشين؟

وهل هلك المسلمون في المدينة المنورة عندما تولّت الحسبة “شفاء بنت بني عدي” في عهد عمر بن الخطاب، وكانت ثاني امرأة في صدر الإسلام تتولى إدارة البلدية وشؤون الأسواق. وكانت حقوقها مطلقة على أهل السوق رجالاً ونساءً، تحلُّ الحلال وتحرّمُ الحرام، وتقيم العدل، وتمنع المخالفات، كما قال الشيخ محمد الغزالي (السُنَّة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث، ص48)؟

وهل هلكت بريطانيا عندما كانت تاتشر رئيسة للوزراء؟

وهل هلكت إسرائيل عندما كانت غولدا مائير رئيسة للوزراء؟

وهل هلكت أمريكا عندما أصبحت كوندليزا رايس وزيرة خارجية، وقبلها مادلين أولبرايت؟

وهل هلكت باكستان عندما أصبحت بنازير بوتو رئيسة للوزراء؟

والأمثلة كثيرة لا تحصى.

فهل ندمت الشعوب على طاعة هذه النساء كما قال الحديث المنسوب للرسول الكريم؟ فلماذا كل الاهتمام والانهماك في الحطِّ من قيمة المرأة وصب جام غضب الأحاديث النبوية عليها، وكأن الإسلام جاء خصيصاً لهذا الغرض؟!

{{-6-}}

يجب أن نذكر هنا حقيقة تاريخية ودينية، وهي أنّ الحديث قد جُمع بعد مضى ما لا يقل عن مائة وخمسين عاماً على وفاة الرسول. وأنّ سير معظم رواة الحديث لم تكن عطرة تماماً.

فسيرة أبي هريرة الدوسيّ، أحد رواة الحديث الكبار جداً، سيرة فيها الكثير من الطعون. فحين توفّي النبي، ولاّه الخليفة عمر عام 20 هـ على البحرين، بعد وفاة العلاء بن الحضرمي، وسرعان ما عزله، وولّى مكانه عثمان بن أبى العاص الثقفي. أما السبب في عزله، فكان عندما أجاب أبو هريرة الخليفة عمر، بأنه يملك عشرين ألفاً من بيت مال البحرين، حصل عليها من التجارة. وكان رد الخليفة عمر: “عدواً لله والإسلام، عدواً لله ولكتابه. سرقت مال الله، حين استعملتك على البحرين، وأنت بلا نعلين، تغوّطت بك أمك”، وضربه بالدُرّة حتى أدماه. (العقد الفريد: 1/53 ). وقد منع ابن الخطاب أبا هريرة من رواية الحديث النبويّ بقوله: “لتتركنّ الحديث أو لألحقنّك بأرض القرود أو بأرض دوس” (البداية والنهاية 8/206). ويؤكّد أبو هريرة ذلك فيقول: “ما كنت أستطيع أن أقول قال رسول الله، حتى قُبض عمر” أو : لو كنت أُحدّث في زمان عمر مثل ما أُحدّثكم لضربني بمخفقته.” ( أضواء على السُنَّة، ص 59).

وأما عبد الله بن عباس (حبر الأمة) وهو من كبار رواة الحديث أيضاً. فقد ولد قبل الهجرة بسنة أو سنتين. وعندما توفّي الرسول كان صبياً لم يتجاوز عمره أحد عشر عاماً، ومع ذلك فقد روى حوالي (1660) حديثاً، كما يؤكد ابن الجوزي، أثبتها البخاري ومسلم في صحيحيهما. ويأخذ المؤرّخون على ابن عباس صراعه الكلاميّ والفكريّ مع ابن عمّه الخليفة الراشديّ علي بن أبي طالب، الذي قال في ابن عباس: “يأكل حراماً ويشرب حراماً، ولم يؤدِّ أمانة ربّه”.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق