لماذا تحلم الشخصيّة الروائيّة؟ ومتى؟ وكيف؟

“إلى رجاء بن سلامة”

قبل مقاربة هذا الموضوع عربيّاً لا بدّ من التنويه بما قدّمه الأدب العالميّ لعلم النفس، فالكثير من الأدبيّات النفسيّة بنتْ تحليلات معمَّقة على حالات أدبيّة، لا على حالات سريريّة، وقد كان هذا مواتياً لسببين رئيسيين؛ فأوّلاً يتمتّع النصّ الأدبيّ بكثافة وانتشار يجعلانه أكثر قابليّة للنمذجة، وثانياً انفلات النصّ الأدبيّ من الهيمنة المطلقة للنمط الثقافيّ السائد ما جعل بعض النصوص أقرب إلى خطاب المقموع والمسكوت عنه، أو إلى تلمّس الفصامات التي يولّدها هذا النمط. أي أنّ النصّ الأدبيّ قابل لحمل ما هو سوسيولوجيّ والدلالة على النمط، وفي الوقت ذاته الدلالة على الشروخ السيكولوجيّة فيه. ما يمكن قوله إنّ بعض الأدباء، بخبرة نفسيّة غير منهجيّة، كانوا سبّاقين في استكشاف لاوعي الفرد، لكنّ هذه الأسبقيّة ستصبح موضع انحسار مع التطوّر المطّرد في علم النفس. بات من المنطقيّ أن يأخذ الأديب بحسبانه منجزات علم النفس عند دراسته شخصيّاته، وهذا لا يعني طبعاً أن يفصّل شخصيّاته على مقاس النظريّات النفسيّة، ولا يعني أيضاً استبعاد خبرة الأديب الخاصّة في استبطان النفس البشريّة.

في أحد جوانبه يُعدّ الحلم “الأدبيّ” خروجاً من أسر الرقابة التي يمثّلها الأنا الجمعي، فالشخصيّة الروائيّة لا تكتسب بعدها الدراميّ إلا من تعارضها مع الشرط الموضوعيّ. قد يكون من الشائع أكثر نقل الصراع بمعظمه إلى ساحة الوعي، خاصّة فيما يُسمّى رواية النموذج، أي تلك الرواية التي تقدّم لنا شخصيّات جمعيّة تمثّل مصالح فوق فرديّة، فلا تعود الشخصيّة معنيّة بفردانيّتها بل بمصالح الجماعة التي تنتمي إليها؛ في هذه الحالة من شأن الحلم أن يكشف عمّا هو فردانيّ، ويحرّر الشخصيّة من رقابة نموذجها ذاته، مع أنّ الصراع الذي يسفر عنه الحلم يبقى هامشيّاً بالقياس إلى الصراع الاجتماعيّ الذي تخوضه الشخصيّة نيابة عن جماعتها. أمّا الروايات التي تُكتب على محمل الشخصيّة، أي الروايات المضادّة للنموذج والمنحازة إلى الفردانيّة، فمن شأن الحلم فيها أن يصبح أكثر مركزيّة في تشكيل صورة الشخصيّة وإغنائها، وبالضبط أكثر فاعليّة في خلخلة انسجام الشخصيّة، أو تخليصها من الانسجام البرّاني الذي يستوجبه النمط.

إذن لم يكن من المصادفة ازدهار رواية الشخصيّة مع ولادة علم النفس وباقي الحركات الفكريّة التي تُعنى بحريّة الفرد، وإذا استثنينا الروايات التي بنيت أساساً على تيّار اللاوعي فإنّ القسمة التقليديّة بقيت قائمة؛ أحداث وأفكار تدور في عالم الوعي، وأحلام تفضح عالم اللاوعي، وأحياناً منولوجات تنوس بين الاثنين. لكنّ وظيفة الحلم تغيّرت، فحيثما صار متاحاً للشخصيّة أن تعبّر عن وعي مستقلّ وحرّ لم يعد همّ الحلم التعبير عن تطلّعات دفينة يستبعدها الأنا الجمعيّ. إن جزءاً هامّاً من وظيفة الحلم بات ينطلق من الافتراض التالي: بما أنّ الشخصيّة أصبحت أكثر وعياً بذاتها، وبما أنّه ليس من المحتمل أن تقوم الشخصيّة بخدش ذاتها وهي واعية، فهذا يستتبع أن يقوم الحلم بالمهمّة. على ذلك لم يعد معيار الشخصيّة هو ما تدّعيه من وعي وحسب، بل المطلوب فطنة أكبر تجعلنا ننتبه إلى زلاّت اللسان وإلى الأحلام إن كُتبت على نحو يجرّد الشخصيّة من تماسكها المعلَن. في هذه المرحلة بدأنا نقرأ أحلاماً تستبطن القيود التي تكبّل الشخصيّة بخلاف المُثل الحرّة التي تجهر بها، وكأنّ زوال القمع الخارجيّ المباشر سمح بتقصّي آثاره العميقة في النفس.

ينضمّ الحلم الأدبيّ، في مرحلة متقدّمة منه، إلى جملة عوامل أرست ما يُسمّى بديمقراطيّة الكتابة. الحلم نوع من رواية مغايرة تُضاف إلى الروايات الواعية للشخصيّات، وهو من الجانب التقنيّ أسلوبٌ في تعدّد الروايات ضمن الرواية الواحدة، أمّا من الجانب الجماليّ فإنّ رمزيّة الحلم وكثافته الشعوريّة تجعلان منه زمناً أكثرَ فنّيّة في الزمن الفنّيّ ذاته. ما يتضافر مع العوامل الفنّيّة السابقة أنّ الكاتب بات ينطلق من الشكّ في شخصيّاته، وإذا جاز التشبيه؛ يلعب الكاتب دور المحلِّل النفسيّ فيساعد شخصيّاته على الإفصاح عن مكنوناتها، ويسعفها أحياناً باللغة التي تشي دون أن تقول، ويستدرجها إلى الحلم عندما تستعصي عليه وهي واعية. أي أنّ ديمقراطيّة النصّ تجاوزت تعدّد الأصوات والرّؤى في النصّ الواحد إلى تعدّدها في الشخصيّة الواحدة، ولم يعد التأثّر بمنطوق الشخصيّة أو التسليم به معياراً للكتابة أو القراءة بعد أن أضحى هذا المنطوق محلّ شكّ سلفاً.

يأخذنا الحلم في الرواية العربيّة إلى إشكال متعدّد المستويات، بدءاً من كتابته إلى تلقّيه، هو بالأحرى إشكال ثقافيّ عامّ ينجم عن خبرة الكاتب والقارئ معاً. أوّل ما يلفت الانتباه في هذا الصدد غلبة الأحلام البسيطة، وأحياناً الأحلام التي تعيد صياغة الوعي أو إكماله على نحو رمزيّ، وما يحدث في الحالة الأخيرة هو الاستفادة من رمزيّة الحلم وإغفال منطق الحلم. على سبيل المثال قلّما نقرأ استفادة من آليّة الاستبدال المعهودة في الحلم، وغالباً تكون الشخصيّات الحُلميّة هي ذاتها التي تهجس بها الشخصيّة الحالمة في واقعها الواعي وبشبكة علاقات متوقّعة لأنّها تأتي استكمالاً لمنطق السرد لا منطق الحلم. لنتذكّر أيضاً أنّ الحلم بطبيعته ماكر مراوغ، وأنّ من بين تفاصيله هناك تفصيل قد يبدو هامشيّاً للوهلة الأولى، لكنّه هو الذي ينطوي على الشيفرة الأهمّ التي يحملها الحلم؛ إنّ كتابة الحلم بهذا المعنى تقتضي إدراكاً بضرورة وجود الشيفرة مخبّأةً عن الشخصيّة، وقابلة للكشف من قبل القارئ.

أميل إلى الاعتقاد بأنّ حجماً كبيراً من كتابة الأحلام في الرواية العربيّة هي كتابة تمثيليّة رمزيّة، وهذا أمر لا يخلو من الدلالة الثقافيّة أو الاجتماعيّة. فعلى صعيد الكتّاب نجد نسبة من الأدباء الذين يقصرون اهتمامهم على الأدب فقط، وتبقى نصوصهم بمنأى عن التطوّرات الثقافيّة في حقول معرفيّة أخرى كعلم النفس. هذا التضييق يحرم النصّ الأدبيّ من الاستعانة بمعارف ضروريّة أحياناً، وبالتالي يبعده عن الالتقاء بمنطق ثقافيّ مختلف وعن الفرصة الإبداعيّة التي يولّدها الاصطدام بينهما. كأنّ كتابة الحلم في هذه الحالة تتحوّل من حجّة على الشخصيّة إلى حجّة على الكاتب، وإذا استبعدنا نقص الخبرة الثقافيّة تدلّنا الكتابة الرمزيّة الواعية على مقدار القمع الذي يعانيه الكتّاب، ومن ثم يتجلّى في كتابة شخصيّات لا تتحلّى بالرحابة الكافية لتحلم حقّاً. من ناحية أخرى سادت رواية النموذج لفترة طويلة عربيّاً، فخلقت أنماطاً من الشخصيّات، وحتّى أنماطاً من الكتّاب والقرّاء، يصعب التزحزح عنها بسهولة لصالح الرواية التي تعنى بالفرد. المشكلة في هذه الأنماط أنّها ظلّت طويلاً تتوالد من ذاتها، وتزداد تماسكاً، بينما الواقع يتشظّى باطّراد، وكأنّها تسعى إلى قسر الواقع على نمط من الوعي بدلاً من المساعدة على خلخلته.

بالتأكيد لا تعني “المآخذ” السابقة خلوّ الرواية العربيّة من أحلام مكتوبة بحرفيّة عالية، ولا شكّ أنّ هذه المقاربة البسيطة غير كافية للإحاطة بمختلف حالات كتابة الحلم، ولكي لا نضع الكرة في مرمى الكتّاب فقط فكتابة الحلم بمنطقه تقود إلى إشكاليّة عربيّة أخرى؛ ما هي نسبة القرّاء القادرين على قراءة الحلم؟ وهل ينبغي على الكتّاب المغامرة بالتواصل مع شريحة من قرّائهم انحيازاً للنصّ؟ ثمّ ألسنا نشهد انحساراً متواصلاً للاهتمام العربيّ بعلم النفس وبماذا نعلّل ذلك؟ أعتقد أنّ السؤال الأخير بمفرده يستحقّ تقليباً مستقلاً.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق