لماذا تراجعنا وتقدم غيرنا؟ (4)

لماذا تراجعنا ونحن نمتلك ثروة بشرية فتية (قوامها 330 مليون عربي 60 في المئة منهم بين 15 و35 سنة) وموارد طبيعية تبدأ من 14 مليون كم مربع مساحة متصلة في موقع عبقري لا تحدها وعورة ولا يعوقها انفصال، ترقد في حضن طبيعة آمنة يظللها مناخ معتدل، تختزن نحو 60 في المئة من احتياطي النفط العالمي ونحو 30 في المئة من احتياطي الغاز وانتهاء بتراكم للثروة النقدية يبلغ احد مؤشراته فقط أكثر من تريليون دولار هي جملة الاستثمارات العربية خارج بلدانها؟ لماذا تراجعنا ونحن نمتلك تراثاً دينياً يقدم رؤية وسطية فريدة لمغزى الوجود الانساني على الارض بقدر ما يعلي من قيم السعي والانجاز والعمران؟

إذا كانت هذه هي امكانياتنا ومواردنا فإن ذلك لا يحتمل الا تفسيراً واحداً هو أن «الثقافة العربية» مسؤولة عن هذا التراجع ان لم يكن الاخفاق الذي نعيشه منذ قرون طويلة. مشكلتنا إذن تبدأ من الثقافة العربية التي عجزت عن توظيف كل هذه القدرات والموارد والقيم الى حالة من النهضة والتقدم. الثقافة العربية وليس أبداً غيرها هي من يوجه اليها الاتهام لأن ثقافة الشعوب والأمم هي المسؤولة عن صياغة الأفكار والتصورات ثم هي المسؤولة عن توجيه السلوك الانساني في ضوء هذه الافكار والتصورات.. هكذا تتحمل الثقافة العربية تبعة اخفاقنا الحضاري على صعيد الفكر كما على صعيد السلوك.. وفي الحالتين فإن الشواهد عديدة وحاضرة لكنها تبقى بطبيعة الحال واردة على سبيل المثال لا الحصر.

فعلى صعيد الفكر علينا أن نتساءل لماذا تميل الثقافة العربية أولاً الى الاطلاق واليقين بأكثر مما تعترف بنسبية الحقائق والموجودات؟ ولماذا تستغرقها ثانياً النتائج على حساب التعمق في الاسباب؟ ولماذا تبدو ثالثاً شديدة الحماسة والانحياز للحقائق البسيطة ولا تطيق معاناة اكتشاف الحقائق المركبة؟

ولو بدأنا بالتساؤل الاول لاكتشفنا أن الثقافة العربية «مطلقة» و«يقينية» تنزع الى التأكيد والاحادية على حساب النسبية والتنوع.. انظروا الى اللغة التي نكتب بها (واللغة مرآة عاكسة لثقافة الناطقين بها) سنكتشف أننا قلما نستخدم مفردات مثل ربما، أو لعل، أو يبدو، أو أظن بينما تزخر بها كتابات الآخرين فلا تكاد تبدأ فقرة دون استخدام إحدى هذه الكلمات. ومن الطريف والمدهش أن نلاحظ أن فعل الشك او الترجي في اللغة الفرنسية le subjonctif (وهو صيغة نحوية تقوم على ترجيح حدوث الشيء لا القطع به) يبدو مزعجاً وربما صعباً لمن يتعلمه من العرب!! لأننا ببساطة لم نتعود عليه منذ الصغر. فصيغنا اللغوية يقينية ومطلقة تفيض بالحماسة والاحتكار مثل عبارة «لا يختلف اثنان»!! وهي عبارة لا وجود لها في الانكليزية أو الفرنسية.

ويبدو أن هذه الظاهرة الثقافية قد انعكست بشكل سلبي على العديد من المجالات في حياتنا. فلم يكن مستغرباً ونحن أبناء ثقافتنا أن تتلون أفكارنا ومناهج تحليلنا ومواقفنا الفكرية والسياسية بهذه الرؤية القاطعة الأحادية اليقينية. وكانت النتيجة ان تضاءلت قدرتنا على تحمل الاختلاف وادارته وسرعان ما كان يتحول الى خلاف. وبدلاً من أن ندير «اختلافنا» بوسائل الحوار المعروفة أصبحنا نحسم «خلافنا» بأدوات أخرى باترة وقاطعة ونافية! وهو أمر متوقع. فمن يقُل «لا يختلف اثنان» تصعب عليه إدارة اختلاف مع شخص غيره! وكان من الطبيعي أن يؤدي هذا الشعور الفردي بامتلاك الحقيقة واليقين من جانب كل شخص على حدة الى تنامي ظواهر التعصب والعنف بقدر تراجع وتضاؤل قيم التسامح وقبول الآخر.. وكلها انعكاسات سلبية على حالة الحوار في المجتمع.

كما انعكست ظاهرة الاطلاق واليقين في العقل العربي على ثقافة التساؤل بحيث أصبحنا نسرع بتقديم الاجابات بأكثر مما نطرح من تساؤلات. ويبدو أن التساؤل في حد ذاته لم يعد قيمة جديرة بالاحتفاء في العقل العربي، إما لأننا نعتقد أن التساؤل أمر مثير للشكوك والظنون، وهي هموم غير مرحب بها في العقل العربي.. وإما لأننا نتصورأن الشخص الكثير التساؤل أكثر إزعاجاً وأقل تمكناً من ذلك الذي لا يكف عن تقديم الاجابات والحلول! وحتى على صعيد التساؤل ذاته يبدو من العيب لدى البعض ان يقول «لا أعرف»! وهي جملة نسمعها كثيراً لدى الناطقين بلغات أخرى! نصطنع أحياناً معرفة الاجابة معتقدين أنه مما ينقص من قدرنا الجهل بمعرفة أمر ما !!

وقد أربكت هذه السمات الذهنية للثقافة العربية حركة البحث في علوم الطبيعة، وأعاقت انطلاق المجتمع في العديد من المجالات. فالثقافة التي تتوجس من الشك والتأمل والحيرة وهي محركات الابداع الانساني إنما تحرم نفسها من فرص هائلة للإنجاز.

ولربما يرى البعض أن لغتنا اليقينية ومواقفنا القاطعة وآراءنا المطلقة هي انعكاس لثقافتنا الدينية بما فيها من ثوابت الايمان والوحدانية. وهو اعتقاد يحتاج الى قدر من التصحيح والتدقيق. فثقافتنا الدينية في تأويلها الصحيح تفرق بين دوائر عدة لكل منها منهجه.. فالإيمان بالله، والبعث، والجزاء، مفاهيم مطلقة ويقينية تتجاوز غرور العقل الانساني مهما بدا واثقاً مزهواً بألعاب المنطق الرياضي.. ومهما اعتقد في شطط وضعف أن معجزة الخلق الانساني يمكن أن تصبح بديلاً لإعجاز الخالق (فكل معجزة يصنعها إعجاز). أما شؤون الحياة من صناعة وزراعة وتكنولوجيا وفكر وسياسة وكافة مجالات النشاط الانساني فنحن فيها «أدرى بشؤون دنيانا». ولن تتحقق هذه «الدراية» بشؤون دنيانا من دون اختلاف، ونسبية، وخطأ وصواب، وتجارب تاريخية قابلة دائماً للمراجعة والنقد والتصحيح.

لا داعي إذن لأن نقحم العقيدة الدينية في المسألة لأن الامر يتعلق بعقل عربي ما زال عبر القرون الطويلة أسيراً لثقافته الاجتماعية، وملامحه النفسية، وعاداته وتقاليده، بل وبيئته الطبيعية. ولو كان الامر يتعلق حقاً باعتقاد ديني معين فماذا عن ملايين وملايين ممن ينتسبون لهذا الاعتقاد الديني وهم مسجلون اليوم في قوائم الانجاز والنجاح والتقدم في ماليزيا مثلاً أو تركيا، وحتى علي صعيد الافراد من خلال ملايين أخرى من النماذج الناجحة للمسلمين المقيمين في العالم الغربي. أما الفقه الاسلامي فقد كان في عصوره المبكرة مثالاً حياً للتنوع والاختلاف واحترام الاجتهاد الآخر. حتى وصل الامر الى حد اعتبار الاختلاف في الرأي مرادفاً للرحمة في فهم عميق لحكمة التنوع! وما زالت عبارة الامام مالك الشهيرة تتردد أصداؤها حتى اليوم: رأيي خطأ يحتمل الصواب ورأي غيري صواب يحتمل الخطأ. ولم يكن هذا الثراء الفريد الفريد الذي بلغه الفقه الاسلامي الا بسبب حرية الاجتهاد التي هي المرادف العصري لحرية الرأي المؤسس والموثق. ثم كان ابن رشد وابن خلدون والغزالي وغيرهم نماذج أخــرى لفكر إسلامي يؤمن بقيم التنوع والنسبية والمراجعة.

المشكلة إذن ليست لصيقة بفكر ديني ما بل هي سمة ثقافة عربية وجدت قبل هذا الفكر وبعده.. وهل كانت عادة الأخذ بالثأر أو وأد البنات أو حتى عادة ختان الاناث عادات إسلامية ؟! علي أي حال لقد كان إغلاق باب الاجتهاد في التاريخ الاسلامي نذير شؤم ومؤشر تراجع وبداية لعصر طال من الجمود والسأم والتكرار. وحين أفقنا بينما أمواج العولمة الهادرة تتلاطم على شواطئنا كانت الهوة تتسع! والأطماع تتزايد! والاسئلة المقلقة تطاردنا ليل نهار! ولا حل الا بفقه الاستنهاض وفكر المراجعة.. فإلى مزيد منهما!

نشرت في السفير، 3/3/2008

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق