لماذا تستعصي الأزمات العربية على الحل؟!

شاهدتُ امرأة تمسك بيد طفل يرافقها وهي تسير باضطراب متلفتة وراءها. تركت المرأة الطفل بجانب عربتي. كان هذا آخر ما رأيت. بعد ثوانٍ حدث الانفجار الذي قذفني أمتاراً بعيداً عن العربة». يضيف محمد قاسم (35 سنة) البائع العراقي في سوق الحيوانات الأليفة ببغداد: «تعرفت على المرأة بعد ذلك عندما رأيت رأسها (المفصول عن جسدها)، لكن الطفل كان قد اختفى. أردت أن أعرف ما حدث له. لا أستطيع أن أنسى البراءة في عينيه».

مَنْ منا لا يتأثر وهو يسمع شهادة هذا الإنسان العراقي البسيط؟ الشهادة تدمغ وتدين همجية «القاعدة» في العراق والتنظيمات «الجهادية» حيثما وجدت. الإسلام كما يثبت اسمُهُ هو السلام. هو سكينة النفس والروح. في الإسلام إنسانية سمحاء لا تعرفها هذه التنظيمات ذات القلب الفظ. حولت الإسلام إلى مظلة تحجب القسوة في النفس، والوحشية في الروح، واللاإنسانية في التعامل مع الناس العاديين في جهادهم اليومي من أجل الخبز في العراق والجزائر وأفغانستان… أي تنظيم ديني هذا الذي يدّعي أنه يقاتل الاحتلال الأجنبي بقتل المواطنين الطيبين الفقراء؟! أي دين «جهادي» هذا الذي يسفك دماء المسلمين؟ امتزجت في السوق دماء السنة والشيعة معا. وحد بينهم الموت، ولم توحد بينهم الحياة.

في أي فقه دين يسوق «الجهاديون» الأطفال والنساء المعوَّقات، من دون أن يعوا، إلى حتفهم بتفجيرهم عن بعد؟ قصَّ النبي الكريم رقعة من ثوبه الفضفاض رقدت عليه حمامة لا يريد أن يزعجها. تسمَّى أحد كبار الرواة عن النبي بـ «أبو هريرة». كان الصحابي الإنسان يحنو على قطة يحملها في غدوِّه ورواحه. إذا كنا لا نرأف بالناس العاديين، فمن البديهي أن نستخف بحياة حيوان أليف. المشهد العراقي الدامي يعبر عن جملة سلبيات اجتماعية، المجتمع العربي بات مريضا بتعب المادّة. بتهافت النسيج. لم يعد الصراع فحسب بين الأنظمة العربية. انتقل الصراع إلى التفتيت المخيف للبنية العضوية للمجتمع. لأول مرة يحدث تباين في المواقف والرؤى السياسية بين المجتمعين السوري واللبناني. القوى المشتبكة هنا وهناك تدمر بالإعلام والتصريحات والنزعات الجهوية والمحلية الألفة التاريخية بين مجتمعين شقيقين.

أدى تعب المادة والنسيج إلى تغليب عوامل الحَتِّ والتمزيق على عوامل التوحيد والتجميع. لم تعد هناك غيرة على وحدة المصير والانتماء. لم يعد هناك حافز للانتصار على الخلاف. من هنا باتت الأزمات العربية أكثر استعصاء على الحل. لا نهاية للصراع بين السنة والشيعة والأكراد في العراق. لا تسوية للصراع السياسي والطائفي والإقليمي في لبنان. لا اتفاق يجمع بين سلطة فتح وسلطة حماس في السيطرة على ما تبقّى من فلسطين!

مع انهيار وتلاشي ما يوحد، صعدت إلى السطح قوى وآيديولوجيات تمزق وتشتت. زعامات ترفع شعارات عن وحدات خيالية بين شعوب تدين بدين واحد. مع الأسف، أثبتت التجربة التاريخية أن الدين لم يكن قادرا على حل الأزمات. على التغلب على حواجز الانتماء للغات وثقافات وأعراق مختلفة. الدين في باكستان وأفغانستان لم يوحد الأعراق المتناحرة. الدين لم يوحد تاريخيا بين الفرس والعرب والأكراد والأتراك. لم يتمكن الدين من صهر هذه الأقوام في بوتقة واحدة. كان العرب ضحية هذا العجز! حافظت هذه الأقوام على هويتها العرقية، فيما تدخلت واحتلت العرب مئات السنين بذريعة الانتماء الديني الواحد.

أخفقت السياسات التربوية المختلفة في تربية أجيال عربية على وحدة الانتماء والمصير. ظلت الخصائص المحلية والبيئية أقوى. مثالية الكتاب المدرسي تصطدم بالواقع الحياتي. أنتجت الأنظمة أجيالا متعصبة لانتماء ديني محافظ، أو أجيالا لاهية. أجيالا بلا غيرة على الانتماء ووحدة المصير. أجيالا منصرفة عن تشكيل رأي عام يضغط لحل الأزمات.

ساد إعلام يُعنى بالحركة اليومية للسياسة. إعلام لا يحفل بتقديم تحليل واقعي وعميق للقضايا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية المضغوطة تحت سطح السلطة الفولاذي. لا نعرف من الإعلام شيئا متكاملا عن الخريطة السياسية الملتهبة في اليمن الذي كان يوما «سعيدا». لا نعرف لماذا لا يستطيع بوتفليقة اقناع المؤسسة العسكرية الجزائرية بحل قضية الصحراء المغربية التي شلت وحدة المغرب منذ 33 سنة. ليست هناك دراسات صحافية وأكاديمية عن الأسباب العميقة لرغبة الجزائر في حرمان المغرب من صحرائه التي كانت يوما معبرا مغربيا للعروبة وللغة وللإسلام الى قلب أفريقيا.

ازدادت الأزمات تعقيدا بإخفاق الأنظمة المختلفة والتنظيمات المتصارعة في منع التدخل الإقليمي والأجنبي الذي يمزق العرب. بل راحت أنظمة وتنظيمات تستدعي هذا التدخل. سورية في تبعيتها لإيران مثال. «حزب الله» في تبنيه مصالح إيران يُشقي لبنان. يجعل أزمته مستعصية على الحل العربي.

سؤال متكرر بلا نهاية: لماذا تستعصي الأزمات العربية على الحل؟ العامل الثقافي يلعب دورا سلبيا. نشأت ثقافات مضادة لوحدة الانتماء والمصير. في المغرب العربي، محاولات لتعطيل تعريب الجزائر. اتجاهات للكتابة باللهجات المحلية في المغرب ولبنان ومصر. تراجع الجهل بالأكاديميين عن الاستعانة بعبقرية الاشتقاق للعودة إلى جعل العربية لغة العلم والطب. تسعون بالمائة من الشركات باتت تحمل أسماء أجنبية. مذيعون فطاحل لا يستطيعون التمييز بين الفاعل والمفعول به في الجملة.

السياسة ليست وحدها التي تعقّد الأزمات أو تحلّها. إذا استمر ضرب لغة الأمة والثقافة، فستنشأ لغات وثقافات أضيق خلال عقود قليلة. إذا تكلم العرب لغة الصحافة المبسِّطة للفصحى يصبح التفاهم ممكنا بين العرب الموزعين على وطن مشترك مساحة رقعته اثنا عشر مليون كيلومتر مربع.

كالفطر في الصحراء، تنبت عشرات المؤتمرات والندوات والمنظمات الثقافية الدينية. يجري تلقين العامة وأشباه المتعلمين والمثقفين ثقافة ماضوية أحادية، ثقافة غير قادرة على التكيف مع حاجات وثقافات عصر معقد متنوع. النظام العربي مدعو الى تبني وتنمية عقد لقاءات ومؤتمرات ومنظمات للمثقفين والأكاديميين والباحثين. المثقفون عصب الحياة في الأمة. غيبة المثقفين عن الأحزاب السياسية أدت إلى جمودها. الأحزاب والتنظيمات الدينية و«الجهادية» لا تضم مثقفين ومفكرين وأدباء. نشأت حوارات كثيفة بين مثقفي فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية. أثرى الحوار اللاهب قيم الحرية والديمقراطية في المجتمع. فضح تزمت الشيوعية السوفيتية. ساهم مع مثقفي أوروبا في تهيئة المناخ لقيام الوحدة الأوروبية.

طغت ثقافة مكافحة الإرهاب. نريد أيضا لقاءات بين وزراء التربية والثقافة والإعلام. لقاءات تضع مناهج تربوية وثقافية ولغوية واحدة. لقاءات تتمخض عن نشوء مراكز بحوث ودراسات سياسية واجتماعية. الهدف إثارة اهتمام الأجيال الجديدة بالقراءة. بقضايا الاجتماع والسياسة والتاريخ. كل ذلك يساعد على استعادة وحدة الانتماء، والاهتمام الشعبي الواسع والضاغط لحل الأزمات المستعصية.

لعل الثقافة تأخذ نصيبا من اهتمام قمة الحلول المستعصية، إذا عقدت في الشهر المقبل. الثقافة سمو بالنفس الإنسانية نحو تشكيل رؤى وقيم أنبل من كل آيديولوجيات السياسة، بما فيها آيديولوجيا الموت والانتحار. قمة من أجل صبي عربي فجّره «جهاديون» بلا قلب. بحزام امرأة مسكينة مُعَاقة. صبي كان يجب ألا يموت. كان يجب أن ينال حقه في حياة عربية أفضل.

في الشرق الأوسط في 5/2/2008

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق