لماذا يتشابه الدين والسياسة إلى هذا الحدّ…

من الممالك القديمة المقدّسة.. إلى الشيوعية، ومن الدين المدني الأمريكي.. إلى الإسلاموية، السياسية والدين يتحوّلان دائما في التاريخ أحدهما إلى شكل الآخر وذلك، بدون شك، لأنّ طبيعتهما هي طبيعة واحدة…

يفترض التفكير بالعلاقة بين الدين والسياسة أن نسلك منهجا إجباريا – في بلاد الغرب على الأقل – مأتاه “خيبة أمل أو زوال سحر العالم”. هذه العبارة مستمدّة من لدن ماكس فيبير(1)، وهي تربط أفول الدينيّ بتحديث المجتمعات وعقلنة الأنشطة الإنسانية. الحداثة، كما يراها م.فيبير، هي توقـُّع الأفول الحتمي للديني. فالعلوم سوف تعوِّض المعتقدات والطبّ سوف يأخذ مكان الصلاة والعبادة، والتقنية ستلغي السحر، والسياسة سوف تحلّ محلّ الدين. ونتيجة لذلك فإنّ الألوهيات والقيم العليا التي كانت تبرّر النظم الاجتماعية سوف تمّحي لتترك المجال لعالم بلا آلهة، عالم مجبر على إيجاد أسباب (وجوده) في صميم ذاته. لقد ركب عديد علماء الاجتماع موجة هذه الأطروحة التي تقول إنّ موت الآلهة يؤدّي إلى أزمة أخلاق (حيث يصبح كلّ شيء مباحا) وإلى فراغ ميتافيزيقي (على أي شيء نؤسّس القوانين، إذا ما افتقدنا للسموّ والتعالي).

إنّ عبارة “خيبة أمل العالم” «le désenchantement du monde » هو عنوان كتاب، أصبح اليوم متداولا، للفيلسوف “مارسال غوشي” (2) أطروحته الرئيسية تتمثل في أن الدين المسيحي، بفصله ما بين الزمني والروحي، أي ما بين حكم الناس وحكم النفوس، قد فتح الطريق للأفول النهائي للديني. فللكنيسة السعادة الأبدية، وللسياسة إدارة الأمور الدنيوية. غير أن المسيحية، بجعلها الدين مسألة خصوصية بحتة، قد عجّلت – بالتالي – باندثار الديني. من هنا تأتي تلك المقولة الشهيرة “المسيحية هي دين الخروج من الأديان”.

غالبا ما حظيت هذه الأطروحة بالذكر وفي بعض الأحيان بالنقد. بادئ ذي بدء، تراجع عدد من علماء الاجتماع عن إثبات مقولة علمنة المجتمعات الحديثة بصورة تدريجية (3). وفي ما يتعلق بالفصل بين الديني والسياسي، لاحظ “بول فيين”(4) أنّ هذا الأمر هو بعيد عن أن يكون من صنع المسيحية. فاليونانيون القدامى لم يكونوا يعتقدون أن الآلهة تهتم بشؤون المدينة. والرومان لم يكونوا يريدون الخلط بين ” الشيء العمومي”- أي الدولة أو الجمهورية- وبين المقدّس. وكانت لديهم ذكريات سيّئة عن السلطنات المقدسة في العصور السالفة. ثم إن الفصل المبدئي بين الديني والسياسي قد اصطدم أيضا بمعاينة أخرى تاريخية. فخلال القرن العشرين، غالبا ما أخذت السياسة مظاهر دينية. أوّلا على شكل ما سماه “ريمون أرون” بمعية ” جول مانورو”، “الأديان العلمانية أو الدنيوية”(5). ما نعني بهذه الأديان؟ نعني بها الأنظمة الكليانية، الفاشية والشيوعية، لأنها اتخذت شكل المعتقد الخلاصي و”المنقذ الجماعي الأعلى”. وهي تشبه، في شعاراتها واستعراضاتها، كل ما في الكنائس من طقوس. وقد عنوَن المؤرخ الإيطالي “إيميليو سانتيل”، سنة 2002 ، أحد كتبه ” الدين الفاشي”(6) ليعني بذلك نظام موسوليني. ألم يكن هذا النظام، بأساطيره ومغزى رموزه وقداديسه الاحتفالية الكبرى و”لاهوته” مشابها للدين، ممثلا برسله ومؤمنيه ومضطهديه وحتى جماليته؟ أما العلاقات المتينة بين الشيوعية والدين، فكارل ماركس وفريديريك أنجلس نفسهما، رغم مناهضتهما للدين، قد أدركا وجه الشبه القائم بين الشيوعية وأصول المسيحية الثورية.

{{الإله أمريكي}}

غير أن الأديان الدنيوية لا تقتصر، ربما، على الأشكال السياسية الجذرية. فـ”ألكسي توكفيل” في زمانه، رأى على سبيل المثال في “الدين المدني” في الولايات المتحدة الأمريكية، الدور الذي يلعبه الدين (التقليدي) في وحدة الشعب الأمريكي. وفي الستينات قام عالم الاجتماع “روبار بلاه” بمراجعة لعبارة الدين المدني: بالنسبة إليه، يقدّس الشعب الأمريكي ذاته الجماعية كأمة موحدة حول قيم مشتركة(7). فإعلان الاستقلال الوطني هو نص مقدّس، يقع فيه تمجيد “الآباء المؤسسين”، وتقديس العَلم المفدى والتغني بـ “الحلم الأمريكي”. ومنذ ذلك التاريخ، تم تحليل العلاقات بين الدين والسياسة على نحو كثيف(8).

وكان “إميل دوركايم” غير بعيد عن التفكير بأن الأمة الفرنسية – في شكلها اللائيكي والوطني – اكتست أيضا مظاهر دينية. فالوطن أخلاق، وعَلم. وفي ختام مؤلفه “الأشكال الابتدائية للحياة الدينية” (1914) Formes élémentaires de la vie religieuse الذي خصصه لطوطمية “البدائيين الاستراليين” لم يتوانَ عن إيجاد رابط مع المُثل الوطنية والتظاهرات السياسية الكبرى لعصره ، التي تعبّئ الجموع حول رموز وشارات وطنية.

فإذا ما أقصي الدين (من الحياة الاجتماعية)، فإنه يملك تلك النزعة المؤسفة التي تجعله يعود للظهور عبر أشكال جديدة. غير أنه بإمكاننا أن نعكس هذا التحليل. يمكن أن تكون السياسة هي التي تتستر وراء الدين. وقد كان هذا بيّنا بالنسبة للتيوقراطيات العتيقة (مثل فراعنة مصر، أبناء الآلهة) أو السلطنات المقدسة بإفريقيا حيث يمتزج الديني بالسياسي (بوضوح). أما بالنسبة لليهودية التقليدية فإن كتابها المقدس هو الذي يحدد قانون (التوراة) ويفرض الحق والعدل في الحياة الدنيا. فالدين، أيضا، مجموعة من قواعد أخلاقية ومن اصطلاحات وسلوكات تحدد للناس كيفية عيشهم في مجتمع.

غير أن هذا الربط بين الدين والسياسة قد نُشـّط من جديد – تحت أشكال متجذرة – مع الإسلام السياسي. لنذكر أن عددا من البلدان الإسلامية، ذات الأغلبية السنية، أقامت منذ فترة طويلة أنظمة لائكية بدرجات متفاوتة، فاصلة، بدرجات متفاوتة كذلك، ما بين الشؤون الدينية والشؤون السياسية (تركيا، العراق، تونس، مصر، الخ). غير أن الأصولية الإسلامية قد حوّلت رسالة الإسلام إلى خطاب سياسي متجذر، يحتل فيه اللاهوت مكانا ضيّقا. إذ أصبح الهدف هو النضال ضد عالم يعتبر شيطانيا من أجل تحقيق ثورة إسلامية كونية(9). وحول هذه النقطة، تشبه الأصولية الإسلامية كليا خطابات الثوريين الماركسيين زمن السبعينات. وفي العديد من البلدان الإسلامية أخذت الإسلاموية مكان القومية العربية ومكان الاشتراكية كخطاب تحرري.

{{هل يخوض الديني والإيديولوجي نفس المعركة؟}}

بالنسبة للمؤرخ “دانيال دوبويصون”(10)، إذا ما تشابهت الأديان والإيديولوجيات السياسية إلى هذا الحد، فذلك لأنها تجسِّم التعبير على “التكوّن الاستدلالي”، أي الإطار الذهني الذي يحتاجه البشر من أجل إعطاء معنى لوجودهم وضبط قواعد لحياتهم وتأطير ممارستهم. لذاك السبب، فإن المقدّس يندرج دائما ضمن السياسي. فإذا ما كانت السياسة تنزع للتحول إلى ديني (و العكس صحيح)، فلغرض أن طبيعة الاثنين واحدة.

{{الهوامش:}}

M. Weber, Le savant et le Politique, 1919, rééd. 10/18, 2006 -.1

M. Gauchet, Le Désenchantement du monde. Une histoire politique du monde,- 2 Gallimard, 2002.

P. M. Berger (dir), Le Réenchantement du monde, Bayard, 2001 -3

P. Veyne, Quand notre monde est devenu chrétien (312-394), Albin Michel, 2007- 4

J. Monnerot, Sociologie du communisme, -5

t. III, Les Religions séculières et « l’imperium mundi », 1949, rééd. Le Trident, 2008, et A. Piette, Les Religiosités séculières, Puf, coll. « Que sais-je? », 1993, qui étend la notion au sport ou à la musique.

E. Gentile, La Religion fasciste, Perrin, 2002 -6

R.N. Bellah, « Civil Religion in America », -7

Journal of the American Academy of Arts and Sciences, vol. XCVI, n° 1, hiver 1967.

J.-F. Colosimo, Dieu est américain. De la théodémocratie aux États-Unis,انظر : -8

Fayard, 2006, et S. Fath, Dieu bénisse l’Amérique. La religion de la Maison Blanche, 2004.

A. Lamchichi, L’Islamisme politique, L’Harmattan, 2001 انظر: -9

et 0. Roy, L’Échec de l’islam politique, Seuil, 1992

D. Dubuisson, L’Occident et la religion. Mythes, science et idéologie,-10 Complexe, 1998.

الكاتب : جان فرانسوا دورتيي Jean-François Dortier، مدير مجلة “العلوم الإنسانية” الفرنسية.

نشر المقال بمجلة “الملفات الكبرى للعلوم الإنسانية” عدد 14 بتاريخ مارس- أفريل- ماي لسنة 2009

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق