لماذا ينسحب الفنانون العرب من مهرجانات صغرى يحضرها إسرائيليون ويشتركون في الكبرى؟ مفاعيــل ثانويــة لمسألــة التطبيــع

مرّة  جديدة، تُطرح مسألة التطبيع العربي مع إسرائيل. مرّة جديدة، يجد المرء نفسه أمام سؤال أخلاقي ينسحب، تلقائياً، على الثقافي (بجوانبه كافة) في مواجهة العدو الإسرائيلي. ذلك أن رفض التطبيع، على المستوى المصري تحديداً، مستمرٌ في محاصرة العاملين في الشأن الإبداعي، بحجّة أن مشاركة إسرائيل في مهرجان أو لقاء أو نتاج تمنح الكيان الإسرائيلي شرعية ثقافية وأخلاقية، وتغطي جرائمها المرتكبة بحقّ الفلسطينيين والعرب.

صدر قرار رفض التطبيع في مصر بعد وقت قصير على توقيع اتفاق كمب ديفيد للسلام بين الدولة المصرية وإسرائيل في نهاية السبعينيات الفائتة. قال الراحل سعد الدين وهبة كلمته، بصفته رئيساً لاتحاد النقابات الفنية، فاكتسبت صفة القداسة، ولم يتجرّأ أحدٌ من بعده لغاية الآن على المساس بها: من يذهب إلى إسرائيل لتقديم عمل ما فيها أو لزيارتها، «يُحاكم» أخلاقياً وفنياً، ويُطرد من نقابته، ويُحاصر في مجتمعه، ويُعزل في بيئته. إنه، بهذا، لا يختلف أبداً عمن يشارك في عمل إسرائيلي، أو يلتقي إسرائيلياً في أي محفل أو مناسبة أو مهرجان دولي. هذا حكم أعنف من الحكم القضائي، يُضاف إليه قرار رفض مشاركة إسرائيل في أي نشاط أو احتفال أو مهرجان ثقافي أو فني يُقام في مصر، إلى درجة أن أي فيلم «تستشفّ» لجان المشاهدة أن فيه ما يدعو إلى التطبيع يُرفض فوراً، وإن لم يكن إسرائيلياً.
 

القبض على الثقافة

لم يلتزم مثقفون وفنانون وسينمائيون مصريون بالقرار. تعرّضوا لضغوط شتّى لأنهم تخطّوا كلمة سعد الدين وهبة، الرجل الحديدي الذي أحكم قبضته على شؤون الفن والثقافة في مصر أعواماً طويلة. غير أن المسألة ازدادت تأزّماً، بعد أن بدأ التعامل الفني الأوروبي والأميركي مع فنانين مصريين في أعمال دولية متفرّقة، ما أدّى إلى طرح سؤال: هل يحقّ لفنان مصري المشاركة في فيلم تُنتجه شركة أجنبية يملكها يهود، أو يمثّل فيه يهودٌ أو إسرائيليون؟ منذ أشهر قليلة، تعرّض الممثل المصري الشاب عمرو واكد لحملة عنيفة لمشاركته في فيلم ذي إنتاج بريطاني عن الطاغية صدام حسين، لأن إسرائيلياً مثّل فيه. مصرياً، هذه جريمة يجدر معاقبة مرتكبها. برّر الممثل الشاب مشاركته بالقول إنه لم يعلم بوجود إسرائيلي في المشروع قبل التوقيع على عقد العمل، وإنه لم يظهر إلى جانبه في أي مشهد، وإنه لم يجد في السيناريو إهانة لمصر أو إساءة لسمعتها، ولا تعرّضاً بالسوء لأي من القضايا العربية والإسلامية. إن تشابهاً فظيعاً في مضمون التبرير قائمٌ بين الغالبية الساحقة من الفنانين العرب، التي بدأت خطواتها العالمية المتواضعة منذ أعوام قليلة: قال السوري غسان مسعود شيئاً شبيهاً (بخصوص التعرّض بالسوء للعرب والإسلام) عند مشاركته في «مملكة الجنّة» لريدلي سكوت. المجتمعات العربية المشرقية تحديداً تخشى الوقوع في مطبّ التطبيع، لأن أي لقاء عفوي بين عربي وإسرائيلي يعرّض الأول إلى اتّهامات أقلّها الخيانة، كما حدث مراراً مع مشاركات لبنانيات (مثلاً) في مسابقات الجمال الدولية المُقامة في الغرب، لأن إحداهنّ التقت إسرائيلية أو ظهرت وإياها في صُورة واحدة. التطبيع مرفوض، ما يدفع العرب إلى مزيد من العزلة الدولية، في حين أن الإسرائيلي يقتحم الأمكنة كلّها في مقابل غياب عربي، إما بسبب كلمة سعد الدين وهبة، وإما تجنّباً لحملات يُمكن أن تُشنّ على المُطَبِّع من قبل جهات متفرّقة.

يُلاحظ هنا أن السياسة غالبة والبُعد الفني الإبداعي غائبٌ: تُشنّ الحملة بمجرّد كشف «مؤامرة» التواصل العربي الإسرائيلي، من دون الانتباه إلى الأهمية الإبداعية والمعنوية التي يحظى بها العربيّ في تجربته الأجنبية. ليست دعوة إلى العالمية بالمعنى الفولكلوري المسطّح، بل تأكيدٌ على أن العمل في مشاريع أجنبية مهمّ جداً بالنسبة إلى فنان يُفترض به أن يختبر أساليب جديدة في العمل الفني لتطوير أدوات تعبيره. البقاء في الدائرة المحليّة يجعل أسلوب الفنان روتينياً وعمله تقليدياً، لأنه يمنع عنه اختبار المختلف وتغذية التجربة بسلوك إبداعي مغاير للسائد في البيئة الضيّقة. من ناحية ثانية، يُمكن للعربيّ أن يساهم في تفعيل المقاومة الثقافية والفنية لإسرائيل بمشاركته في المحافل الدولية، مستنداً إلى تراث عربي وإسلاميّ غنيّ بالمعطيات والمعاني الإبداعية القادرة على بلورة خطاب جدّي مرتكز على حقائق الجغرافيا والتاريخ، بدلاً من إخلاء الساحة أمام إسرائيل المندفعة بكلّيتها (مجتمعاً ودولة ومؤسّسات وإعلاماً) إلى احتلال المنابر كلّها.

غزو إسرائيلي

في الآونة الأخيرة، تضافرت معطيات جديدة أدّت إلى التعليق على هذه المسألة. فالمجلة الفنية المصرية «الكواكب» نشرت، في عددها الصادر بتاريخ 5 شباط الجاري، مقالتين اثنتين، تناولت الأولى (ناصر عبد الحفيظ) ما جرى في مسرحية «ذكي في الوزارة» للمؤلّف لينين الرملي والمخرج عصام السيّد، وقدّمت الثانية (خالد فؤاد) صورة عمّا يواجهه فنانون مصريون وعرب من قبل إسرائيل. في الأولى، انتقاد حاد لإدخال مشهد رآه كاتب المقالة تطبيعاً مع إسرائيل. في الثانية، سردٌ لمواقف فنانين أعلنت إسرائيل مراراً أن أعمالهم عُرضت أو ستُعرض في صالاتها أو مهرجاناتها الفنية، في حين أن وسائل إعلامية إسرائيلية عدّة «أشادت» بهم وبأعمالهم، ما دفعهم إلى استنكار هذه الإشادة ورفضها وإنكار فكرة المشاركة من أساسها، في مقابل التأكيد على الرفض المطلق لأي نوع من أنواع التواصل مع إسرائيل. في الوقت نفسه، نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن الصحيفة التونسية «الشروق» تأكيد المخرج التونسي فاضل الجعايبي انسحابه وفيلمه «جنون» من الدورة السابعة عشرة (16/23 شباط الحالي) لـ«المهرجان الدولي لأفلام الحبّ» المُقام في المدينة البلجيكية «مونس»، لاكتشافه أن إدارة المهرجان قرّرت الاحتفال بالذكرى الستين لتأسيس دولة إسرائيل مفرِدَة برنامجاً كاملاً لهذه المناسبة: «لم تعلن إدارة المهرجان من البداية عن الاحتفاء بدولة تحكمها عصابات عنصرية تبيد الأطفال والنساء والأبرياء وتغتصب أراضي عربية». في حين أن مجموعة «فاميليا للإنتاج»، التي يترأسها الجعايبي، أصدرت بياناً قالت فيه إنها رفضت مراراً دعوات جهات فلسطينية لتقديم عروض في مناطق إسرائيلية، لأنها رفضت «الدخول بتأشيرة دولة مغتصبة للحقّ الفلسطيني، إذ إن ذلك يعني في نهاية المطاف الموافقة على الاحتلال». جاء في الخبر أيضاً أن المخرج المصري سعد هنداوي انسحب هو أيضاً وفيلمه «ألوان السما السبعة» من المهرجان للسبب نفسه.

لا بُدّ هنا من تقسيم المسألة إلى جانبين: الذهاب إلى إسرائيل، والمشاركة في مهرجان دولي. في الجانب الأول، هناك اقتناع بمنطق رافضي الذهاب إلى دولة عدوّة، خصوصاً بالنسبة إلى مواطني دول عربية لم توقّع اتفاق سلام مع إسرائيل. في الجانب الثاني، يؤدّي إخلاء الساحة أمام الإسرائيلي إلى مزيد من العزلة العربية في المجتمع الدولي. هنا، تُطرح أسئلة: أيهما أقدر على مواجهة إسرائيل: المشاركة بفعالية جدّية، من دون تخاذل أو خوف أو تعرّض لأي ضغط عربي، بمهرجانات كهذه لتقديم أعمال عربية متفرّقة لجمهور أجنبي، أو إخلاء الساحة أمام إسرائيلي يقول ما يريده فيُصدّقه الآخرون؟ أيهما أنجع بالنسبة إلى القضايا العربية العادلة: تقديم النتاج العربي (وإن عانى بعضه أزمة إبداع وعجز عن ابتكار أنماط فنية عصرية للتعبير، أو سقط بعضه الآخر في فخّ الخطابية والبكائيات الممجوجة) أمام جمهور غربي لا يفقه شيئاً بخصوص العرب باستثناء ما تُقدّمه مؤسّسات إعلامية وثقافية ومجتمعية غربية تميل إلى إسرائيل، أو إسرائيلية لا تجد أمامها من يقف بوجهها مُقارعاً تزويرها بالثقافة والفن، أم الانسحاب والهروب من المواجهة الفنية؟ هل يُمكن القول حينها أن الفنانين والمثقفين العرب الرافضين التطبيع لا يثقون بتاريخهم العربي والإسلامي وبما فيه من نبض إبداعي مهمّ في شتّى الأمور فيخشون مواجهة العدو؟ لماذا يرفض سينمائيون المشاركة في مهرجانات صغيرة لأنها، بنظرهم، تستقبل إسرائيليين أو تحتفي بنتاجاتهم، ويوافقون على المشاركة في مهرجانات أكبر وأهمّ (البندقية، كان، برلين، تورنتو وغيرها)، وإن شارك فيها إسرائيليون؟

 
أكثر من ذلك: أليس الأفضل أن يقرأ الإسرائيليُّ نتاجاً أدبياً عربياً مترجماً إلى العبرية، بدلاً من أن يبقى جاهلاً وجهة نظر العربي الخاصّة بقضاياه وتاريخه وذاكرته التي يستمرّ الإسرائيلي في نهبها وتشويهها وتزويرها؟ لست مع ذهاب الفنانين إلى إسرائيل؛ لكن، ما الضرر من مشاهدة الإسرائيلي أو سماعه أو قراءته نتاجاً ثقافياً أو فنياً عربياً؟ يقولون إن إسرائيل تسطو على هذا النتاج فتذيع أغنيات وتبثّ أفلاماً ومسلسلات على شاشاتها الصغيرة وتعرض أفلاماً سينمائية في صالاتها من دون حق قانوني (الملكية الفكرية)، وهذا يعني سطواً وسرقة. فليكن. أليس مهمّاً أن يصل النتاج الثقافي والفني العربي إلى الفلسطيني المقيم في ظلّ الاحتلال أولاً، ثم إلى الإسرائيلي ثانياً، علّ هذا الأخير يكتشف جانباً آخر من الحقائق؟

رفض الإشادة

علّق لينين الرملي على هذه المسألة بقوله إلى «الكواكب» إن «قرارات الاتحاد العام للنقابات الفنية غير دستورية، وأي محام «بقرشين» يستطيع أن يرفع قضية وسيكسبها»، مضيفاً أنه لا ينتمي إلى «هذا القطيع من الفنانين والمثقفين المصريين الذين يسيرون مع قرار فرد هو سعد الدين وهبة»، مشيراً إلى أن نجيب محفوظ «ظلّ يدعو إلى التطبيع مع إسرائيل لمدّة ثلاثين عاماً، ولم يتّهمه أحدٌ بذلك». من جهة أخرى، استند خالد فؤاد على مقالة نشرتها الصحيفة الإسرائيلية «معاريف» كي يسأل عدداً من الفنانين المعنيين بها حول «ادّعاءاتها» أنهم يعرضون أفلامهم في الصالات الإسرائيلية، ويشاركون في مهرجاناتها. المخرج عادل أديب قال إن «شركة غودنيوز» رفضت عروضاً إسرائيلية كثيرة لشراء «مرجان أحمد مرجان» (زعمت الصحيفة أنه عُرض في منطقة «عين حاروت»، وأن مئة وخمسين مشاهداً عربياً شاهدوه بشرائهم بطاقات دخول بأسعار مخفّضة عن أسعار الصالات الإسرائيلية الأخرى)، مؤكّداً رفضه التعامل مع إسرائيل بأي شكل من الأشكال: «مستحيل أن يحدث هذا الأمر، بدليل أن الشركة توخت الحذر من تسريبه إلى إسرائيل تحديداً عند توزيع الفيلم» في الصالات الغربية. وقال إن الشركة لا يُسعدها إطلاقاً إشادة إسرائيل بإنتاجها الفني: «قرّرنا اتّخاذ موقف عنيف يتمثّل في إقامة دعوى قضائية كبيرة نطالب فيها تعويضاً كبيراً جرّاء الأضرار التي عادت علينا بسبب ما جاء في وسائل الإعلام الإسرائيلية». اللجوء إلى القضاء خيار اتّخذه علاء الأسواني بحقّ دار نشر إسرائيلية نقلت «عمارة يعقوبيان» إلى العبرية من دون الحصول على موافقته، معبّراً عن موقفه الرافض للتطبيع، ومشيراً إلى أن هذا كلّه غير قابل للمزايدة، وأنه من المستحيل أن يقبل هذا الهراء ويقف صامتاً، خصوصاً أن دار النشر تلك (لم يُذكر اسمها في تحقيق «الكواكب») أعلنت أنها نشرت الترجمة «بناء على طلب الجماهير الإسرائيلية التي أشادت بالفيلم» المصري المقتبس عنها، الذي عُرض في إسرائيل أيضاً.

من جهته، عبّر عادل إمام عن شعوره بحزن شديد عندما نشرت صحف إسرائيلية قراءات نقدية خاصّة بـ«السفارة في العمارة»، مطالباً بضرورة «محاكمة اللصوص الذين يقومون بتسريب أعمالنا الفنية لقتلة الأطفال والأبرياء ومغتصبي الحقوق كافة»، وهذا ما حصل مع «حين ميسرة» لخالد يوسف، الذي قال: «لا تهمّني إشادتهم بالفيلم أو بموضوعه وأبطاله. أقول بصدق شديد لو كنت أعرف أن هذا ما سيحدث، لتردّدت كثيراً ربما في إخراج الفيلم، لأن نشر اسمي في صحفهم لا يهمّني بل إنه لا يُشرّفني على الإطلاق، مثلي في هذا مثل كل العرب والفنانين الشرفاء». تماماً كما قالت ميرفت أمين: «أن يقوم هؤلاء اللصوص بسرقة أعمالنا وعرضها، فهذا أمر اعتدناه منذ سنوات. لكن، أن يشيدوا بنا وبأعمالنا فهذا لا يُشرّفنا إطلاقاً».

 ———————————————

نشرت في السفير في 25/2/200
 
 
 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق