لم تعد الدول تعجب أحداً.. وكذلك الأحزاب / رشا الأطرش

كان المذيع قد فرغ لتوه من استعراض عناوين نشرة الأخبار، عندما التفت جارنا، الذي كان يزورنا، إلى أبي: «طيب يا أخي، أسألك: تونس، ثم مصر، وليبيا واليمن والبحرين والسعودية وسوريا وحتى عُمان… عَدوى ثورية وبس يعني؟ بهذه البساطة؟ أليس هذا هو الشرق الأوسط الجديد الذي كانت تحكي عنه كوندوليزا رايس؟«.

حديث طويل افتتحه ذلك السؤال، لم أركّز في سماعه. لكني دهشت لفكرة أن شيئاً من «الصحوة» العربية بدا لجارنا «أبسط» من لعبة أميركية جديدة، وأن الأولى غير مقنعة، منزوعة الدسم في منطقه. «الثورة من الداخل» لم تلهب خياله (مع أنها كانت، هي نفسها، ضرباً من ضروب الخيال) وبالتالي لم تخاطب عقله! لكني، بعدما صحوت بدوري من دهشتي، شعرت بالملاحظة ترنّ مألوفةً في أذُني. ففي أكثر من برنامج حواري إذاعي أو تلفزيوني، يروح مشاركون من الجمهور يرمون تحليلات تغزل حول هذه النقطة.

لكنها ليست الملاحظة الوحيدة المتكررة في اليوميات الثورية هذه الأيام، في الإعلام والمقاهي والصالونات العربية. ثمة لقطتان أخريان تتكرران ولهما دلالة عميقة: الأحزاب بوصفها تُهمة، والتظاهرات كعمل مستهجن لا يليق بسمعة الشعوب «المحترمة». ولعل تداول تلك الملاحظات الثلاث، في أكثر من مناسبة وعبر أكثر من «هواء»، يدفع إلى التفكير بأن سلسلة الثورات العربية لم تفتح كُوىً جديدة في جدران الخوف واليأس فحسب، بل قوّضت منظومات ثقافية راسخة، لا بدّ وأن كلاً منّا كان قد رصد بعضاً من ملامحها في أي شارع عربي قُدِّر له أن يحتك بناسه قليلاً. اهتز يقين كان مريحاً طوال عقود، وهذا بحدّ ذاته مخيف لكثيرين. لذلك احتار جارنا على الأرجح. إذ كيف يسعه الآن أن يفكر في أحداث بهذا الحجم من خارج الإطار الآمن للمؤامرة؟

التحدّي تطرحه الثورات على ثقافة تبدو كأنها واكبتنا منذ الأزل. تضافرت في قولبتها، والتأثير فيها، عوامل كثيرة، أبرزها الموات النقدي والسياسي المتزايد في السائد من التيارات السياسية وأنظمة الحكم العربية، وتالياً في المجتمعات. ناهيك عن مساهمات الأزمات الاقتصادية، والحريات المكبوتة، والصحافة المكمّمة، وتفشّي الضحالة الثقافية والفنية، والارتياح عموماً إلى عناق الأجوبة، أيّ أجوبة، أكثر بكثير من الشوق إلى الأسئلة.

ثلاث ملاحظات تتكرر إذاً. أولها، «الشرق الأوسط الجديد» الذي اضطجع عليه الخطاب العربي، واسترخى، طوال السنوات الخمس الماضية. «الفوضى الخلاقة» مصطلح تراشق به مَن فهموه ومن لم يفهموه، حتى ابتُذل فما عاد يثير رغبة في التفكير أو التأمل على غرار ما قد تستنهض في العقول تلك المخططات التي تقترح تغيير نصف العالم. وبصرف النظر عن الموقف المناهض لهذه الفكرة «النيو-امبريالية» من جهة، أو الموقف الأقل مناهضةً لها على اعتبار أنها رغم مخاطرها ربما تفضي إلى شيء من الدمقرطة والحراك، فإن ما يدل إليه استحضار «الشرق الأوسط الجديد» في زمن الثورات الراهن يذهب إلى التفسير المفضل عربياً: المخطط/المشروع الذي رسمه لنا، في غرف معتمة، أشخاص يرتدون السواد وتظهر أنيابهم المروّسة كلما كشّروا ضاحكين.

كأن الثورات، والبشر – بالآلاف والملايين – الذين يصيحون في الشارع مطالبين بحياة أفضل لأولادهم… كأن العاديين الذين ماعادت تنفع معهم ثنائيات «الممانعة» و»الاعتدال»، ولا الاستقرار مقابل الحرب الأهلية، كأن القتلى والجرحى ومسيرات التشييع، التعنّت والغضب والتضحية، الاعتقالات بالجملة، الهواتف التي تصوّر من بين حبال الغسيل على شرفات المطابخ، الشباب الذين يخاصمون النوم أمام شاشات الكومبيوتر كي ينقلوا روابط الفيديو والصور والأخبار أولاً بأول للعالم بأسره… كأنما المقار الأمنية والملفات وفضائح الفساد والسجون التي تُحمى من النار والفرّامات بالأجساد المحتجّة العزلاء… كأن كل هذا طوع بنان أميركا وإسرائيل، وقد استجابت لهما، هكذا بعفويتها، وبرفع التكليف، الجوارح العربية. استجابت كما لم تفعل من قبل، بكُلِّيتها. ونزل التونسيون ثم المصريون والليبيون واليمنيون والسوريون والبحرينيون وغيرهم، ليموتوا في الشوارع من أجل المخطط. التفسير المقنع، والذي ينزع السحر عن الحَدَث ويعقلنه، ليس سوى الدسيسة الدولية الجهنمية، رغم أن «الأنظمة ما بتسوى، متفق معك أنا»، كما سمعت جارنا يقول في صالوننا. كل شيء أقرب إلى التصديق إذاً من أن تراكم البؤس العربي أفضى إلى ثورة شرقطت أولاً على جسد محمد البوعزيزي. فحِسّ المؤامرة، حين يترسّخ كثقافة، يقضم الذات، ولا يبقى سوى الآخر المؤبلس دوماً. الشيطان المتربص بنا، نحن الدُّمى. لطالما جعلتنا ثقافة المؤامرة أطفالاً دائمين فلم يأخذنا على محمل الجدّ «آباؤنا» الذين في سماوات السلطة. وحينما كبرت الشعوب، وثارت، بل راحت تغار من انتفاضات بعضها البعض، بدا أن بعضها ما زال ينظر في المرآة ولا يرى راشداً قد يحاول أن يبادر مصيرَه.

ثانياً، الأحزاب. أكثر من مرة، تسمع سؤال المذيع(ة) في التلفزيون، لأحد عناصر «المعارضة»، عن هوية المتظاهرين، وما إذا كانوا ينتمون إلى أحزاب أو تيارات سياسية. وغالباً ما ينتفض الشخص المُجيب كأنما طُعن في شرفه، بل كأنه يأبى التشكيك في «نظافة» الثورة ومطالبها. يهذر الضيف على الهاتف مُنكِراً بشدة أن «أبداً! أؤكد لك أن أبداً!». وغالباً ما تُستلحَق تلك العبارة بـ»نحن مجموعة شباب… تداعينا على الانترنت». هكذا تُظهَّر الآن ثقافتُنا عن الأحزاب. أحزاب السلطة عدوة الثورة. وأحزاب المعارضة، ما قبل الثورة، أيضاً شُبهة، إذ اعتدنا أن تكون الوجه الآخر للسُّلطة. هي الأحزاب عموماً باعتبارها ذاك الشكل المهلهل لممارسة السياسة والمحسوبيات. وهناك أيضاً الأحزاب مُستقطِبة عناصر الأمن إلى البيت أو الجامعة أو مقرّ العمل، مُستدعيةُ التحقيق والتُّهم المختلفة تُلبِسها للحزبيين. ربما يكون نجم الأحزاب، كآلية للعمل السياسي، قد بدأ يأفل في عيون الشباب العربي. ولعل الفايسبوك وتويتر هما الشكل الجديد للتداعي والحوار الوطني على عناوين مدنية، بعيداً من الإيديولوجيا والهرمية. وفي حين أن تلك الفرضيات تحتمل الكثير من النقاش، خصوصاً أنه ما زالت هناك في الغرب انتخابات وحياة سياسية وديموقراطيات متنوعة تُخاض بالأحزاب (وبغير الأحزاب)، إلا أن المقصود هنا هو أن رد فعل الشباب النائين بأنفسهم عن «وصمة» الانتماء الحزبي لا يُفسّر من زاوية تفضيلهم العمل السياسي بأدوات العولمة، بقدر ما تفسره الثقافة العامة. ثقافة هشّمت، في ما خلا القليل، المجتمع المدني، أحزاباً ونقابات وجمعيات أهلية ومنظمات غير حكومية. فتلك، من حيث المبدأ، على الأقل في وعي المواطن-الفرد، إما مشبوهة، أو فاسدة، أو من دائرة زبائنية السلطة.

ثالثاً، وأخيراً، التظاهرات كـ»عيب» ومدعاة خجل. ثقافة كاملة تراها كحال ولد يغفل عنه أهله، فيتركونه يلعب في الشارع لساعات، ويصادفه أهل الحي فيهزون رؤوسهم تحسّراً عليه وعجباً لاستهتار ذويه. أكثر المداخلات من هذا النوع، في الإعلام، تأتي من دول عربية لم تمارَس فيها حياة سياسية حقيقية على مستوى المواطن. بل إنها الثروات تديرها طبقة متنفّذة، والشعب يتلقّى مردودها. فلا القيادة تُنتخب، ولا تقوم مشاركة مواطنية كاملة جندرياً أو طائفياً أو قبلياً الخ. أكثر من متصل(ة) ببرامج الرأي الجماهيرية يدلي بما معناه أن: «لماذا نحول شوارعنا إلى أماكن للتظاهر؟» أو: «هذه أمور لا تليق بنا وببلادنا». يتم الخلط بين الرخاء والاستقرار، وبين التسليم بالاستبداد والحقوق المهضومة. حتى الحوار يظهر، في الثقافة هذه، كأداة فرض للتقديمات في حدود لا يُسمح بتخطيها.

لم يسمح جارنا لأحد من الموجودين بمقاطعة مطالعته المسبوكة عن أطماع الغرب في بلادنا، وعن المنافع الاقتصادية والاستراتيجية التي يرتجي تحصيلها «بعد انتهاء هذه الحفلة». وحدها زوجته قطعت سلسلة أفكاره حينما وافته شاكية أن الكهرباء انقطعت، وصاحب المولد لم «يُدِر» التيار. فقام الخطيب مدمدماً: «إلى متى نقبل بهذه العيشة؟».

عن ملحق نوافذ  جريدة المستقبل البيروتية 10/4/2011

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق