لم ينصح بترك السماء للملائكة والقبّرات… ت. س. إليوت: سقطات فكرية

لا يمرّ عام، بل لا يكاد ينقضي شهر، دون أن يصدر كتاب جديد عن الشاعر البريطاني ـ الأميركي الأصل توماس ستيرنز إليوت (1888 ـ 1965)، خصوصاً وأنّ التنقيب في كلّ ما قد يبرهن على عدائه للسامية هو الموضة الرائجة هذه الأيام بين مؤرّخي الأدب، ولكن ليس النقّاد… للمفارقة! غير أنّ الغائب الأكبر عن هذه الدراسات ـ السجالات هو إليوت آخر خفيّ بعض الشيء، رجعيّ في الفكر والسياسة، متعاطف بقوّة مع أفكار وتيّارات لم تكن البتة تليق بموقعه الحداثي في الشعر.

ويرى ستيفن سبندر، في كتابه الممتاز «ت. س. إليوت» والذي قد يكون العمل الأفضل عن الشاعر حتى اليوم، أنّ جملة الآراء السياسية المبثوثة هنا وهناك في قصائد ومسرحيات ومقالات إليوت تبدو إلى حدّ بعيد وكأنّها تعبّر عن مزاجه الشخصي الصرف. ذلك لأنها ـ وإنْ تعدّلت قليلاً بفعل تأثيرات الكنيسة الأنغليكانية ـ تظلّ من حيث الجوهر صادرة عن رجل يؤمن بضرورة انبثاق النشاط السياسي من المبادىء المجردة، وضرورة ارتكاز الأصول على الدوغما، وارتكاز الدوغما على السلطة الماورائية. وهذه الأخيرة لا تضمنها سوى مؤسسات الكنيسة والدولة الملكية (الموناركية).

وبمعزل عن تصريح إليوت الشهير، بأنه ملكي في السياسة وأنغلو ـ كاثوليكي في الدين وكلاسيكي في الأدب، لا يتردد سبندر وكثيرون سواه في الجزم ـ لأسباب أكثر أهمية من التصريح ذاته ـ بأنّ إليوت رجعي بالمعنى الحصري للكلمة. لقد جاهر بعدائه للأفكار الليبرالية، واعتبرها حالة انحطاط لرومانتيكية دفينة عند الإنسان المتوهّم في نفسه الكمال والقدرة على تغيير الثابت، كما عارض فلسفة التقدم الاجتماعي التي تنخر البنيان الكلاسيكي الصلب الناجز. وعند هذه النقطة تغنّى إليوت بأوروبا العصور الوسطى، وما شهدته من وحدة في اليقين، ومن توافق في القيم الاجتماعية.

ومعنى السياسة انحصر عنده في الدفاع عن قوى الموروث، تلك التي تفصح عن نفسها في شكل سياسات راسخة الجذور، ولها اليد العليا في وقف ما يمارسه السياسيون والأدباء من عمليات نَخْر ليبرالية ـ رومانسية في جسم المجتمع، ولها وظيفة حفظ المجتمع عند نقطة حاسمة من مراحل صفائه وثباته، ولا يهمّ هنا أن تكون تلك القوى متهمة من قبل الغالبية العظمى من أبناء الأمّة بأقصى شحنة من السَلَفية والسكون. وبعد أربع سنوات من تولّيه مهامّ تحرير فصلية «كريتريون» حدّد إليوت هويّة المجلة بأنها «الإنحياز إلى الكلاسيكية» كمفهوم أرقى وأوضح من مفهوم «العقل»، وضرب عدداً من الأعمال كأمثلة معبّرة عن هذا الميل: «مستقبل الفكر» للفرنسي شارل موراس Maurras (وسنوضح لاحقاً تأثيره الهامّ والخطير على إليوت)، و«الديمقراطية والقيادة» لإرفنغ بابيت، و«تأملات في العنف» لجوليان بيندا، و«تأملات» لـ ت. ي. هَلْم. هذه المؤلفات تشترك بخاصّية واحدة هي وقوف مؤلفيها في صفّ الفكر المحض ضد المجتمع المنخور والرومانتيكي، الفاقد للمبدأ الضابط أو المعايير الموضوعية. ويشعر جميع هؤلاء أنهم يمثّلون الحضارة الحقيقية التي تتعرّض لخيانة مزرية من قِبل رومانتيكيي الأدب وليبراليي السياسة.

وفي عام 1931 كتب ورقته الشهيرة «أفكار بعد لامبيث»، وضمّنها قراءة نقدية لموضوعات مؤتمر لامبيث للكنيسة الكاثوليكية، والتي أفصحت من جديد عن مقاربته المثالية للكنيسة كمؤسسة جادّة ومنظمة ومسؤولة، حتى لقد تفاءل بأن أسقف كانتربري سيكون قادراً على فهم الجدية العميقة لكتابات د. هـ. لورانس وجيمس جويس، والسماح بنشر أعمال مثل «عوليس» (وربما «عشيق الليدي شاترلي» بالتداعي المنطقي!)، التي تنافس على منعها وزراء الداخلية الأوروبيون في سياق عجزهم عن فهم جدّيتها الأدبية وجدواها الدينية. ويشير سبندر، بذكاء ثاقب، إلى أن إليوت في ورقته تلك استمتع بجَلْد بعض الجياد المتعبة التي سلخت سياطُ السنين الممضّة أجنابها: برتراند رسل، الذي قرنه إليوت بمفكّر تحرري آخر هو ألدوس هكسلي؛ ومدلتون مري، ذلك الجواد المحارب الطهور؛ ونورمان فويرستر، الإنسيّ الدؤوب.

هذه النزعة الهجومية (الدينية في الجوهر) تليق بأنغليكاني اهتدى إلى الكاثوليكية، في زمن خصب لا يحابيها بقدر ما يُعمل فيها معول الهدم. لهذا تنطّح إليوت للدفاع عن الإيمان حتى ضدّ أولئك المتدينين الليبراليين أو العقلانيين. فمن الصعب الحديث عن إحياء الدين لأنه «ممتنع أصلاً عن التفسّخ»، وبدونه «ينقرض الجنس البشري تماماً كما انقرضت بعض القبائل الميلانيزية بفعل السأم». وإذا كان سيغموند فرويد قد ذكّرنا بضرورة «تَرْك السماء للملائكة والقُبّرات»، فإن إليوت اقتفى تلميحه ونصح بترك «الدين» لكلّ من «السيد جوليان هكسلي والدكتور فرويد».

إنه حُلْم بتحويل الكنيسة إلى مؤسسة مكافحة تقتحم ميدان الصراع بين قوى الأديان الزائفة بقرابينها الزائفة (السيّارة، نوادي الغولف، هرطقات الإعلام)، وبين القرابين الحقّة للإيمان الكاثوليكي. أما رجال العلم من أمثال أينشتاين وشرودنغر فهم أحرى بالهجوم حين يتصل الأمر ببدعة مثل أقراص منع الحمل أو مظاهر التغرير بالشبيبة. ذلك لأن الزمن عصيب، و«الكنيسة الكونية» تقف اليوم في مواجهة العالم بأسره، وهو موقف لم تجد نفسها في خضمّه منذ روما الوثنية: «العالم يجرّب اليوم تكوين ذهنية حضارية لا ذهنية مسيحية. والتجربة تنذر بالفشل، ولكن يتوجّب علينا التحلّي بالصبر المديد في انتظار انهيارنا. وعلينا استرجاع الزمن لكي نذكي جذوة الإيمان، ونعيد بناء الحضارة، وننقذ العالم من الانهيار».

وإليوت اختتم كتابه «فكرة المجتمع المسيحي»، الصادر سنة 1929، بالقول إن الإحباط الراهن لا ينبثق من حالة نقد عميق لمؤسسات الحكم، بل من الشكّ العميق في صلاحية هذه الحضارة. واصطفاف القوى الذي كشف عن نفسه «يجب أن يجعلنا ندرك، أكثر فأكثر، خيار المسيحية أو خيار الوثنية»، وهذه الحضارة المأزومة الخربة لا تترك أمام الناس سوى واحد من خيارين: الوثنية (وهي هنا إما/أو الشيوعية، الفاشية)، والمسيحية. والأفكار الليبرالية هي وحدها التي تشوّش هذه القضية المركزية، وتمنع الناس عن رؤية هذَيّن الخيارين بصفاء ووضوح. وها هو يدفع عن نفسه تهمة التبشير بسقوط وهم المؤسسات الناجزة: «حين كتبت قصيدة أسميتها «الأرض اليباب» قال بعض النقاد الذين استحسنوها إنني أعبّر عن «تحلّل وهم الجيل»، وهو الهراء بعينه. لعلّي عبّرت عمّا في نفوسهم هم من وهم حول تحلّل الوهم، لكن ذلك لم يكن البتة جزءاً مما قصدته».

لقد كانت مفارقة هذه الآراء «الرجعية» الصارخة أنها تأتي من شاعر تصدّر بسرعة حركة تحديث الشعر. لقد رفض كرسي الفلسفة الذي عرضته عليه جامعة هارفرد عقب مناقشة أطروحته للدكتوراه، وآثر الرجوع إلى أكسفورد ومواجهة شظف العيش ومصاعب الحياة عن طريق التعليم في المدارس الليلية والقبول بوظيفة كاتب متواضع في مصرف لندني. لقد كان الشعر قَدَره كما سيقول عن نفسه ويقول عنه الجميع. في عام 1915 التقى بالشاعر الاميركي إزرا باوند و(سوف يهديه قصيدة «الأرض اليباب»، معتبراً أنه «المعلّم الأفضل»)، الذي تحمّس لهذا «الشاعر الشاب المثقل بهموم عصره»، فنشر له قصيدة «بروفروك وملاحظات أخرى» وطبع منها 500 نسخة استغرق توزيعها أربع سنوات.

وفي عام 1922 تولّى إليوت رئاسة تحرير مجلة «كريتريون» فنشرت له «الأرض اليباب»، تحفته وأهمّ قصيدة في القرن العشرين، مطلقة بذلك الشرارة الأولى لمجده الذي سيطبق الآفاق. وأخذ قرّاء هذه المجلة الأرستقراطية يتابعون بفضول الآراء المثيرة التي يطرحها صاحب القصيدة التحفة، حول ماثيو أرنولد والدراما الشعرية والرقابة الأدبية. والأرجح أنهم كانوا يضربون كفّاً بكفّ إذْ يقرأون اعترافه بأنه تعلّم من جول لافورغ احتمالات البلاغة الشعرية في خطاب الحياة اليومية، وأقنعه بودلير بالحكمة الشعرية العميقة لاندماج الواقعي بالفانتازي، ويقارنون ذلك كلّه بإصراره العنيد على الكلاسيكية!

{{شارل موراس}}

وكان إليوت قد سافر سنة إلى باريس سنة 1910، لدراسة الأدب الفرنسي في جامعة السوربون. الحقبة الباريسية شهدت خضوعه لتأثيرات لافورغ وفيرلين وبودلير والمدرسة الرمزية، إسوة باختلاطات الإيمان البوذي وسحر النصوص السنسكريتية والفلسفات الشرقية. بيد أنها أساساً حقبة التأثّر العميق بأفكار المفكّر والناقد والمنظّر السياسي الفرنسي شارل ماري فوتيوس موراس (1886 ـ 1952)، الذي كان له نفوذ فكري عميق على أوروبا بأسرها في مطلع القرن العشرين، واستبطنت نظريته في «القومية التكاملية» جزءاً ليس باليسير من الأفكار الفاشية فيما بعد. كان موراس سليل أسرة ملكية كاثوليكية، وبدأ حياته الفكرية بتأسيس «المدرسة الرومانية» الداعية إلى الانضباط الكلاسيكي والوضوح والقوّة، ضدّ الرمز الصبياني والغموض والعواطف الرومانتيكية. وكان مَلَكياً متزمتاً، انفرد بموقفه الشهير من قضية دريفوس التي استقطبت يمين ويسار الفكر الفرنسي، وأفرد صفحات مجلة «العمل الفرنسي» لتأكيد أولوية الدولة وسموّ فرنسا وتفوّقها في العلاقة مع الأمم الأخرى، حتى أن الحزب الملكي خطب ودّه وجعل المجلة لسان حاله.

ولقد أحيا هذا الملكي، وجماعته من كتّاب «العمل الفرنسي»، النزوعات المحافظة الرجعية الضاربة بجذورها عميقاً في دخيلة إليوت، سواء لجهة إيمانه المطلق بالكنيسة والمَلَكية وكرهه لليبرالية و«الترّهات الديمقراطية»، أو ردّة فعله المزمنة إزاء الميول الرومانتيكية. ولقد رأى إليوت في موراس وجماعته من «أنصار الملك» حركة فريدة يشرّع وجودها فكر فريد. ورغم تحفظاته على الممارسات السياسة (ولكن ليس على السياسة)، فقد واصل الإعراب عن إعجابه بموراس كفيلسوف يمتلك حسّ الشاعر المرهف، ويصوغ بنثر بديع جملة أفكار ثمينة وصائبة عن النظام والسموّ والدولة ضد الديمقراطية والليبرالية وإفكار «الدهماء». ولم يكن ينقص إليوت، في تأرجحه بين الإعجاب بهذا المفكّر وبين الحرج إزاء سلوك الغلاة من أتباعه، سوى اللطمة القاسية التي وجهتها الكنيسة الكاثوليكية لموراس وجماعته، حين أصدر الفاتيكان سنة 1928 حكمه بإدانة «العمل الفرنسي» وعدداً من أهمّ مؤلفات موراس، بسبب أن الحركة «تُخضع الدين للسياسة».

ولقد كتب إليوت يقول، حزيناً دون ريب: «أعمال السيد موراس غير معروفة في إنكلترا. إن الغالبية العظمى من شاغلي المواقع التي تسمح بعرض الأدب الفرنسي هم من الليبراليين الذين ترعبهم كلمة «رجعية»، والذين لا يكنّون أيّ ودّ للكاثوليكية، أو من المحافظين غير المكترثين بالأدب الأجنبي وغير المتعاطفين مع الكاثوليكية في الوقت ذاته، أو من الاشتراكيين الذين لا يفيدهم السيد موراس في شيء على الإطلاق. أما حقيقة كونه من أهمّ نقّاد الأدب الذين يكتبون نثراً بديعاً لا يقلّ جمالاً عن نثر أيّ كاتب فرنسي، فهي أيضاً حقيقة لا دلالة لها في توطيد مكانته. بيد أنه إذا كان هناك من شيء، في هذا الجيل أو في سواه، يقينا شرّ الوقوع في أنغلو ـ فاشية عاطفية، فهو ذلك النظام من الأفكار الذي اكتسب الكثير من دراسة موراس. إن تأثير الرجل في إنكلترا لم يبدأ بعد».

ويعتبر تعليق ستيفن سبندر على هذا النصّ واحداً من أذكى التعليقات، على كثرتها وتنوّعها. أليس من سخرية الأقدار أن يربط إليوت عدم غَرَق الإنكليز ــ الذين دافع عن دولتهم وحضارتهم وكنيستهم، واستحق جنسيتهم بامتياز ــ بتلك القَشّة التي يلقيها منظّر فرنسي من جهة، والقول إنّ تأثيره في إنكلترا لم يبدأ بعدُ من جهة ثانية؟ إن إليوت، الذي يفضّل دائماً الإشارة إلى موقف موراس ضدّ دريفوس وضدّ إميل زولا واليسار الفرنسي من ورائه، لا يغفل إلقاء عباءة المدافع الأول عن الماضي التاريخي على كتفَيْ موراس، حتى حين يتصل الأمر بإجحاف انساني أو عنصري صريح. إنه أيضاً يصارع بقوّة لينفي عن موراس تهمة معاداة المسيحية أو وضع الدين في المرتبة الثانية كما جاء في حيثيات قرار الفاتيكان، ويقول عنه: «إن موقفه أشبه بموقف الكافر الذي لا يستطيع بلوغ الإيمان، لكنّ نزاهته لا تسمح له ـ في الآن ذاته ـ بادّعاء الإيمان كذباً. وإذا كان متاحاً للآخرين أن يؤمنوا، فالأمر خير ليس بالنسبة إليهم فحسب، بل بالنسبة إلى العالم بأسره أيضاً».

وتلك في واقع الأمر سيرورة منسجمة أشدّ الإنسجام مع تدرّج مراحل الإيمان الديني حسب إليوت: فكرة الحضارة التي لا تنفصم فيها الكلاسيكية عن الإيمان، وأطروحة قبول القِيَم الدينية حتى في حال العجز عن الإيمان، والإندفاع نحو اليقين من منطلق الإحساس بضرورة الدوغما والرؤيا الدانتية للأزل. لهذا ظلّ شارل موراس يمثّل عند إليوت «نوعاً من فرجيل يقودنا إلى أبواب المعبد».

والحقّ أن مواقف إليوت السياسية تشبه، في عناصر كثيرة، تلك المواقف التي دفعت بعض معاصريه ـ وأبرزهم إزرا باوند ـ ليس إلى المسيحية، بل إلى الفاشية. وأمّا أن إليوت نفسه لم ينخرط مباشرة في النشاط الفاشي، فذلك عائد بدرجة كبيرة إلى مزاجه المسيحي الذي يتفوّق على مزاج الميل إلى العقيدة الدنيوية، وإلى عزوفه بصورة عامة عن الانضمام إلى أي حزب سياسي حيث أنه كان يبحث في السياسة عن الأفكار، ويؤمن أنّ الأفكار السياسية تندثر حالما تتحوّل إلى وقائع. وفي عام 1928 كتب مراجعة لكتاب «أدب الفاشية»، فاعترف بأنّ «المفاهيم التي كانت ستجذبني إلى الفاشية أجد أنني اكتسبتها مسبقاً من أعمال شارل موراس في شكل أكثر قابلية للهضم، أعني بذلك أنني رأيتها قابلة للتطبيق على إنكلترا أكثر منها على الفاشية».

لكن أفكار موراس لم تفتقر إلى الوضوح، ولم تكن مُلتبسة على الإطلاق. لقد صنعت في وقتها رأياً عامّاً قوياً داخل فرنسا، وحرّكت التظاهرات والاصطدامات والمحاكمات، ووضعتها على القائمة السوداء المؤسسة ذاتها التي كانت تلك الأفكار تمتدحها وتتمترس خلفها. مآلاتها الفاشية ليست أمراً غير ذي دلالة أيضاً، فلقد كان موراس أقوى سند فكري لحكومة بيتان خلال الاحتلال الألماني لفرنسا، واعتُقل سنة 1944، وفُصل من الأكاديمية الفرنسية، وحُكم عليه بالسجن المؤبد. ذلك جزء من وجه الصعوبة في قبول إمكانية خضوع أفكاره لعمليات فرز المعطيات الفاشية أو غربلتها بما يزيل زؤان الفاشية ويبقي طهارة فرجيل السائر بنا إلى أبواب المعبد.

ولعلّ المرء يملك كل الحق في القول بأن أفكار شارل موراس كانت تقود إليوت إلى هوى فاشي من نوع ما، وأفضل دفاع يقدّمه أنصاره في هذا الصدد يتمثّل في دفع التهمة عنه وترجيح قلقه إزاء المشكلات التي قدّمت الفاشية حلولاً زائفة لها. لقد كان معنياً بحفظ القِيَم الإنسانية الفكرية والثقافية والروحية، في مجتمع تلاشت عنه المسحة الإنسانية، وتعمّقت فيه عزلة الإنسان الرهيبة في مدن كبرى زائفة يتدافع البشر على جسورها و«عيونهم أمام أقدامهم»، وتسير طرقاتها «مثل مناقشة مضجرة تصدر عن نيّة ماكرة»، كما كتب في أشعاره. اختلطت عنده رطانة الشارع العامّي وهمومه ومعاصيه واختلالاته بالأسئلة التي يصوغها في روحه هاملت نصف ممسوس، يتنقّل بسرعة من معالم الماضي إلى المساكن الشعبية المزدحمة بالبشر والفاقة. تلك حاضنة فاشية، هذا صحيح تماماً … لكن إليوت صرفها في مفردات أخرى كالمَلَكية والدوغما والكنيسة، ولم يكن في ذلك يشعر بأية عقدة ذنب!

ولقد جرت الإشارة إلى أن إليوت قَرَن الشيوعية بالفاشية، ووضعهما معاً في كتلة واحدة وثنية تقف ضد المسيحية. الأحزاب تخسر الفكر لأنها تسعى وراء الوقائع السياسية، في يقينه، وذلك ليس حال أحزاب مثل «الليبرالي» و«المحافظ» و«العمّال» في إنكلترا فقط، بل هو أيضاً حال الأحزاب المتطرفة الفاشية والشيوعية. وفي عام 1925 كتب يعلّق على كتاب تروتسكي «مشكلات الحياة»: «إن ثورة تدور على نطاق واسع كهذا، وتنطوي على ذلك القدر من الفوضى، والسلب والنهب، والاغتيال، والجوع، والأوبئة.. يتوجّب عليها إظهار شيء ما من التعويض: ثقافة جديدة في أسوأ درجة من الرعب، لكنها ساحرة في كل حال. تلك الجائحة مبررة إذا أنتجت ما هو جديد حقاً: واحة رعب في صحراء عدم…».

واشتكى إليوت من أن كلّ ما يستطيع تروتسكي تقديمه هو صورة «المدارس المونتيسورية [نسبة إلى المربّية مونتيسوري ونهجها في تعليم الأطفال عن طريق الاستدلال الفردي]، الملاعب الرياضية، لدائن الوسائل التعليمية، النوادي، المطابخ الجماعية، دور الحضانة، الامتناع عن الكحول والعربدة، أمّة ترتدي (أو سرعان ما سترتدي) الثياب الدافئة، وذهنها حافل (أو في طريقه إلى أن يكون حافلاً) بخرافات القرن التاسع عشر عن الطبيعة وقواها». ويعلّق سبندر على هذا النصّ بالقول إن إليوت يلوم تروتسكي على اعتبار الرفاه الاجتماعي بمثابة «ثقافة»، لكنه يتناسى ــ هو الجالس آنذاك خلف طاولة أجنبية في مصرف إنكليزي ــ أنه كان في موقع يسمح له بأن يعرف حقّ المعرفة أن الشعوب السوفياتية، بل وشعوب أوروبا الوسطى بأكملها، كانت في عام 1925 تقطع الخطوة الأولى على طريق النقاهة من مرحلة المجاعة الرهيبة.

وفي افتتاحيته لعدد نيسان (أبريل) 1933 من مجلة «كريتريون» (وبعد أسابيع قليلة من استيلاء هتلر على السلطة في ألمانيا)، كتب إليوت يقول: «الشيوعية ـوأقصد الأفكار الشيوعية، وليس واقعها الذي لا فائدة من الحديث عنه هنا ـ جاءت مثل لُقيا ربّانية (إذا صحّ التعبير) عند هؤلاء الشباب الراغبين في النموّ والإيمان بشيء ما. فالغباء، عند الغالبية العظمى من الناس، هو دون ريب أفضل الحلول لتذليل صعوبة التفكير، ومن الأفضل تماماً أن تكون غبيّاً ضمن إيمان ما، من أن تكون غبياً دون أيّ إيمان… وأكاد أقول، بالنظر إلى إيمان هذه الأيام، إن عدداً قليلاً فقط من البشر الأحياء في عصرنا امتلكوا حقّ عدم الإنخراط في الشيوعية. إن اعتراضي الوحيد عليها هو نفس اعتراضي على عبادة العجل الذهبي».

رغم ذلك يسجّل التاريخ في هذا الصدد سابقة دراماتيكية واحدة على الأقل، حول دور إليوت الشخصي في مساندة الافكار الشيوعية: التلميذ جون كورنفورد، الذي لم يتجاوز السادسة عشرة من عمره، أعلن أنه تقدّم بطلب انتساب إلى الحزب الشيوعي البريطاني فور انتهائه من قراءة «الأرض اليباب»، إذْ اعتبرها نعوة بليغة لمجتمع رأسمالي آخذ في الانهيار!

ومنذ أن صعد نجمه في سماء الأدب الحداثي وأجيال الدارسين تتابع المتضادات الصارخة التي تصالحت عند إليوت: التقليدية المتشككة، الكلاسيكية الرومانتيكية، التحرّر من الذات بصورة مفرطة في ذاتيتها، دهشة المحافظ الناظر إلى نفسه في مرآة سديمية، المنقلب في غبشها إلى مَلَكي أنغلو ـ كاثولكي. وفي ثنايا ذلك كله كانت ترتسم صورة الرجل الذي أثار المجابهة الأهمّ في زمانه بين الشخصية الروحية السلبية للعالم المعاصر والشخصية الروحية الإيجابية للموروث، وتعايش عنده الماضي والحاضر في تركيب متوازن من الرموز المتصارعة. وما اقترابه من حدود الفاشية دون الولوج إلى ظلامها سوى مظهر آخر من مفارقة مركزية ظلّت تحكم مسار رجل كسر القالب الرومانتيكي للشعر في نقطة الذروة من صلابته ورسوخه، ليرسي دعائم «حداثة كلاسيكية» متينة لم تفلح، مع ذلك، في الفرار من الشبح الرومانتيكي، ولم تنجح في تفادي ضغوطات روح العصر…

وعند افتتاح القرن الجديد الراهن، شاءت أسبوعية «تايم» الأمريكية أنّ يحتلّ إليوت موقع شاعر القرن العشرين، لأنه رجّح كفة الشعر في زمن أخذ يميل بقوّة إلى ترجيح الرواية، وكانت قصيدته «الأرض اليباب» بمثابة نهضة حيوية وعمر جديد فتيّ كُتب للشعر، كما عبّرت الناقدة الأمريكية هيلين فندلر في تسويغ اختيار المجلة. لكنّ فندلر، مثل محرّري «تايم» ومعظم دارسي إليوت، تجاهلت سلسلة السقطات التي تحفر هوّة عميقة أخلاقية وفكرية وفلسفية وسياسية بين إليوت حامل القِيَم، وإليوت الثاني حامل القصيدة الحداثية.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق