لنجرّب طريقة أخرى

لا نزال على النهج القديم ذاته، نحن قوم غريبون جداً، فمبدأ الحماية عندنا دائماً يعني البتر أو المنع والإحكام التام للباب الذي يأتي منه الريح. غريب جداً هذا المنطق في زماننا هذا. فلننظر بعض الشيء في نهجنا الحياتي، فلأن عدونا الأول هو إسرائيل، ممنوع منعاً باتاً ذكر هذا النظام، تاريخه، لغته، إيدلوجيته، أو حتى الفكر الديني القائم عليه، فلا شيء يذكر في كتبنا التعليمية عن اليهودية، إلا أنهم ألد أعدائنا الذين يتربصون بنا مدى الحياة. ولأن تاريخنا السياسي، مثل غيره على اختلاف العصور والأمكنة، فيه الكثير من الهفوات التي تصل حد المؤامرات والصراعات السياسية، فإننا ممنوعون من دراسة هذا التاريخ بوجهه الحقيقي، فترى مناهجنا تمر عليه بأفلاطونية ساذجة، وكأننا أمة فاضلة لا تخطئ، ولا يرتكب حكامها الهفوات. ولأن العمل في صالات البلياردو يتبعه الكثير من المخالفات والاضطهادات للنساء العاملات في هذه الأمكنة، نصدر قانوناً يحرم كل النساء من العمل بعد الثامنة مساء. ولأن الشباب يتسبب أحياناً ببعض المضايقات في الأماكن العامة، نعزلهم تماماً ونحرم عليهم دخول الأماكن “العائلية”، إلى أن نصل إلى موضوع الدراسة المشتركة التي يرى البعض “النيابي” أن لها الأثر السلبي على أخلاقيات الطلبة، وعليه، الحل السحري هو: فصل الدراسة بكل مجالاتها، وبالمعنى الحقيقي الكامل للفصل في المباني إلى حد وضع مجرى مائي بين مباني الذكور والإناث (مبنى الشدادية الجديد) لتفادي أي فرصة لقاء بين الجنسين.

لم نحن مذعورون بهذا الشكل؟؟ سبقَنا زماننا ونحن لانزال على النهج القديم بالمنع والسد والبتر. يا لها من سذاجة أن نعتقد بأننا نحمي أولادنا، أو نعزز أفكارنا، أو نرسخ ديننا وتقاليدنا بهذا الاسلوب البالي القديم! في الواقع، لو كان هذا الأسلوب ناجحا، لارتحنا كثيراً، وطوعنا أبناءنا لأفكارنا، ولكن كل ما يتم اليوم من تغليظ في القيود ليس له جدوى. لم يعد من الممكن إخفاء معلومة، أو منع كلمة، أو عزل إنسان.

نحن في عصر ثورة المعلومات، فحتى لو أقفلنا الأبواب على أبنائنا، وسورناهم بالجدران، فإن بإمكانهم أن يختلطوا ويتواصلوا من خلف الجدران العالية. لن تفيدنا الإدارة القمعية سواء على المستوى المحلي أم المستوى العائلي الصغير، وليتها تفيد، كان ابني الكبير يقرأ أكثر، وابنتي الوسطى توقفت عن مناكفة مدرسيها، وصغيرتي تدخل السرير في موعدها، ولكن، ليس بأيدينا الآن، ولن يكون، والنظام القمعي لا يثمر ولا يمكن أن يستمر ببساطة لأنه يخالف طبيعة البشر المحبة للحرية والراغبة في التفرد. السكين تقطع والكهرباء تصعق والنار تحرق، فهل نمنعها جميعاً؟ هل نحرم تداولها في المجتمع؟ إن مظاهر الحماية التي تغلف هذا القانون، لا تبدو حقيقية نهائياً، وإنما هي سياسية بحتة. لكن وعلى افتراض أنها حقيقية، فهل هي واقعية أو عملية؟ هل يمكن فصل الجنسين في دولة مدنية حديثة في القرن الحادي والعشرين؟ وإن فصلناهم في المدارس والجامعات، فما هو الوضع الأمثل لهم ليختلطوا ويتعارفوا ويتمكنوا من بناء شخصيات فاعلة خلاقة؟ هل نحرم على الجنسين كل اتصال اجتماعي؟ أين ستصل بنا هذه الايديولوجية المريضة المتشككة؟

بالمناسبة، أتعجب حقيقة من تصريح النائب العمير أن “الاختلاط حرام ويؤدي الى حرام”، أولاً، النائب الفاضل ليس بمُفتٍ حسب علمي، بل هو رجل سياسة، وثانياً أتذكر جلياً أن النائب العمير اختلط بعدد من السيدات في الوفد الذي ذهب أخيرا لحضور مؤتمر في بلجيكا، وكنت أنا جزءاً من هذا الوفد. وقد جالسنا النائب الفاضل، وتحدث معنا، وضحك وبشّ في وجوهنا، لم أتذكر أنه رفض الحضور بسبب “اختلاطنا”، ولا حتى أنه اكفهر في وجوهنا، إلا عند النقاش السياسي، للحق كلنا اكفهررنا.

عموماً، يقال دائماً إن أصح الحلول أبسطها، اذن، نقول للنائب العمير وغيره من منادي فصل الدراسة المشتركة: ليدرس أولادكم في المدارس والجامعات المنفصلة، ولتتركوا المختلطة لنا ولأولادنا، هل في هذا الحل ما هو حرام؟ إن كان كذلك، فعلى النواب الأفاضل الذين يرون بحرمته أن يستقيلوا من عملهم الذي يتطلب عليهم اختلاطاً مستمراً محلياً ودولياً، وأنا أقترح الحل الثاني، فهو أسلم من الناحية… الشرعية، وإلا لأ؟؟

—-

كاتبة كويتية

نشرت في جريدة أوان في 12/2/2008

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق