لن‮ ‬يكون المرحوم‮ “البخاري‮”‬أبدا مقدّسا‮..‬

{{“البخاري” بريشة الرسام الأزبكي}}

{جورا أصران}

كنت شرعت في‮ ‬نشر سلسلة من المقالات‮ –‬في‮ ‬المغرب‮– ‬ حول القرآن باعتباره نصّا مقدّسا،‮ ‬وحاولت من خلال تلك المقاربة إظهار وجه الاختلاف بين‮ ‬فكرة المقدّس كما‮ ‬يتمثّلها العربي‮ ‬المسلم،‮ ‬والمقدّس في‮ ‬ذاته وما هي‮ ‬الظروف والخلفيات الثقافية التي‮ ‬كانت من وراء إنتاج تلك التمثلات‮. كما حاولت أن أضع اليد على الفرق بين‮ “‬المصحف‮” ‬من حيث هو متن جمع في‮ ‬سياق وملابسات تاريخية باعتباره واقعة تاريخية،‮ ‬و”القرآن” ‬من حيث هو خطاب مفتوح ولامنتهي له خصائصه النصية والتركيبية وقداسته التي‮ ‬تم إسقاطها عليه،‮ ‬وهو ما ألمع إليه‮ -‬بمعنى ما‮- ‬أحد المتصوفة حين قال‮:‬‮ ‬”قد اكتمل تنجيم القرآن نصا ولن‮ ‬يكتمل تنجيمه معنى‮” ‬أي‮ ‬الخطاب القرآني‮ ‬من حيث هو واقعة دينية.‮ ‬وشتان بين التاريخي‮ ‬والديني‮. ‬وكما ترى بلقيس الرزيقي‮ ‬أنه إذا كان للنص القرآني‮ ‬من دور في‮ ‬صياغة الأحداث المهمة،‮ ‬فإنه لا يعدو أن‮ ‬يكون إضفاء المشروعية والقداسة والإلزامية‮ ‬على القرارات التي‮ ‬اتخذها الرسول،‮ ‬بحيث كثيرا ما كان النص القرآني‮ ‬يتدخل بعد الأحداث،‮ ‬مما‮ ‬يعني‮ ‬أنه بدوره نصّ تاريخيّ،‮ ‬لا يمكن الظفر بدلالته من دون تمثل للحيثيات التي‮ ‬صاحبته‮.‬

وقد كنت مضطرا لأسباب ذاتية أن أوقف ما كنت بدأته،‮ ‬حينما بدأت تصلني‮ ‬بعض المناوشات والتحرشات من قبل بعض الأشخاص المحسوبين على الهيئة الدينية الرسمية‮. ‬ولم‮ ‬يكن ذلك خوفا من أحد،‮ ‬أو هروبا،‮ ‬وإنما كانت الدواعي‮ ‬شخصية لا داعي‮ ‬لذكرها الآن‮. ‬وما أثارني‮ ‬في‮ ‬بعض ردود الفعل‮ ‬البائسة،‮ ‬توجيهها اتهامات لي‮ ‬كوني‮ ‬كتبت شيئا‮ ‬يمسّ المقدّس،‮ ‬ويمسّ المعتقد،‮ ‬وإني‮ ‬بذلك تجاوزت الخطوط الحمراء‮. ‬والحال،‮ ‬إنه لا حدَّ‮ ‬ولا خط ولا رقابة‮ ‬يمكنها أن تثنيني‮ ‬عما أريد التعبير عنه.‮ فما معنى المقدّس؟ ما المقصود بتجاوز الخطّ الأحمر في‮ ‬الدين؟ ولماذا‮ ‬ينتفض الإنسان‮ ‬العربيّ‮ ‬المسلم كلما اقترب السؤال من مركز المعارف التي‮ ‬تحكمنا وتحكم وعينا؟ لماذا‮ ‬يقف الناس وينصب البعض أنفسهم حراسا‮ ‬ومراقبين لكل حرف‮ ‬يكتب حول ما‮ ‬يعتبرونه‮ “‬مقدّسا”؟ من قال بالمقدّس؟ ومن أين جاءت قداسة بعض النصوص‮ “‬الفقهية والشرعية‮”‬،‮ ‬وبعض السير وبعض المآثر وبعض الشخصيات التاريخية؟ من قال بها؟‮ ‬وهل الخطاب القرآني‮ ‬أنزل من أجل الحفظ والتلاوة وتحويله إلى مجرد‮ “‬شيء‮” ‬يوجد بين دفتي‮ ‬كتاب‮”‬مصحف‮” ‬لتزيين المكتبات واستظهاره في‮ ‬المناسبات‮ “‬كمثل حمار‮ ‬يحمل على ظهره أسفارا‮” ‬أم نزل من أجل الفهم وإعادة الفهم المستمرين عبر التاريخ بهدف إغناء‭ ‬الصيرورة الحضارية؟

كلما عدت إلى الطبقات الأولى من المتون الفقهية والجدل الشرعي‮ ‬والديني،‮ ‬وخاصة النصوص التاريخية لمؤسّسي‮ ‬الخطاب التاريخي‮ ‬في‮ ‬تاريخ العرب والمسلمين،‮ ‬أجد من الحقائق ما‮ ‬يكفيني‮ ‬لأعيد النظر في‮ ‬كل‮”المطلق‮” ‬الذي‮ ‬يتم تسويقه وترويجه‭ ‬‮. ‬لذلك تصدمني‮ ‬تفاهة الوعي‮ ‬السائد بين فئات عريضة من‮ “‬أنصاف المتفقهين”‬،‮ ‬لأن القضايا الكبرى أو‮ “‬الدوائر المغلقة‮” ‬تظل دائما في‮ ‬حاجة إلى إعادة الطرح،‮ ‬ولا‮ ‬يمكن للأدوات التي‮ ‬تقدمها الخطابات المقدّسة أن تكون سوى وسائل إثراء وتغذية للأسئلة الراهنة‮. ‬إذ كيف‮ ‬يسمح حراس المقدّس لأنفسهم بالتعامل مع النصوص الأولى والثواني‮ ‬منها التي‮ ‬أنتجت حول الخطاب المقدّس،‮ ‬والتي‮ ‬بينها وبينه مسافة زمنية معتبرة،‮ ‬وينتقون منها ما‮ ‬يسعف على دعم نمط من الحقائق،‮ ‬ثم‮ ‬يلفظون الجانب الآخر منها،‮ ‬ويتم تحويل الجزء المبتور إلى نصوص مقدسة تلحق بالخطاب المقدّس‮ (‬نقصد الخطاب المقدّس‮: ‬الكتاب والسنة‮) ‬وبعد تقطيع بشع للتاريخ،‮ ‬والذي‮ ‬يمارس فيه ما كان‮ ‬يقوم به قاطع الطريق اليوناني‮ ‬بروكس،‮ ‬يغلق الباب وتوضع حدود‮ ‬للسؤال،‮ ‬لتطبع إيتيكيتات‮ ‬تضع على جبين كل باحث،‮ “‬ملحد‮” “‬كافر‮” “‬مرتد‮” “‬ملتزم‮” “‬مؤمن‮”..‬

إن‮ ‬المأساة التي‮ ‬يتخبط فيها الوعي‮ ‬العربي‮ ‬الإسلامي‮ ‬لم تعد تحتمل الصمت،‮ ‬ومن‮ ‬غير المعقول التسليم بإطلاقية،‮ ‬اليوم،‮ ‬بما‮ ‬يعرف بـ‮ “‬صحيح‮ ‬البخاري‮”وكل الصحاح الأخرى التي‮ ‬صارت متونا لا نقاش فيها‮. ‬وهكذا‮ ‬غاب‮ (‬أو بالأحرى‮ ‬غُيِّبَ‮) ‬الخطاب المقدّس تحت طبقة كثيفة من التمثلات البشرية،‮ ‬وغابت كتب الفقه الأولى،‮ ‬مثلا،‮ ‬وراء كتب الفروع والخلاف‮. ‬وصارت الأسماء/الأعلام تكفي‮ ‬المتلقي‮ ‬العربي‮/‬المسلم وتغنيه عن النظر وإعادة النظر فيما‮ ‬يتلقاه منها‮. ‬وهنا تحضرني‮ ‬حادثة حدثت لي‮ ‬مع مجموعة من النساء اللواتي‮ ‬كن‮ ‬يستفدن في‮ ‬إطار تكوين حول المدونة،‮ ‬وكنت انتقيت،‮ ‬إجرائيا،‮ ‬نصوصا‮ (‬أحادث‮) ‬من صحيح البخاري‮ ‬بعناية،‮ ‬بحيث‮ ‬قسمتها إلى مجموعتين،‮ ‬الأولى كانت تتضمن نصوصا مسيئة للمرأة وحاطّة بكرامتها،‮ ‬ووزّعتها عليهن دون أن أذكر المصدر،‮ ‬وقد كان ردّ فعلهن عنيفا،‮ ‬وكلهن اتفقن على أنها ليست أحاديث صحيحة،‮ ‬وحين سألتهن عن معنى الحديث الصحيح،‮ ‬قلن جماعة‮: “‬إنه ما ورد في‮ ‬صحيحي‮ ‬البخاري‮ ‬ومسلم‮”! ‬بعدها أخرجت المجلدات الخمسة للبخاري‮ ‬ووضعتها على الطاولة‮ ..‬وكانت المفاجأة‮!‬

لهذه الواقعة،‮ ‬التي‮ ‬كررتها في‮ ‬أكثر مناسبة،‮ ‬سواء كمثال أو كإجراء،‮ ‬أكثر من معنى وللقارئ أن‮ ‬يدرك مدى الجهل والتجهيل المتعمّدين من قبل‮ ‬صناع”‬المقدّس‮” ‬في‮ ‬ترويج صناعة‮ ‬الوهم،‮ ‬الذي‮ ‬لا يهدفون‮ ‬منه إلا إلى تكريس هيمنة نمط من الوعي‮ ‬وتبرير سلط معرفية ورمزية مهترئة ومعاقة‮.‬‮ ‬جعلت من‮ “‬علماء‮”كانوا‮ ‬يجتهدون بتواضع العارفين من‮ ‬غير ادعاء،‮ ‬شخصيات أسطورية،‮ ‬وبعضها ألحقت‮ -‬بمعنى من المعاني‮- ‬بالألهوية والاصطفاء‮ ‬والاختيار من قبل الله،‮ ‬وصار كل من خالف حراس‮ “‬المقدّس‮” “‬ومن فارقهم في‮ ‬شيء منها نابذوه وباغضوه وبدَّعوه وهجروه‮” -‬كما قال ابن قتيبة‮.- ‬وقد اجتهد النمط المظلم من الخطاب الفقهي‮ ‬والشرعي‮ ‬والديني‮ -‬بصفة عامة‮- ‬لإنتاج‮ “‬مقولات‮” ‬و”مقولبات‮” ‬صالحة للاستعمال في‮ ‬كل سياق،‮ ‬وردوها إلى‮ “‬السلف الصالح‮” ‬الذي‮ ‬لا‮ ‬يجوز له أن‮ ‬يجتمع على ضلال،‮ ‬في‮ ‬حين‮ -‬سيرا على طريق المعتزلة وغيرهم من العقلانيين‮- ‬اعتبر النظّام‮ “‬جواز تواطؤ أهل التواتر على وضع الكذب‮” ‬وهو ما حدث وما يزال.‮ لذلك حين أرى نقاشا في‮ ‬الحركة النسائية حول قصور وهفوات‮ “‬المدونة‮” [نقصد الأحوال الشخصية‮] ‬وإشكالية‮ “‬الإرث‮”‬‭ ‬ ‮- ‬المحكومة بعقلية القضيبية والفحولة والذكورة الحاطّة بقيمة المرأة التي‮ ‬تعتبر كائنا من الدرجة الثانية‮ ‬وقد وجدت للاستمتاع بها‮- ‬ فأنا أرد على العديدات‮: ‬لن تكون‮ “‬قوانين الأحوال الشخصية‮” ‬بأحسن مما هي‮ ‬عليه،‮ ‬لأن المثل الدارج‮ ‬يقول‮ “‬انظر‮ ‬إلى الولد إنه أعوج‮.. ‬يرد آخر‮: ‬لقد خرج من الخيمة أعوجا‮”. ‬إن الخلفية المرجعية المتحكمة في‮ ‬النص القانوني،‮ ‬هي‮ ‬التي‮ ‬ينبغي‮ ‬إعادة النظر فيها‮! ‬

إن المشكل لا يكمن في‮ ‬النص القانوني،‮ ‬وإنما في‮ ‬الخلفية الثقافية والمعرفية والتاريخية التي‮ ‬تشتغل من ورائه‮.. ‬إنه اشتغال نمط من الخطاب‮ ‬الفقهي‮ ‬والشرعي‮ ‬والديني،‮ ‬وقد أُريد له أن‮ ‬يستمر عبر استثمار آليات‮ “‬حديثة‮” ‬في‮ ‬صورة هي‮ ‬التي‮ ‬يتجلى من خلالها ويشتغل،‮ ‬وهذا ما تعبر‮ عنه نظرية بورديو حول استقلالية الحقل الديني،‮ ‬مؤسسا نظريته حول الصراع السوسيو-ديني،‮ ‬وهو ليس صراعا بين الطبقات الاجتماعية وإنما هو‮ ‬صراع على تعريف الرموز ومنظومات المعنى،‮ ‬يتم فيها تصارع الفاعلين حول مواقع مختلفة ضمن جغرافيا السلطة والمعرفة الدينيتين‮. ‬وفي‮ ‬ذلك الصراع تستند السلطة الدينية إلى القوة المادية والرمزية للمجموعات التي‮ ‬يمكنها تعبئتها بما تقدمه لها من منافع وخدمات تلبي‮ ‬حاجاتها الدينية‮. ‬ومن ثم‮ ‬يعاد إنتاج الحقل الديني‮ ‬بواسطة إواليات تتأسس على التنشئة الاجتماعية وتوريث العادة المشتركة،‮ ‬وفي‮ ‬هذا ما‮ ‬يدل على أن‮ ‬الدين‮ ‬يفرض على الأفراد ويوجههم في‮ ‬مسار فعلهم بنسبة عالية من العنف الرمزي،‮ ‬بل ويتحول هذا العنف الرمزي،‮ ‬في‮ ‬البلاد العربية الإسلامية،‮ ‬إلى عنف تستعمل فيه القوة والإيذاء والإجهاز على حريات الأفراد الذين‮ ‬يصبحون مهددين حتى في‮ ‬حقهم في‮ ‬الحياة‮..‬

جماع ذلك‮ ‬يقودنا إلى أن العنف الثقافي‮ ‬الذي‮ ‬يتجلى في‮ ‬كل أنواع الصراع داخل المجتمعات،‮ ‬لا‮ ‬يأتي‮ ‬إلا من الفقر الفكري‮ ‬أولا،‮ ‬ومن انسداد‮ ‬باب الإبداع،‮ ‬وزحف آليات التدجين والإتباع التي‮ ‬تجعل من الماضي‮ ‬قبلة وبوصلة،‮ ‬وتحصر مركزية الكون والتاريخ والجغرافيا في‮ ‬بقعة زمنية لم تكن بأحسن مما نحن عليه في‮ ‬شتى المجالات التي‮ ‬يتحرك فيها الإنسان العربي‮/‬المسلم راهنا‮. ‬وهذا العنف الثقافي‮ ‬والرمزي‮ ‬والجسدي‮ ‬الذي‮ ‬يتم تمريره عبر الخطاب الديني‮ (‬نمط من الخطاب الديني‮) ‬يتحول شيئا فشيئا إلى عداء ورفض للاختلاف،‮ ‬فتشهر أسلحة‮ »‬الزندقة‮« ‬و”المروق‮” ‬و”الردة‮” ‬و”الاستلاب‮” ‬لتحصين ما تبقى من الصروح المحطِّمة للفكر السائر في‮ ‬طريق الانقراض الحضاري‮ ‬والتاريخي‮.

‬وهنا وجبت المقارنة بين المسار التحديثي‮ ‬الغربي‮ ‬والعربي،‮ ‬فلقد استند التحديث في‮ ‬المجال الغربي‮ ‬إلى قاعدة اقتصادية ثابتة اعتمدت على‭ ‬التصنيع وحققت ازدهارا استفادت‮ ‬منه المجتمعات الغربية عموما مما أدى إلى تدعيم استقرارها،‮ ‬الأمر الذي‮ ‬جذَّر لدى أغلب الفئات الإيمان بجدوى الحداثة وبقيمها‮. ‬أما البلدان الإسلامية فإن الاختيارات الاقتصادية لم تكن دائما واضحة ولا ثابتة،‮ ‬بل ظلت هشة،‮ ‬مما جعلها تعجز على تحقيق كل ما وعدت به مشاريع‮ ‬التنمية،‮ ‬ولم تستطع ضمان شروط الاستقرار الاجتماعي،‮ ‬ففقدت الكثير من الفئات ثقتها في‮ ‬اختيارات الدولة،‮ ‬فنشأت الأزمات التي‮ ‬شكلت أهم عوامل النكوص نحو الديني‮ ‬والغيبي،‮ ‬بحثا عن منفذ‮ -‬سحري‮- ‬في‮ ‬واقع انسداد الآفاق وواقع اجتماعي‮ ‬واقتصادي [زهية جويرو؛ الإسلام الشعبي؛ رابطة العقلانيين العرب‮. ‬ط1‮. ‬2007‮. ‬ص‮.‬98] ‮ ‬لا يزداد إلا تدهورا،‮ ‬فكانت الحداثة‮ -‬المستوردة طبعا‮- ‬إحدى ضحايا النظرة العربية الإسلامية التي‮ ‬حاولت أن تؤسلم الحداثة وتُخضعها لنمط فكري‮ ‬هو‮ –‬في‮ ‬الجوهر– ‬نقيضها الأكبر،‮ ‬إذ تؤمن الحداثة بالسؤال المتجدد والهدم الدائم ونسبية الحقيقة التي‮ ‬تظل دائمة التجدد‮. ‬والحداثة لا تترك بابا إلا طرقته ودخلته‮ ‬وحركت من داخله كل ما‮ ‬يؤثثه من الداخل،‮ ‬كما أن الحداثة لا تميز بين مقدس ومدنس،‮ ‬فالمدنس فيه من القداسة ما‮ ‬يجعله‮ ‬يعيد طرح قضايا المقدّس،‮ ‬وفي‮ ‬المقدّس وجوه من الدنس تجعل إسقاط القداسة عنه حتى‮ ‬يتم إسقاط الطابع الأسطوري‮ ‬وإرجاعه إلى الوعي‮ ‬الاجتماعي‮ ‬ومكوناته الثقافية. لأن الحداثة مسكونة بهم زحزحة الثوابت،‮ ‬وهذا ما‮ ‬يدخل في‮ ‬صميم عملها،‮ ‬إذ تتجه دائما نحو ممارسة‮ “‬السؤال‮” ‬على الذات لأنها تسير في‮ ‬اتجاه الفعالية النقدية والتفكيك وقتل الوهم‮. ‬لأن الحداثة لا تعتمد،‮ ‬في‮ ‬أساسها،‮ ‬على البناء العقلاني‮ ‬بقدر ما تتجه نحو اشتغال العقل في‮ ‬ممارسة النقد والانشداد إلى قيم الحرية والمسؤولية والفردية وتقديم العقل على السمع‮ -‬محمد بوهلال‮..‬

ولعل هذا هو سبب فشل جل الحركات التي‮ ‬سعت إلى عقلنة الكتابة التاريخية المتعلقة بالخطاب الديني،‮ ‬إذ ظلت تعاني‮ ‬من صمود مستميت من قبل‮ ‬‮»‬المجاهدين‮«[‬من فقهاء الظلام الذين حولوا التراث إلى متحف للقداسة والحقيقة المتعالية‮]في‮ ‬سبيل الإبقاء‭ ‬على أسطرة‮ ‬الرموز التاريخية،‮ ‬وحراسة أصنامها من الهدم والسقوط؛ بحيث إن كل محاولة لإعادة ترتيب الوقائع ومسح الغبار عنها من أجل عزل الوقائع الدينية عن الوقائع‮ ‬التاريخية‮ ‬يبقى من أكبر المستحيلات،‮ ‬إذ‮ ‬يجعل سدنة‮ ‬الظلام الزمن الديني‮ ‬يشمل كل الأزمنة‮ “‬التراثية‮” ‬لتمتد إلى مرحلة ما بعد وفاة الرسول‮..‬وصار التاريخي‮ “‬مؤسطرا‮” ‬لابسا الرداء الديني‮ ‬ليتحول إلى‮ “‬مقدس‮” ‬ رغم كل ما‮ ‬يمكنه أن‮ ‬يحمله من‮ “‬مدنس‮” ‬تاريخي‮…!!!‬

هكذا‮ ‬يهدر الوقت في‮ ‬إعادة استظهار الدروس التي‮ ‬حفظناها في‮ ‬المدارس الابتدائية،‮ ‬عن الأساطير القديمة،‮ ‬وفق منطق تاريخي‮ ‬انتقائي‮ ‬وعنيف،‮ ‬يبقي‮ ‬على ما‮ ‬يشاء ومن‮ ‬يشاء‮..‬محافظا على‮ “‬ثقافة‮” “‬الغزوات‮” ‬وماضي‮ “‬الأندلس‮” ‬الزاهر،‮ ‬وإمبراطورية‮ “‬الفتوحات‮”،‮ ‬وتقديس الأحداث،‮ ‬وتنميط الوعي‮ ‬الزائف،‮ ‬لتكريس هيمنة الوهم والزيادة في‮ ‬صناعة الأعطاب الفكرية لتدمير ما تبقى من صروح العقلانية،‮ ‬والاكتفاء بالتحديث بدل الحداثة‮..‬مما‮ ‬يزيد فعل تقديس‮ “‬الحقائق‮” ‬القديمة تضخما،‮ ‬وتتحول منجزات الحداثة،‮ ‬التي‮ ‬كانت وليدة نمط فكري‮ ‬عقلاني‮ ‬معين،‮ ‬إلى تقنيات‮ “‬تستعمل‮”‬لتبرير ممارسات ومواقف وأحداث،‮ ‬ودعم نقيضها،‮ ‬مع العمل على تدمير المنطق العقلاني،‭ ‬والانطلاق من نتائج محددة سلفا؛ لأن مشاريع‮ “‬التحديث‮” ‬تسعى إلى‮ “‬توفير حلول جديدة لمشكلات شرعية‮” ‬مع الإخلاص المطلق للمنظومة‮ “‬الشرعية‮” ‬اللاعقلانية‮. ‬الأمر الذي‮ ‬لا يزيد إلا من صناعة الأوهام التي‮ ‬تتجلى في‮ “‬الإعجاز العلمي‮ ‬للقرآن‮” وإطلاقية بعض الحقائق وصلاحيتها‮ “‬لكل زمان ومكان”؛ وهو ما‮ ‬يقوي‮ ‬البنية المنطقية التراثية التي‮ ‬تتجدد بفعل قدرتها على التجدد من‮ ‬غير أن تكون في‮ ‬حاجة إلى مراجعة الأسس المعرفية المتحكمة فيها‮.‬

لقد‮ ‬صار من واجبنا أن نواجه هذا السيل الجارف من فيضان العقل اللاهوتي‮ ‬الذي‮ ‬يأوي‮ ‬في‮ ‬التراث،‮ ‬بقضايا لاهوتنا المعاصر،‮ ‬ومن ثم من الضروري‮ ‬إعادة تصحيح‮ “‬الصِّحاح‮”‬،‮ ‬وتصحيح نظرتنا للأحداث التاريخية بعيدا عن الميثولوجيا والخرافة وأن نتحلّى بالجرأة والشجاعة على تقبل النتائج‭ ‬التي‮ ‬سيقودنا إليها الاستدلال المنطقي‮ ‬السليم كيف ما كانت طبيعتها‮..!‬؟

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق