ليالي لجنة حيّ

-1-
الصّورةُ تشبهُ إلى حدّ بعيد حرّاس تلك القبائل المُهدَّدَة من النّواحي الأربع. شخوص بعصيٍّ يتحلّقون حول نار للّيلة الباردة والمظلمة. تنطمس هويّاتهم الفرديّة لصالح "حرّاس" نوم الآخرين وممتلكاتهم وأمنهم وربّما أحلامهم : ثمّة من يحلم بديمقراطيّة ما وبحرّية ما.
هي الصّورة وأنت تراها لا تكاد تفقه منها تواجد دولة بمؤسّساتها وأجهزتها الأمنية والسّياسيّة. وهي "حلقات" تشكّلت كردّة فعل سريعة إثر انهيار النظام الــ"بن علوي" الذي يثبت بقوّة ديكتاتوريّته عبر فرار رأسه على إثر أحداث جانفي التّونسيّة وعبر تداعي الأمن بفراره.
تمرّ الليلة الأولي في استغراب وعدم تصديق. هل نحن فعلا مهدّدون؟. ممّن؟. الأمر يصبح أكثر جدّية كلّما تعالى الرّصاص في الفضاء القاتم وكلّما توافدت الأخبار من هنا وهناك وكلّما حلّقت المروحيّات. بين الهجمة والأخرى يزداد اقتناع أفراد تلك اللجنة بإمكانية السّقوط في أيّة لحظة. وبين الهجمة والأخرى يطلع وسط تلك الحلقة خطاب مهدّئ وآخر مقلّل من أهمّية ما يجري وآخر مصطنع لشجاعة ما وآخر مشبّه للحال الليليّ التونسيّ ببعض التّجارب التي جرت هنا وهناك من العالم.


-2-

أثناء الليلة الثّانية يبدأ نوع من تذاكر أخبار اللجان المجاورة. ها هنا غاب الحيّ وغابت المدينة والدّولة، لاشيء منها سوى ما يحلّق في السّماء من جيش مفترض وفي الأخبار عن مخاض لأجل دولة أو سلطة مفترضتين بدورهما. إلا أنّ الأمر يزداد طرافة باتّضاح تلك الصّورة فكأنّنا نقرّب الكاميرا من كلّ فرد على حدة في تلك الحلقة "لجنة الحي" المفترضة. نحن أمام كلّ فرد من تكوينه إلى قناعاته ومبادئه ونقوده وتحاليله وحتى حياته الخاصّة. ها هنا تبدأ ليلة الحراسة بأن تكون أكثر ألفة وهنا تصبح لجنة الحراسة تلك أكبر وأوسع من أهدافها وحتّى من الأسباب التي كانت وراء انعقادها وتشكلها. هي لجنة حوار واحتكاك أعمق وتعارف حقيقيّ.


-3-
في تلك اللجنة يقف بعصاه الفنّي والعامل والجامعيّ والمدرّس والتلميذ والطالب. الآراء متضاربة والخطابات تزداد تصاعدا لكن لا أحد ينفصل أو يحيد على الدّائرة التي حول النّار (الدّفء والضّوء) ولا أحد لم يبق واحدة من عينيه متيقّظة على طارئ ما قد يهدّد تلك الدّائرة وذاك الحوار وتلك الألفة ومن بعدها ما يسمّى في تونس "الحومة" أو "الحارة".
أثناء هذه الليلة بدا واضحا أنّ كلّ فرد قد اطّلع وحاول الخروج بما يكفي من معلومات ومعطيات وثقافة (ثوريّة، سياسيّة إلخ…) لأجل الإدلاء بها أثناء واجب "مسك العصا". لقد تمّ الاستشهاد بعديد المفكّرين والسياسيين والوقائع التاريخيّة. وهنا تدخل العصا لغة الإشارة أو تصبح معبّرة عن الثقة في النّفس ونوع من الكاريزم الذي يبرز فجأة عبر تحريكها بتفاعل وانفعال.
 في سماء النّار يعلو الوطن "تونس" ويخرج أولئك الأفراد من لجنتهم الضّيقة إلى رحابة "الوطن"، الكل متأهب ليحرس "متاع" اللجان المجاورة. التّاريخ القريب بدوره حضر كنقطة مشتركة لامعة. الرّموز تبدأ هي الأخرى بالتشكّل لتلتحق بما يشبه الملكيّة الوطنيّة المشتركة : من "سيدي بوزيد" إلى "محمّد البوعزيزي" إلى "الثّورة"، "الانتفاضة"، "الياسمين الأبيض التونسي"…


-4-
في الليلة الرّابعة وقد زال الاضطراب الأمنيّ وقد قلّت المروحيّات وصوت طلق الرّصاص ورغم ذلك كلّه لم يختر أفراد اللجنة العودة إلى بيوتهم المتفرّقة. كان هناك ميل كبير إلى الاشتراك ومواصلة اقتسام الليل. قدّت النّار بينما تناقصت العصيّ أو مالت أو تمّ التخلّي عن عنجهيتها لصالح الاتّكاء عليها أو تمّ إلقاؤها على الأرض (ولم تكن أفعى تسعى).
هل نحن أحرار أخيرا؟. هل نصدّق ذلك؟. هل يمكن توجيه نقد إلى الدّولة أو أحد رموزها ورؤوسها أو إلى أساليب تسييرها؟. هل هي ديمقراطية وفق المثال الفرنسي أو الألمانيّ أو الأمريكيّ؟.
إن نعم… فلقد نجحت "الثورة التّونسيّة".
هل هي ثورة الكادحين أم الياسمين أم هي ثورة "الصبّار" البوزيديّ كما قال أحدهم أم هي كلّ هذا؟. هل من تمثيل ما لهذه اللجان التي شكّلت بإرادة طارئة لتتعلم في مدّة وجيزة معنى حقيقيّا للوطن المتّسع لكل هذا الاختلاف ؟. هل من حوارات أخرى بين أفراد تلك اللجان؟. الحال أنّهم ولأوّل مرّة يستبيحون -إن صحّت عبارتنا- مواضيع ذات منحى سياسيّ بكل تلك الحرارة والجرأة.
هذه لجان قامت أو شاركت على الأقل في الثّورة. وقد وقفوا حول نار "الحومة" بتنوّعهم وتفاوتهم في التكوين والرّؤى والثقافات ثمّ وفي السياسة (حديثا)، تسكنهم طاقات متنوّعة ومختلفة. من سيمثّلهم سياسيّا واجتماعيّا واقتصاديّا؟. من سيتحدّث باسمهم أمام الجهات الرّسميّة؟. من سيقول أنّ هذه الثورة كانت خالية من رؤى سياسية أو ثقافيّة وأنها كانت ذات مطالب اجتماعية لا غير؟. من سيقول أنها ثورة لم تمتلك درجة من لوعي والرؤى الواضحة؟. من سيفرغها من فلسفة ما ومن شعر ما ومن فنّ ما؟.
من سيحاول ركوب هذه الثورة وهل هم نفس من ركب جور النظام الماضي؟.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق