ليبراليّة، ثورات، إعلام

في السّنواتِ العشرين الماضيةِ. تمّ تغييرٌ هامّ على الرأسماليّة العالميّة، فمع انهيار المنظومة “الاشتراكيّة ” وبروز النّزعة الاستهلاكيّة. نشأتْ ليبراليةٌّ جديدةٌ، تتشاركُ مع بعض مفردات الليبراليّة التّقليديّة في اعتمادها على سوق الرّأسمال الحرّ كما أنّ الدفاع عن قيم الحريّة لازال موجوداً ومكفولا. لا يستطيعُ أي شخص في الغرب الوقوفَ ضدَّ الحريّةِ أو الديموقراطيةِ اليوم. وهي في الواقعِ تعتبرُ قيم المجتمع الليبرالي الأساسية.

 من خلال الصّراعِ الذي نراه، والذي نعيشُه على أرض الواقع في الكثيرِ من دول العالم، ومن خلال عدم الاستقرار الذي تسبّبتْ به الأزمة الاقتصادية في الغرب، نرى أنّ السّياسةّ الدولية، والتي من المفترضِ أنّ واجبها “كأمميّة ليبرالية” السّعيّ لفضّ النّزاعات في العالم بالطّرق السلمية، كي تتماهى معَ قيمِ المجتمعِ الحر. نراها قد بدأت السّيرَ في نهجٍ جديدٍ بعيدٍ عن الدّيموقراطية، ولم تعدْ تهتمّ بالسّعي إلى الرّفاه. حتّى أنّ شعوبها باتت لقمة العيش عزيزة عليهم.

إذا كانتِ الليبراليةِ تنادي بانسجامِ المصالحِ الضّروري بين الفئاتِ الاجتماعية المختلفة، في الوقت الذي يعتقدُ فيه النّهج الماركسي بالصّراع الطبقي. نرى أنّ النّهج الماركسي حول الصراع أقرب إلى الواقع، لا يوجدُ انسجام في المصالحِ في المجتمعاتِ الليبرالية. هناك من يروّجُ للأممية الليبرالية ويستعرضُ فوائدَها في عصر العولمة الذي من المفترض به أن يسيرَ بالعالم نحوَ التّحرر من كلِّ القيود بما فيها القيودُ الاقتصادية.

سكتَ الليبراليون الجددُ عندما تمّ انتهاكُ حقوقِ الإنسان في دول العالم الثالث، أو ما يدعى بالعالم “النّامي”، ففي مجتمعِ السّوق لا مكانَ للعاطفة والمشاعر الإنسانية و”الغاية تبرّر الوسيلة” عند الأنظمة الليبرالية الجديدة. أصبحَ القادةُ في النّظام الدولي الجديد يلاحقون مصالحَهم الخاصّةَ على حساب الآخرين. يتابعون مصالحَ معينةً في أوقاتٍ معينةٍ، أفسدوا قدرةَ الإنسانِ الطبيعيةِ، وميلَه للحرّية كما دمّروا الشّعور بالرّحمة والإنسانية لديه، أصبحتِ الدوافعُ الأساسية مغلّفة بطابعٍ إنسانيّ ومحاطة بالغشّ من قبل “أسياد المجتمع”

إلغاءُ الحروبِ والصّراعات هي نقطةُ انطلاق النموّ الأخلاقي للإنسان. فكيف يمكن للمشاعر أن تنموَ في ظلّ القتل والتدمير؟ 

هل ستتمّ المحاولة جدياً، وبحسن نيّةٍ لمعالجة أمر الحروب؟

يجري التّحايل على الموضوع. فكلّما هدأت النزاعات في مكان. أججتها مافيوزات السّلاح في مكانٍ آخر، الشّعوب المكبوتةُ تنفجر. لم يعدْ يعني الموت لها شيئاً، هي دائماُ على حافّته. لذا تثورُ، ومع كلّ ثورة يزدهر نشاطُ أمراء الحرب وتجّارها. وبينما تحصدُ آلة الحرب الفقراء في الدول التي يتم النزاع فيها، يقوم هؤلاء التّجار – سادة العالم – بتحويلِ أنظارِ المجتمعِ بطريقة تخدم مصالحهم المادية، أرواح البشر تعني لهم المزيد من الرّبح. فمن يملك المال يملك السّلطةَ، ومن يملكُ السّلطة يستطيع أن يملكَ الحقيقة، أو ما يدّعي أنّها حقيقة بطرق مختلفة من أهمّها وسائل الإعلام .فوسائل الإعلام أيضاً تخضع لمفهم الحرية الاقتصادية والتنافس، وفي كلّ يوم يتكشّف لنا فضيحة إعلامية.

الشخصيات الكبرى في المجتمع هي التي تملك المال والسّلطة. كما تملك الإعلام

هل يسمحُ المجتمعُ للعامّةِ امتلاكَ الحقيقة؟

بالطّبع. لا من أينَ للعامّة أن يدركوا الحقيقة، وهم بالكادِ يحصلون على المعرفة الأساسية لاستمرارهم في العيش؟

يسيطر الإعلام اليوم على مسامعنا وعيوننا وقراءاتنا، وحتى على أنفاسِنا. يقدّمون لنا المعلومات المغلوطة. عن سابق إصرار وفق سياسة الوسيلة أو المؤسّسة التي ينتمي إليها الإعلاميون. يصمّون آذاننا بالضّجيج، الأغلبية منهم يفهمون اللعبة جيداً، من أجل كسب لقمة العيش، فالإعلامي هو أوّل ضحية للإعلام. يتعرّض للخطر، وفي كثير من الأحيان للقتل

 هل هذه هي الأخلاق؟ أن يتحكّم بنا من بيدهم مفاتيح الإعلام في العالم. تواجهُ الحقيقة بوسائل الإعلام ولا يمكن الاستهانة بذلك.

يستخدمُ “قادة العالم الجديد” وسائل الإعلام من أجل التّلاعب في الحقيقة وتحويل انتباه الرّأي العام عن القضايا الهامة والتّغيرات التي تقرّرها النّخب السّياسية والاقتصادية، من خلال أساليب مختلفة منها:

تكرار المعلومات وإعطاء كمية كبيرة منها غير ذات أهمية كي تتمّ السّيطرة على الرأي العام والمجتمع من خلال تحويلِ انتباهه عن التغييرات والقضايا الهّامة إلى قضايا غير ذات أهميّة من خلال كمية المعلومات التي تضخّ، والمقابلات، والتحليلات الفارغة المضمون، وتبقى الحقيقة بين أيدي السّادة. فلو عرفتْ أغلبية الناس الحقيقة لتغيّر الرأيّ العام، يحاولون أن يبعدوا الأغلبية من الوصول إلى المعرفة الأساسية في كلّ مجالات الحياة، ليحافظوا على الرأي العام مشغولاً بقضايا السّوق، وغارقاً في الجهل. يشرفُ عل تلك السّياسة متخصّصون في علم النّفس، والاقتصاد، والمجتمع. أحياناً يقومون بخلق مشكلة.

ثم يوهمون المجتمع بأنّهم يسعون لحلّها، عند خلقِ المشكلة يجدُ الناسُ أنفسهم في مواجهتها. يتحوّل ذهنهم تلقائياً إلى التّفكير بها، فخلقُ أزمة اقتصادية معيّنة ربما يؤدي لقبول التراجعِ في الخدماتِ الاجتماعية الأخرى، وخلالَ تقديم الحلّ. يتمّ السّير بخطواتِ بطيئة، ويصبحُ الذهن مستعدّاً لقبول الأسوأ، فيتمُّ إعطاءُ جرعاتٍ مهدئة يستمرُّ مفعولها فترة من الزمن.

أصبحنا نرى المتسوّلين في الغرب، تعودنا على مفهوم البطالة والعبودية، وعدم الاستقرار. بدأنا نناقش أنفسنا بأهميةِ القيم الإنسانية. وننظر إلى القرارات الأممية أو المحلية كما يسوقونا لن على أنّها “ضرورة مؤلمة”. يعدوننا أنّ كلَّ شيءٍ سيكونُ بخيرٍ في الغد، نعتادُ على الوضع ونحاول الثبات في أماكننا دون جدوى.

يستخدمون المفرداتِ العاطفيةَ التي لا معنى لها. كي يتعوّدَ لا وعينا عليها كتقديم صورة الوطن كمفردةٍ مجرّدة من المضمون. يستعملون المفردات التي تشحن العواطف للسيطرة علينا واستعبادنا.

هناك فجوة كبيرة في التعليم بين الطبقات الاجتماعية الفقيرة وبين النّخب، لذا يتمّ الأمور الرديئة على مبدإ: “الزمن كفيل بحل الأمور”. ثم نلوم أنفسنا لأنّنا لم نعرفْ اختيار طريقنا.

مع تقدّم العلوم السّريع تتسّعُ الفجوةُ بين المعرفةِ العامة في المجتمعات وتلك التي تملكها وتشغلها النخب المهيمنة على العالم من خلال الشركات المتعددة الجنسيات.

والمافيات والتي تحاول الحفاظ على طبقة تشبه العبيد. يعملون في قطاع الخدمات كالمطاعم والتّنظيف حتّى لو حملوا شهادات جامعية عالية. نرى بأعيننا آلاف المهاجرين إلى الغرب من حملة الشّهادات يعملون في الخدمة، ويرفضون العودة إلى أوطانهم الأم خوفاً على أولادهم.

إذا كانت الليبرالية الجديدة تفعل ذلك في دول الغرب التي تعي قيم الحريّة، فإن أداءها في البلاد العربية أشدّ منافاة لتلك القيم. حيث لا أقتصد، ولا صناعة. تصنعُ الدكتاتور ثمّ تقتله. تصنعُ الإرهاب وتطلبُ محاربته. طفح الكيل بالشّعوب العربية التي تعيش في العشوائيات وتحتَ خط الفقر الأخير، حيث التّجهيل والإفقار. ثارتِ الشّعوبُ على الظلم. دخل الغربُ على الخطِّ وأفرغ الثورات من مضمونها، وبدلاً من أن تتّجهَ للبناء. اتجّهت للصّراعات، وفي سورية اتجهت للدّمار الكامل.

 ما ذنب الشّباب سواء حتى لو كان جهادياً أن يقدّم حياته؟

 وأين ثقافة الحياة، والإيمان بها؟

ومن تسبّب في هذا الكمّ من الانتحاريين الإسلاميين حول العالم؟

هل القتلُ بواسطة طائرة دون طيار هو من ضمنِ تلك الثقافة، أم أنّ تأمين الحد الأدنى للمعيشة عن طريق بناء الاقتصاد وزيادة وعي الإنسان، وتدريبه على ثقافة الحياة؟

الثّورات التي “نجحت” في الدّول العربيّة. تقفُ عاجزةً عن تقديم حلول مجتمعية. الرؤساء الجدد، والحكومات الجديدة تتماهى مع الليبرالية الجديدة. تعود بالمجتمع إلى ما قبل التّاريخ. وبدلا من حلّ الأمور الاقتصادية. يناقشون جسد المرأة، ويسجنون فكرها، ويرغبون أن تكون جارية عصرية. لا تجيد الفن والأدب. ويعتقدون أنّ عيناً واحدة تظهر من النّقاب كافية لها. والسؤال:

هل يجب علينا القبول بالدكتاتورية كي لا يحدثَ ما حدث؟

بالطّبع لا. لم تكتملِ الإجابة. هي برسم المستقبل، والمستقبلُ تصنعُه الشّعوب.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق