ليبيا وأمثلة للمستقبل / عباس بيضون

انطفأ القذافي لكن هذه ليست النهاية. الآن نسأل عن أبنائه. لقد انتشروا في الجزائر والنيجر وربما في بلاد أخرى. القذافي لم يكن فرداً ولم يحكم كفرد. كان صاحب عائلة وحكم كعائلة. لم يكن وحده الديكتاتور. كانت هناك ديكتاتورية البيت وكان معه في الحكم سيف الإسلام والساعدي والمعتصم وهانيبال. يمكننا هكذا أن نميز ديكتاتورية من ديكتاتورية. في ليبيا حيث لا دولة لم يكن هناك سوى آلة الطغيان. كانت هناك ديكتاتورية على لا دولة. عسف بحت. عنف مطلق السراح. استبداد حر. فرقة إعدام تحكم. مزاج مفلت. ساعات نحس وساعات سعد وكل يحكم بحسب ساعته. لم يكن لهتلر عائلة ولا لموسوليني وحتى فرنكو الذي ودّع الحياة ديكتاتورا لم يترك عائلة. في ليبيا، يقال ان منظّر العقيد قريبه وهكذا يمكن لكل شيء أن يتم ضمن العائلة. قريب وقع على نظرية الغاء الدولة. هكذا وصلنا إلى انارشيه العائلة والعشيرة. لم يبق على العقيد الا ان يعين حماره قنصلاً. هكذا نقع على الطغيان وقد استحال إلى لعب وإلى سخرية من نفسه وإلى عبث كامل. لا بد ان استبداد القذافي كان على هذه الحافة. لم نعلم إلى أي حد يزدري القذافي الشعب الا حين رأينا ابنه سيف الإسلام على التلفزيون. لم يتحدث سيف الإسلام عن شعب وانما تحدث عن وقود للقتل، عن برك من الدم وعن استباحات بلا حصر.

 

كان يمكن ان نفهم انارشيه العشيرة. انها لعب بالدم وسخرية دموية، يمكننا هنا أن نقارن انارشيه العشيرة القذافية بسلمية التحرك اليمني، في بلد عشائري قلما ينتمي فيه فرد إلى غير دم عشائري. مع ذلك فإن سلمية التحرك المثابرة والمصرة تميز هنا السياسة من القرابة وتسعى إلى أن لا تختلط الاثنتان وإلى أن لا تتدخل القرابة في السياسة. سلوك أقل ما يقال فيه انه واع وراق. لم يكن القذافي ليجد فرقا بين الغاء الدولة وتنصيب العشيرة. لقد أضاف الأنارشيه العشائرية الى الشيوعية العشائرية في اليمن الجنوبي. هكذا يجري اسقاط العصر على العشيرة وتجري عصرنتها وإدخالها، كما هي وبما هي عليه، إلى العالم. يصر الثوار اليمنيون على ان لا يقحموا العشيرة في نضالهم. يكلفهم ذلك مشقة كبيرة، إذ يجعلهم هدفا حراً لسلاح قد يكون هو الآخر عشائرياً وقد يكون من غاياته استفزاز عشائريتهم لكن هذا الحذر الواعي وهذا التجنب الأخاذ لفخ العشائرية، يرينا ان العشائر ليست واقعا لا يمكن تجنبه. لقد تكفلت الميديا العالمية والوعي العالمي والحسابات العشائرية نفسها بتحذير أبناء العشائر منها. في التجنب اليمني للفخ العشائري بصيص أمل في أن لا يطابق الوعي المنبت وأن يكون للوعي مجرى آخر غير الذي يفترضه المنبت ويفترضه المصدر الاجتماعي. رغم ذلك فإن في تقصد حاشد وشيخها من قبل علي عبد الله صالح ما يريب وما يثير الحذر.

 

ليبيا التي تركت بلا دولة. تركت هكذا لعسف حر ولفوضى بلا حدود ولتحكم كل صاحب سطوة وكل قادر على التحكم. ليبيا هذه المنهوبة الثروة والتي كان أول ما فعلته العائلة وضع اليد على ثرواتها النفطية وغير النفطية. ليبيا التي رغم غناها لم تجتهد العائلة الحاكمة لتبني فيها مستشفى بمعنى الكلمة او جامعة او مدرسة، ولم تجتهد العائلة الحاكمة لتشيد فيها بنية تحتية لائقة. ليبيا هذه المحرومة من حرياتها والمحرومة من ثرواتها والمرحومة من كل عنصر حيوي ومن كل شرط أساسي للحياة. ليبيا التي تركت نصف قرن تقريباً لمزاج جنوني وسطوة عائلة رهيبة ولشطحات ونزوات أشخاص غير مسؤولين. ليبيا التي لم يكن فيها سعر للإنسان ولا سعر للرأي ولا سعر للحياة. ليبيا التي تحتاج إلى الحد الأدنى من كل شيء، الحد الأدنى من الدولة والحد الأدنى من القانون والحد الأدنى من الحريات والحد الأدنى من الحقوق والحد الأدنى من الخدمات والحد الأدنى من البنية التحتية والبنية الفوقية، الحد الأدنى من الرعاية والحد الأدنى من العلم والطب. ليبيا هذه يبشر رئيس المجلس الوطني فيها مصطفى عبد الجليل أهلها بأن من الآن فصاعداً من حق كل واحد أن يتزوج أربع نساء. لم يجد عبد الجليل في الشريعة ما يبشر به سوى مسألة الأربع نساء هذه التي اشترط كتاب الله لها العدل وحكم بصعوبة العدل وشبه استحالته. وجد رئيس المجلس الوطني أن الليبي محروم من هذه الأربع نساء ويشعر بأن حقه فيها سيستعاد. لا نعرف أين يحل مصطفى عبد الجليل مسألة الأربع نساء هذه، أهي بالنسبة له أولوية مطلقة، أهي حيوية إلى الدرجة التي يطرحها فيها قبل ان يباشر بناء الدولة ووضع الدستور وإذاعة القوانين. أهي عنصر رئيسي في بناء الدولة وبناء المجتمع وبناء المستقبل. أهي من الإلحاح على الليبي وعلى مستقبله وعلى واقعه بحيث تغدو في الصدارة. هل فرغ الليبي من كل شيء وتملك حريته وسيادته وكرامته وباتت له قوانينه ودولته وبات له مستشفاه ومدرسته. ولم يبق عليه الا مسألة الأربع نساء. هذه التي أباحها الدين ولكن بشروط صعبة وشبه مستحيلة.

 

لم يكن القذافي فيما نظن ملحداً ولم يؤسس دولة الحادية ولا حتى دولة علمانية فهو لم يؤسس دولة على الاطلاق، ولا نعرف ان في ليبيا قانونا لنعرف اذا كان الزواج المتعدد مباحاً أم ممنوعاً. ويذهب مصطفى عبد الجليل إلى انه بذلك يراعي الشعب وحاجاته. ما نعلمه عن هذه المرأة التي صرخت علانية، وبدون خشية، وبجرأة وكبرياء انها تعرضت للاغتصاب من قبل كتائب القذافي. ما نعلمه ان عدداً من الشبان تقاطروا يعرضون عليها الزواج وأنها في النهاية تزوجت أحدهم. هذه المرأة أعطت مثلاً للكبرياء وللترفع وأعطى الشبان الذين تقاطروا يخطبونها أمثلة على الوعي والحرية. هذه المرأة ومن أكبروا فيها جرأتها هم ممثلوا الشعب الليبي الحقيقيون وهم أمثلتنا للمستقبل. أنقول لهؤلاء ان أشد ما هم بحاجة إليه هو الزواج المتعدد وهو امتلاك الأربعة نساء. من يملك من الليبيين اليوم حلم الأربعة نساء هذا سوى المتبطلين، سوى طفيليي المجتمع ومشايخه ولا أظن ان الشعب العادي، الشعب الفقير الذي نهبت حقوقه من قبل حفنة من الناس. هذا الشعب البسيط لا يحلم بالأربعة نساء، ثم ان الثوار، ثوار مصراطه وغير مصراطه الذين قدموا أنفسهم للتضحية والذين حلموا بالحرية وبالمساواة والأخوة. هؤلاء الثوار الذين استحقت الحرية في أعينهم بذل الروح والحياة، هؤلاء لا أظنهم يحلمون بالاستبداد بأربع نساء وبتأسيس ديكتاتوريات عائلية محدودة، هم الذين قاتلوا الديكتاتور. لا أظن أن هؤلاء الذين تسابقوا لخطبة المغتصبة فقراء الخيال وفقراء الروح إلى هذا الحد.

 

عن ملحق السفير الثقافي 4/11/2011

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق