ليلة روزلين: فصل من رواية “زمن الخيول البيضاء”

تنشر الأوان فصلا جديدا من الرواية الأخيرة “زمن الخيول البيضاء” للشاعر والروائي الفلسطيني إبراهيم نصرالله، وهي السادسة من روايات مشروعه الروائي “الملهاة الفلسطينية” الذي يعمل عليه منذ عام 1985.
تغطي الرواية الجديدة أكثر من ستين عاما من الحكاية الفلسطينية، بدءا من نهايات القرن التاسع عشر حتى عام النكبة، وستصدر في شهر أكتوبر المقبل، عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت.
—-
تلَّفت نحو الغيم وبصق، عادت البصقة نحوه، تحملها الريح، انعطف فجأة، رآها تطير محاذية كتفه وتحط على حذاء سليم بيك الهاشمي.

نظر سليم إلى حذائه، ثم نظر إلى الضابط.

تجمّدت أعينهما الجافة الباحثة عن كلام يقال في هذه اللطخة المبتلة.

كان سليم بيك الهاشمي على وشك أن يفتح فمه، حين تلقى تلك الضربة المفاجئة من هراوة بترسون، ضربة صاعقة كان يمكن أن تُطيح برأسه لولا أنه مال في اللحظة الأخيرة فتلقاها بذراعه، دارت به الدنيا وهوى. صرخ رشيد عدنان الرجل السبعيني ببترسون: ما الذي تفعله، ألا تعرف مع مَنْ تتعامل؟!! وعندها، تلقى رشيد ضربة على رأسه، فتناثر الدم في كل الاتجاهات ملطخا ثياب سليم بيك الهاشمي، وفي اللحظة الأخيرة تلافى بترسون قطرات الدم الطائرة وقد رآها تتجه نحوه ببطء أدهشه.

تركهما وسار في طريقه، وحين سمع صيحات الاستهجان والشتائم تنطلق خلْفه، توقّف حدَّق في الغيمة السوداء ثانية، فكر بأن يبصق، لكنه بدل أن يفعل ذلك عاد إليهم. أغار كثور هائج مشتتا الحشد ومُنزلا الضربات كيفا اتفق غير عابئ بشيء، كان يركض خلفهم وقد امتلأ بأحاسيس غريبة وهو يراهم يتساقطون واحداً إثر واحد، ويسمع ولولة جراحهم خلفه، ولما توقف أخيراً، وقد غدت المساحة التي تفصله عن الناس كبيرة، بصق، مدركاً أن الريح ستحمل بصقته إليهم هذه المرة دون أخطاء.

في طريق عودته لم يسلَم أحد ممن سقطوا من ضربة ثانية أو ثالثة تلصقه بالأرض، وعندما وصل إلى سليم بك الهاشمي توقّف وبصق ثانية.

الشخص الوحيد الذي كان مزهواً طيلة الأيام التالية بيده التي عُلِّقتْ في عنقه، كان سليم بيك الهاشمي، الذي تحلَّق الناس حوله مستنكرين جريمة بترسون، وكانت تلك مناسبة غير عادية لكتابة أكثر من رسالة احتجاج للمندوب السامي، وكتابة أكثر من مقال ناري كان أشهرها بعنوان (عودة الوحش إلى الشوارع).

حاول الطبيب أن يقنع سليم بيك الهاشمي بضرورة نزع الرباط عن يده، وحين فعل أخيراً، قال له: ولكنها لم تزل تؤلمني! فقام الطبيب بوضع رباط أبيض جديد.

قبل وصول نهار اليوم التالي إلى منتصفه، كان خبر سهرة الليلة الماضية قد تحوّل إلى حديث المدينة. وحين أطلّت الصحف بعد يومين، كان هنالك أكثر من مقال يشير بوضوح ويتحاشى ذِكْر الأسماء.

كان حاكم اللواء قد سمع بما حدث لسليم بيك الهاشمي، فأرسل إليه باقة من الزهور مصحوبة بورقة اعتذار وتمنيات بالشفاء العاجل. وصول تلك الزهور أيقظ عدداً لا يحصى من الأفكار المتضاربة في رأس الهاشمي، لكن أهمّها كان إرسال رسالة عتب غاضبة لحاكم اللواء، الذي التقطها سريعاً وقرر إقامة سهرة يدعو إليها عدداً من الزّعامات والوجهاء والشخصيات العامة وتكون على شرف الهاشمي نفسه.

فكر الهاشمي بالصّورة التي يجب أن يدخل بها بيت حاكم اللواء، هل ينتزع الأربطة البيضاء عن يده، ويحرر عنقه من ثقلها، أم يمضي إلى هناك بها؟ اختار الحل الثاني. وكما توقَّع، كان لظهوره باليد المعلقة سحر خاص، وأحسّ بدوره أنه يدخل ذلك البهو الفسيح كأي محارب عائد من المعركة. لقد استطاع اصطياد عصفورين بحجر واحد، إذ أرسل رسالة لأصدقائه وخصومه من الحضور بأنه يجيء إلى بيت الحاكم برأس مرفوعة، وأرسل رسالة للحاكم بأنه يُكنُّ له من الاحترام ما يجعله يتغاضي عن تلك الإهانة تقديرا له.

أحاديث الساعة الأولى انصبَّت حول الذراع، الألم الناتج عن الإصابة، الموعد المتوقّع لإزالة الرباط، وما إذا كان الهاشمي قد أخذ أكثر من رأي طبي حتى يطمئن أكثر، وهل (لا سمح الله) هناك أي مضاعفات مستقبلية.

كان الهاشمي يستمع إلى ذلك كله ويجيب وعينه تتابع الحضور، وهو يفكِّر في مَن حضر وفي من تغيَّب، ويجري حساباته السريعة الخاصة حول أسباب الحضور وحجج الغياب وأسبابها الفعلية.

أما حاكم اللواء فلم يكن كريماً وسعيداً في أي يوم من الأيام، كما كان في تلك الليلة، تحرَّك بخفة وجذل واضحين وعيناه الصغيرتان مضاءتان ببريق عجيب، تأمل الحضور وسمع ضحكاتهم بانتشاء، فقد كان مثل الكثيرين من ضيوفه، العرب واليهود، يدرك أن سنوات (الاضطراب) السوداء الأربع الماضية قد انتهت وأن بإمكانه، مثلهم، أن يستريح قليلا.

البرنامج الحافل الذي افتتح بتلك اللقاءات الحرّة التي تخللها تبادل الكثير من الأنخاب، عاد ليتجمَّع في كلمة مختصرة بالعربية، رحَّب فيها المضيف بالحاضرين وبضيف الشرف وأنهى كلمته بتلك الدّعابة: لست طبيباً، ولكني أعدكم، قبل أن تنتهي هذه السهرة سيخرج مستر هاشمي بيد سليمة من هنا إلى بيته!!

ضحك الجميع بمن فيهم صاحب اليد المعلقة، وبعد لحظات راح يقلِّب الدّعابة على وجوهها باحثاً عما فيها من معان خفية.

بدأت الفرقة الموسيقية التي أحضرها حاكم اللواء بعزف عدد من المقطوعات الموسيقية، ولدى وصولها إلى منتصف مقطوعة (ذا دراغون أف ألكالا) حدثت المفاجأة الكبرى التي لم يكن يتوقعها أحد: وصول مدام روزلين متأبطة ذراع حاكم اللواء الذي كان في انتظارها أمام الباب. بمجرد أن اختلط إيقاع خطوتها بموسيقى (بيزيه)، تغيّر معنى المقطوعة، إذ بدت روزلين وكأنها الآلة الموسيقية التي كانت تلك الفرقة بحاجة إليها لتقدِّم بيزيه كاملا في تلك السهرة.

كانت مدام روزلين حديث الطبقة الرفيعة في المدينة، باعتبارها أجمل امرأة تطأ قدماها ساحل هذه البلاد في نظر الهاشمي، والمرأة التي لو أصبحت ملكة لبريطانيا بدل الملك، لما ترددنا في النزول إلى الشوارع للمطالبة بإلحاقنا ببريطانيا، كما كان يردد رشيد عدنان الوجيه السبعيني لحاكم اللواء كلما جمعتهم سهرة من هذا النوع. أما حاكم اللواء نفسه فقد كان يقول لهم: أظنكم لن تغادروا مقرَّ الحاكم أبداً لو تمّ تعيينها مكاني!!

منذ زمن طويل يتطلَّع سليم بيك الهاشمي لما هو أكثر من لقائها، حاول كثيراً، لكنه في كل مرة كان مضطرا للوقوف عند ذلك الحدِّ الدقيق الذي يفصله عن مدام روزلين.

ما ان انتهت الفرقة الموسيقية، حتى كان الهاشمي قد أنهى الكأس الخامسة. بحيث نسي أكثر من مرة السبب الذي دفعه للقدوم بيد معلقة في كتفه، فراح يحرّكها صعودا إلى ذقنه ليحكَّ أسفلها.

لسهرة طويلة كان حاكم اللواء قد خطط، ولذا، حرص على تأخير موعد العشاء إلى ذلك الحد الذي دفع السيد فخري سلمان أن يقول ضاحكا بصوت عال، موجها كلامه لحاكم اللواء، لم نعرف أنكم دعوتمونا لتناول طعام السحور!

ضحك الجميع، وقال له حاكم اللواء: أعتذر لكم، ألسنا في شهر رمضان؟!!

وضحكوا أكثر..

أدرك سليم بيك الهاشمي أن الليلة ليلته، وباستطاعته أن يتصرَّف بحرية أكثر. راح يسير باتجاه مدام روزلين، وقبل أن يصلها بأربع خطوات اعترض حاكم اللواء طريقه: اسمح لي أن أقدمك لمدام روزلين، فأنت عريس هذه الليلة.

–يا ليتها كانت العروس؟ رد سليم بيك وهو يضحك.

–لا أظن أن هنالك ما يصعب عليك! ثم ما هي الصفات التي تريدها مدام روزلين في رجل ولا تتوفر فيك!

فوجئ سليم بيك الهاشمي أنها مالت عليه وعانقته بحرارة، ثم تراجعت خطوتين وقالت: أرجو أن لا تكون إصابتك كبيرة بحيث تمنعك من أداء كل أعمالك!

–لا، أبدا، بضعة أيام وأنتهي من هذه الأربطة.

–ولكني وعدته أن نخلصه منها هذه الليلة. قال حاكم اللواء ضاحكاً.

–في هذا البيت، كل المعجزات يمكن أن تتحقق. اسألني. أنا التي تعرف هذا. وأطلقت ضحكة عالية زلزلت روح سليم بيك الهاشمي.

حتى الساعة الحادية عشرة والنصف، لم يكن الطعام قد وصل، لكن وجود مدام روزلين قد أنساهم ذلك.

على المقعد الطويل جلست بين سليم بيك الهاشمي وحاكم اللواء. كانت الحرارة المنبعثة من جسدها تلفح الجميع، وتوقد ليل أيار ذاك. كانوا فرحين ومستنفرين ويحسدون الهاشمي بسبب استئثاره بها طوال السهرة. لكن ما حدث بعد ذلك، كانت بدايته مجرد لعبة، أو كلمات لم تكن مقصودة تماماً، فحين مال الهاشمي بجسده نحو روزلين، وأحسّت بذلك، التفتت إليه وقالت بصوت مسموع: مستر هاشمي لم تعد ذلك الشاب!! ألم تتجاوز السبعين؟

–بل لم أصل الستين بعد.

–هذا غير معقول. أرني هويتك.

مد يده وتناول الهوية مُحاذراً أن يحرِّك يده المصابة، وناولها إياها، تأملتها. فعلا، لم تزل شابا؟

كانت تلك الكلمات كافية لإعادة الحياة إليه من جديد.

–ما رأيك أن نلعب لعبة إذن، وإذا فزتَ بها، أعدك أمام الجميع أن تكون الليلة ليلتك. مستعد؟

نظر الهاشمي إلى وجوه الحاضرين، كانوا قد صمتوا فجأة، كما لو أنهم أمام فرقة إعدام، وقد بدأ كل منهم يفكر: هل سيكون الهاشمي أول شخص من بينهم يحظى بها فعلاً.

أدرك بعينيه الزائغتين أن حسد العالم كله قد تجمّع في تلك الصالة.

–ماذا قلت؟ مستعد؟

نظر إليها الهاشمي وقال: مستعد!

أمسكت ببطاقة هويته وألقتها بعيداً في آخر الصالة.

–ماذا تفعلين؟

–إذا استطعتَ أن تُمسك بها بأسنانك وتعود بها إلى هنا وتناولني إياها فأنا لك؟

–هذا غير عادل؟ صاح السيد عزيز باشا وقد بدا أكثر الجميع ثمالة.

–ماذا تقترح؟

–أقترح أن يكون دخول المسابقة من حق مَن يريد.

–لا، هذا ما لا أستطيعه. قالت مدام روزلين. بهذه الطريقة ستحرمونني من فرصة انتقاء الشخص الذي أريد أن يكون جائزتي أيضاً.

–لنحدد عمر المشاركين في المسابقة إذن، أهذا يرضيك؟ قال حاكم اللواء.

–دعني أفكر؟ قالت روزلين. وهي تتأمّل وجوه الحضور ثم هزَّت رأسها: أنتم تقولون بالعربية (أمري إلى الله) أليس كذلك؟

هزوا رؤوسهم، وقد كان لحديثها بالعربية سحره الخاص.

–إذن، أمري على الله، ولكن لن أقبل أي شخص يزيد عمره يوماً واحداً عن عمر مستر هاشمي. موافقون؟

–موافقون.

وظهرت الهويات كلّها.

كان سليم بيك الهاشمي من مواليد 16 أُكتوبر 1882، استبعد حاكم اللواء الذي أصبح الحكَم أيضاً، كل من ولدوا قبل ذلك اليوم، تعالت صرخات الاحتجاج حين تبين أن أربعة فقط كانوا أصغر من الهاشمي.

–أعدكم. قال حاكم اللواء. أعدكم أن تكون المسابقة في المرة القادمة لمن هم أكبر قليلاً. دعونا نتوِّج سعادتنا باختيار الفائز في هذه الليلة السعيدة.

تأملت روزلين المشاركين في المسابقة، لم يزل الهاشمي أجملهم فعلا، فهو الأطول والأكثر بياضاً ولا يمكن للناظر إليه إلا أن يقع في سحر امتداد شاربيه الرائعين. قالت: ولكن لي شرطاً وحيداً هو أن نربط أيدي المتسابقين وراء ظهورهم.

–لا أستطيع أن أفعل هذا، أنت تعرفين. قال الهاشمي غاضباً.

–أنت غير مضطر لذلك، لكن على البقية أن يفعلوا ذلك.

–لماذا لا تطفئون الأضواء أيضاً، ستكون المسابقة أكثر إثارة. قال حسن باشا.

–من يريد الرقص في العتمة فليرقص وحده. قال السبعيني رشيد عدنان وكأنه ينتقم من المتسابقين

–معك حق. نحن هنا لنفرح؟

–إذن يجب أن تحددوا وقتا للمسابقة وإلا ستفقد معناها. قال عزيز باشا وقد بدا أن نصف سكرته قد طار.

–هذه فكرة رائعة. قالت روزلين.

–نضع الهويات بجانب هوية مستر هاشمي إذن. قال حاكم اللواء.

–لحظة. لحظة، يجب أن يكون هناك شرط آخر. إذا فشلوا كلهم فإن من حقنا الدخول في المسابقة بعدهم. قال زاهر أفندي.

–هذه سنتركها لمناسبة أخرى. قال حاكم اللواء. أظن أن علينا أن نأكل الليلة!! ألم تجوعوا؟

–لا. لا. رددوا معا بحماس.

بدأ السباق بتدافع غير عادي، كان حاكم اللواء قد جلس في الجانب المقابل أمام الهويات مباشرة، وصلوا بسرعة، تصاعدت الهمهمات وارتطام الرؤوس ببعضها البعض، انقسم الضيوف يشجعون المتسابقين، استطاع سليم بيك الهاشمي أن يستغل وجود يد طليقة له، إذ انحنى واستطاع بعد ثلاث محاولات الإمساك بالهوية مستعينا بلسانه، وحين وصل قبل الجميع لاهثا، كان قد نسي تماما أن يده المصابة قد تحررت من رقبته.
اعترض المتسابقون حين رأوا يده الطليقة، أمسكها الهاشمي بيده اليمنى وأعادها إلى مكانها وهو يحاول ما استطاع كتم ألم مزعوم.

أمام الباب، مال حاكم اللواء نحو أذن الهاشمي: أظن أن عليك التخلُّص منها تماماً إذا ما أردت إنجاز شيء يستحق هذه الليلة.

–أتخلص من روزلين؟! سأله وقد بدا ثملاً تماماً.

–لا، من ربطة يدك.

–أوكي. أوكي.

وراحا يهبطان الدرجات باتجاه عربتها المنتظِرة.

بعد الظهيرة بقليل تلقّى سليم بيك الهاشمي اتصالا من حاكم اللواء: طمنّي. كيف سارت الأمور؟

–تمام، إنها نَمِرَة، صحوتُ وإذا بكل قطعة من ثيابي في غرفة!

أغلق السماعة وأتصل بروزلين: كيف سارت الأمور.

–لاحقني من غرفة إلى غرفة وفي كلِّ واحدة منها كان يخلع قطعة من ملابسه، وحين وصلنا إلى السرير أخيراً كان قد نسيَ لماذا يلاحقني فنام.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق