لِمَ تمّ إيقاف مسرحيّة سعد الله ونوس “طقوس الإشارات والتحوّلات”؟
ميشال شمّاس

أوقفت السلطات بتاريخ 31/3/2009 عرض مسرحية “طقوس الإشارات والتحولات” لسعد الله ونوس في مدينة حلب السوريّة بعد اعتراضات من رجال دين على ما اعتبروه “إساءة ومساساً بحق القيم والرموز الدينية”. وكان من المفترض أن تقدم المسرحية عرضين في حلب إلا أنّ عرضها الثاني والأخير في سوريا تمّ إيقافه.

وتنطلق المسرحية، التي كتبها المسرحي الراحل الكبير سعدالله ونوس، من حادثة تاريخية كان فخري البارودي أوردها في مذكراته “تضامن أهل دمشق”، عندما يدبّر مفتي دمشق خلال الحكم العثماني القبض على نقيب الأشراف متلبساً في وضع فضائحي مع إحدى المومسات. وصرّح مفتي حلب إبراهيم السلقيني لوكالة فرانس برس (2/4/2009 ) :” إن كثيرين ممن حضروا المسرحية في اليوم الأول (في حلب) ذكروا لي إنها هابطة وفيها مشاهد لا تتلاءم مع عروبة امتنا وقيمها”، وأضاف انه حسبما نقل المعترضون إليه “الصورة التي ظهر فيها المفتي الشاب في المسرحية فيها إساءة للرموز الدينية وتتنافى مع نظامنا العام”.
وأوضح مفتي حلب أنّه نتيجة لتلك الاعتراضات التي نقلت له “اتّصلنا ببعض الجهات والمسؤولين” ممّا أدى الى إيقاف عرض المسرحية.

واستغرب البعض أن تُثار تلك الاعتراضات على عرض مسرحية “طقوس الإشارات والتحولات” في سوريا مع أنّها كُتبت في العام 1994، كما إنّه سبق أن عُرضت على مسارح عديدة في مصر ولبنان وفي أوروبا على يد عدّة مخرجين غير سوريين، منهم المخرجة اللبنانية نضال الأشقر والألمانية فريدريكه فيلدبك.. ولم يخلّف عرضها في ذلك الوقت أيّة اعتراضات. كما سبق أن عُرضت في مدينة حماه، ومن بعدها قدّمت عرضين في العاصمة دمشق ولم تثر أيضاً أيّة اعتراضات كتلك التي أحدثها عرضها الأخير في مدينة حلب.. ويسأل هذا البعض ما الذي تغير في المجتمع السوري؟

ورأى البعض الآخر أنّ إيقاف عرض مسرحية “طقوس الإشارات والتحولات” لسعدالله ونّوس لم يكن مستغرباً وهو أمر عادي الحدوث، في ظل انتشار الشعارات والإعلانات والملصقات الدينية في الشوارع والساحات وفي وسائل الإعلام التي تخاطب الناس بشكل مباشر، وتدعوهم إليها، يضاف إليها انتشار كبير للمدارس والمعاهد الدينية، وتصاعد نفوذ رجال الدين في السنوات الأخيرة واستحواذهم على اهتمام شريحة واسعة من المواطنين الذين يقبلون على حضور المناسبات الدينية بكثافة، بينما الفعاليات التي تلقى فيها محاضرات علمية وثقافية لا تجد من يتابعها إلا قلّة قليلة، حتّى معارض الكتب تغلب فيها الكتب الدينية والغيبية والطبخ والنفخ..الخ وهذه نتيجة طبيعية لكثرة اللاءات والمحظورات والممنوعات أمام عمل منظمات المجتمع المدني ومؤسّساته المختلفة وفي المقدّمة منها التضييق على نشاط الأحزاب السياسية والنقابات المهنية والعمّالية والإعلام وتدنّي مستوى التعليم وانتشار الفقر والبطالة..الخ.

وكان من الطبيعي أن نرى المواطنين يتوجّهون إلى الكنائس والجوامع والجمعيات والمعاهد والمدارس والحركات الدينية، ليس لأنّها تؤمّن له الغد الأفضل المشرق، بل لكونها فقط أصبحت المجال الوحيد المتاح أمامه الذي يستطيع دخوله دون خوف أو وجل. فيدخل المواطن إلى تلك الجمعيات والمدارس والحركات الدينية، وهو يجهل امتلاكها لأية آفاق سياسية، أو تصورات ذات قيمة، أو أنّها تتحلّى بفكر حديث، ورؤى عصرية يمكن التعويل عليها في حل المشاكل التي يعانيها أو حمايته من الأخطار التي تهدّده، فاستغلّت مشاعر الناس الكامنة والمعادية لثقافة الكبت السائدة، واستغلت أيضاً مشاعر العداء المتزايد للغرب، لتعبئة رأي عام داعم لها في أوساط العامّة من الناس. وقد نجحت إلى حدّ ما في توجيه كلّ تلك المشاعر لمصالحها السياسية الخاصة، واستطاعت أيضاً أن تستقطب بذلك شرائح واسعة في الشارع العام الجاهز، والمخدّر بثقافة الغيب والتغييب، والتعويل المستمرّ على السماء في حلّ كافة المشاكل المزمنة والأزمات المستعصية التي تعانيها مجتمعاتنا. كما نجحت في ملء الفراغ الذي أحدثه فشل المشروع القومي العربي بمختلف تياراته القومية واليسارية في انتشال بلداننا العربية من براثن التخلف والتجزئة ووضعها على سكّة التطوّر والتقدّم.

إنْ لم نمارس حياتنا بحرّية وانفتاح على بعضنا البعض في إطار فكر وسياسة تتّسع للجميع بعيداً عن أي قسر أو إكراه أو إقصاء أو تهميش أو إلغاء، وإن لم نعِدْ بناء وطننا من جديد “كدولة حديثة”، ووطن يكون لجميع أبنائه، وطن يرتكز أولاً وأخيراً على مبدأ المواطنة الكاملة، وعلى أساس الحقوق المتساوية لكافّة المواطنين وتمتّعهم على وجه الخصوص بحرّية الفكر والعقيدة وسائر الحرّيات العامّة والخاصة بصرف النظر عن الدين أو الجنس أو العرق.. فإنّ مصيرنا إلى الهاوية حتماً!!

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق