مآلات أزمة الإعلان الدستوري في مصر/ محمد بسيوني عبد الحليم

 شهدت الساحة السياسية المصرية في الآونة الأخيرة عدة مآزق وإشكاليات، فالصورة التوافقية التي كانت عليها القوى السياسية إبان فترة الثورة لم تعد هي الحالة النمطية، بعد أن ساد الاستقطاب بين أطراف المعادلة السياسية مع وصول رئيس جمهورية محسوب على التيار الإسلامي إلى سدة الحكم، وهو ما مثل إشكالا لدى التيار المدني بمختلف تكويناته. فأصبحت ثنائية المدني والإسلامي حاضرةً في كل الملفات السياسية ليصل الاستقطاب إلى ذروته مع إصدار مؤسسة الرئاسة إعلانًا دستوريًّا يوم 22 نوفمبر 2012، تُفضي بعض مواده إلى تغيير النائب العام الحالي، ومنح رئيس الجمهورية سلطات اعتبرها التيار المدني المعارض توسيعًا غير مبرر في سلطات الرئيس، فيما وجدها الفصيل المؤيد -المحسوب على تيار الإسلام السياسي- تعبيرًا عن مطالب الثورة.

 

سلسلة من الأزمات

 

يمثل النهج الانتقائي في تحليل الأزمات السياسية اقتطاعًا لجزء من صورة مكتملة، ومن ثم فإن تحليل الأزمة الراهنة الناتجة عن إصدار الإعلان الدستوري يتطلب مقاربة تأخذ في الحسبان السياق السياسي العام. ويمكن رصد أبرز ملامح هذا السياق فيما يلي:

 

أولا: انعدام الثقة بين القوى السياسية التي يمكن تصنيفها ضمن تيارين رئيسيين التيار المدني وتيار الإسلام السياسي (مع ملاحظة وجود اختلافات داخل كل تيار) فهناك رؤية تقييمة متناقضة بين الطرفين لم تكن نتاج ثورة يناير 2011، لكن تراكمت عبر سنوات طويلة، وكان من شأنها دعم الاستقطاب بين التيارين خلال الشهور الأخيرة.

 

فالتيار المدني يرى في المشروع الفكري للتيار الإسلامي مجرد رؤية تاريخية أصولية جاوزها الزمن، فالنخب الإسلامية تفتقر للخبرات المطلوبة لإدارة الدولة. فيما يعد التيار المدني من وجهة نظر الإسلاميين ليس أكثر من تيار نخبوي يفتقد للتواصل مع القواعد الشعبية، كما أن مشروعه الفكري شهد استنزافًا واضحًا خلال عقود من الزمن. وانتقل هذا التناقض في الرؤى إلى مستوى آخر عقب إسقاط نظام مبارك، فخرج كل تيار من ميدان التحرير وهو يحمل أفكاره ومعتقداته الذاتية التي تتصادم مع التيار الآخر. بالإضافة إلى الصراع على السلطة، وسعي كل من الطرفين إلى تقديم نفسه على أنه الممثل الحقيقي للثورة.

 

ثانيًا: لا تزال الأهداف الاجتماعية والاقتصادية للثورة مطلبًا أساسيًّا مطروحًا على السلطة التنفيذية الحاكمة حاليًّا. خاصةً وأن الثورة رفعت من سقف التوقعات، فراحت تتزايد بوتيرة أسرع من إنجاز السلطة التنفيذية على مستوى الملفات الداخلية. وخصوصًا فيما يتعلق بإدخال إصلاحات جذرية في مؤسسات الدولة. فضلا عن التعامل مع ملفات أخرى مهمة، من أبرزها الملف الأمني في سيناء.

 

ثالثًا: رسخت الاشتباكات التي تمت بين المتظاهرين وقوات الأمن في محيط ميدان التحرير خلال الأيام الماضية، الصورة الذهنية لوزارة الداخلية لدى المتظاهرين. خاصة وأن تلك الاشتباكات بدأت مع الاحتفال بذكرى أحداث محمد محمود 2011. ولوحظ بوضوح افتقار بعض النخب السياسية في كلا التيارين -المدني والإسلامي- إلى النضج الفكرى اللازم للحيلولة دون تكرار الأزمات، وكأنها نموذج واحد يتجدد.

 

رابعًا: انسحاب أعضاء محسوبين على التيار المدني من الجمعية التأسيسية اعتراضًا على طريقة صياغة الدستور. ومجددًا استُحضرت ثنائية المدني والإسلامي، فالتيار المدني اعتبر مشروع الدستور تعبيرًا عن رؤية قاصرة للتيار الإسلامي، وأن الجمعية التأسيسية تفتقد التوافق المطلوب لوضع الدستور. فيما وجه التيار الإسلامي انتقادات للتيار المدني، بالسعي إلى عرقلة عمل الجمعية التأسيسية، وبأن ما يبديه إزاء مشروع الدستور يعد ملاحظات غير موضوعية.

 

الإعلان الدستوري.. حل أم معضلة؟

 

أفضى إصدار الإعلان الدستوري من مؤسسة الرئاسة في هذا السياق إلى حدوث تداخل مع الأزمات السياسية الأخرى، وبدت الهوة واسعة بين مواقف التيار المدني وتيار الإسلام السياسي، فتفاعل كلا الطرفين مع الأزمة بمفهوم وتوصيف مغاير بين تيار مدني متمسك بفكرة “الشرعية الدستورية” وتيار إسلامي رافعًا “الشرعية الثورية”.

 

فقد وجد التيار المدني في الإعلان الدستوري فرصةً سانحةً لتجاوز الخلافات الأيديولوجية بين أطرافه، ومن ثمَّ شكل التيار المدني كتلة معارضة للإعلان باعتباره ترسيخًا لسلطات ديكتاتورية لرئيس الجمهورية بما يتضمنه من اعتداء على سلطات المؤسسة القضائية، وتمهيدًا لسياسات تهدف إلى سيطرة جماعة الإخوان على مفاصل الدولة، وانبثق عن التيار المدني تحالفٌ أُطلق عليه “جبهة الإنقاذ الوطني” يعمل ككيانٍ تنسيقي يجمع القوى الرافضة للإعلان الدستوري.

 

ودخلت السلطة القضائية إلى خط الأزمة؛ حيث اعتبر العديدون من داخل السلطة أن الإعلان يمثل اعتداءً على هيبتها، وتجاوزًا من جانب السلطة التنفيذية. واختار نادي القضاة التصعيد عبر مطالبة رئيس الجمهورية بسحب الإعلان الدستوري، وتم تعليق العمل بعدد من المحاكم إلى حين إلغاء الإعلان، وعودة النائب العام المستشار عبد المجيد محمود.

 

في المقابل؛ بدأ التيار الداعم للإعلان (الذي يمثل قوى الإسلام السياسي) تقديم المبررات المؤيدة للإعلان الدستوري، استنادًا إلى أنه يلبي مطالب كانت من الأساس تعبر عن روح الثورة، ويدفع نحو استقرار الأوضاع بما يعطي ضمانات أكبر لاستمرارية عمل الجمعية التأسيسية، ووضع دستور جديد للبلاد. ومن ثم يتم الانتقال بصورة نهائية من المرحلة الانتقالية نحو مرحلة البناء المؤسسي.

 

وأوضح تفاعل التيار الإسلامي مع الأزمة أن أزمة الثقة بين هذا التيار والسلطة القضائية تتزايد بمرور الوقت، حيث لا تزال ماثلة في أذهان نخب التيار وقواعده الجماهيرية تجربة المحكمة الدستورية العليا، ودورها في حل مجلس الشعب، وعطفًا على هذا فإن إصدار هذا الإعلان سيضمن على أقل تقدير تحييد دور المحكمة في القضايا المنظورة أمامها والخاصة بمجلس الشورى والجمعية التأسيسية.

 

مستقبل الأزمة:

 

سعى كل من أطراف الأزمة إلى التصعيد بصورة زادت الموقف تعقيدًا. فملف الإعلان الدستوري مرتبط بملفات أخرى منها الدستور الذي انتهت الجمعية التأسيسية بالفعل من صياغته، مما يزيد الموقف تعقيدًا بفرض أمر واقع جديد له تداعياته، فالتيار المدني حاليًّا أمام دستور غير مقبول بالنسبة له. بينما السلطة القضائية مطالبة بالإشراف على الاستفتاء المتعلق به، في حين أن نسبة غير قليلة من مؤسساتها تعلق أعمالها اعتراضًا على الإعلان (خاصة ما يتعلق منه بتحصين قرارات الرئيس) وليس على الدستور، أو عمل الجمعية التأسيسية بحد ذاته.

 

ومن ثم بات السيناريو الأقرب للأزمة ينطوي على مرحلتين، في الأولى يستمر الوضع القائم لأيام يسعى خلالها كل طرف إلى امتلاك أكبر قدر ممكن من أوراق الضغط. وفي المرحلة الثانية يتم الدخول في مفاوضات تخضع لميزان القوة وللمواءمات والحسابات السياسية.

 

وفي هذا الصدد هناك عوامل يتعين أن تؤخذ في الاعتبار، من أهمها:

 

أولا: أن التيار المدني أعلن عن رفضه الدخول في أي مفاوضات سياسية قبل إلغاء الإعلان الدستوري، وإعادة تشكيل الجمعية التأسيسية ليأخذ الصراع السياسي منحى متصاعدًا من جانب الطرف الآخر، حيث بعث تيار الإسلام السياسي برسائل عديدة مفادها عدم التراجع عن الإعلان، وخرجت مؤسسة الرئاسة لتؤكد أنه لن يتم إلغاؤه.

 

ثانيًا: يمثل عامل الزمن عنصرًا فاعلا في الأزمة، فالتيار المدني سعى إلى إطالة الأزمة على أقل تقدير إلى حين بت المحكمة الدستورية في ملفي مجلس الشورى والجمعية التأسيسية. استنادًا إلى أن صدور حكم بحل المجلس والجمعية التأسيسية سيكسبه مزيدًا من الزخم، وبالتالي وضعية تفاوضية أفضل. فيما راهن رئيس الجمهورية ومن ورائه تيار الإسلام السياسي على تمكن الجمعية التأسيسية من الانتهاء من الدستور قبل أن تُصدر المحكمة الدستورية حكمها، وهو ما تم بالفعل. وتجدر الإشارة إلى أن استباق المحكمة الدستورية والانتهاء من وضع الدستور سيمثل ضغطًا على التيار المدني ربما يدفعه إلى التصعيد المستند إلى الشارع. مع ملاحظة أنه ورغم الانتهاء من الدستور قبل يوم 2 ديسمبر فإن بمقدور رئيس الجمهورية الإعلان عن عدم رغبته في طرح الدستور للاستفتاء الشعبي إلا بعد التأكد من التوافق حول المواد الخلافية. وتوظيف تلك المبادرة كورقة في يده ضمن مقتضيات إدارة الأزمة.

 

ثالثًا: تشابه آليات الطرفين في التعاطي مع السياق السياسي، فكلا الطرفين عول كثيرًا على الشارع والحشد والحشد المضاد. فالتيار المدني لجأ إلى خيار الشارع ودعا لمليونية في ميدان التحرير يوم الثلاثاء الماضي عبرت عن وزن للتيار كان دائمًا متهمًا بأنه يفتقده. وفي المقابل فإن الصفة اللصيقة بالتيار الإسلامي أنه أكثر قدرة على الحشد الجماهيري ليست غائبة عن المشهد، ومن ثم فإن الوضع بهذه المعطيات يفرض على كلا الطرفين الدخول في مفاوضات.

 

فتكلفة إطالة أمد الأزمة ستكون مرتفعة لكلا الطرفين والمجتمع بالإجمال؛ إذ إن استخدام ورقة الشارع يمكن أن تُنذر بعواقب وخيمة، حيث يصبح التحكم في الجماهير أصعب، وتتزايد احتمالات الانزلاق إلى العنف المتبادل بما ينعكس في نهاية المطاف على استحقاقات سياسية قادمة، أهمها الاستفتاء على الدستور، ثم إجراء انتخابات نيابية. وهو ما يحتم البحث عن صيغة توافقية -وليست معادلة صفرية- للخروج من الأزمة بموجبها يتم إدخال تعديلات على الإعلان الدستوري تراعي تخوفات التيار المدني ولا تُحرج تيار الإسلام السياسي.

 

عن مجلة السياسة الدولية

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق