مأساة غيلان الدمشقي و فصل الدين عن السياسة / الحبيب الجنحاني

I

• قال صاحبي : أنت تعلم أن كثيرا من الناس فزعوا لما قذفت الثورات العربية بالإسلام السياسي إلى سدة الحكم، و هم مسلمون صادقون، معتزون بهويتهم العربية الإسلامية، و لكنهم خافوا من اختلاط الديني بالسياسي، و هي المحنة التي تعيشها اليوم بعض الأقطار العربية و الإسلامية، و تفاءل البعض قائلا : لا نتسرع في الحكم لعل التجربة التركية ستكون منارة يهتدي بها الإسلام السياسي “العربي”، و لكن سرعان ما خاب الظن لما أطلت برأسها تيارات الغلو و العنف، و أصبحت مهددة للدولة، و لوحدة المجتمع، فالتجربة التركية بدأت بإعادة النظر في تراث الفكر السياسي الإسلامي، و فتحت الباب أمام قراءة جديدة للنصوص المؤسسة، و أفادت من الفكر الإصلاحي الذي عرفه القرن التاسع عشر، و كذلك القرن الماضي، و أصبحت لها اليوم نخبة سياسية و فكرية لا نعثر لها على أثر في الفضاء العربي.

أعترف لك بأن لظاهرة الإسلام السياسي، و هو في السلطة، فضلا علي.

• قلت : كيف ذلك ؟ هل اكتشفت فضائل غشيت عيون الآخرين عن اكتشافها ؟

• قال صاحبي : لا يذهبن بك الظن بعيدا، فأنت تعرف إنني لست من فئة الحربائيين، ما يشغلني هو مصير الدولة، و مآل التجربة التحديثية التي دشنتها البلاد غداة الاستقلال بالرغم من النقائص.

أقصد بمزية ظاهرة الإسلام السياسي علي عودتي لقراءة مصادر تراث الفكر السياسي الإسلامي، و اكتشاف المحن التي رزحت تحت نيرها النخبة العربية الإسلامية لما وظف الدين لأغراض سياسية، و آخر ما وقفت عليه مأساة رائد بارز من رواد الفكر الاجتهادي الإسلامي، و أعني غيلان الدمشقي (ت. بعد 106 هـ).

أعتقد أن الأوضاع التي تعيشها اليوم بعض الأقطار العربية تجعل من المتأكد التعرف إلى هذه المآسي و عيا بما يمكن أن تبلغ إليه الأمور عندما يوظف الدين في الصراع الفكري و السياسي، و أنا أفهم الآن إلحاحك المتواصل في نصوصك على ضرورة فصل الدين عن السياسة.

• قلت : كلما أتذكر مأساة غيلان، و كيف أفتى علماء السلطان، و شجعوا على ارتكاب الجريمة، و برروا الفعلة الشنيعة التي ارتكبها الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك (71-125 هـ) تراودني منذ مدة فكرة تميل إلى الاعتقاد بأن توظيف الدين في المجال السياسي و الفكري قد أسهم إلى حد بعيد في القضاء على تيارات التحرر و الإبداع، و فتح الباب على مصراعيه أمام فرق الانغلاق و التطرف، ثم آل الأمر إلى بروز ظاهرة الإقطاع العسكري، و تدهور المدينة العربية الإسلامية، و لا ننسى أنها الحضن الحاضن للتنوع و الازدهار، إذ أنني أذهب إلى القول : إن الحضارة الإسلامية هي حضارة مدن بالدرجة الأولى.

• قال صاحبي : أود أن أعرف رأيك في غيلان، و قد شغفت بمأساته، و لكنني لا أستطيع تقييم آرائه، و بخاصة ما وجهت إليه من تهم أفضت في نهاية المطاف إلى قطع يديه و رجليه، ثم صلبه على أحد أبواب دمشق !

 

II

 

• قال صاحبي : سألت في حوار الأسبوع الماضي عن رأيك في غيلان، و قد سيطرت على أحلامي مأساته، و لم أصدق أن شخصية بارزة مثل غيلان لا نجد عن حياتها و أخبارها إلا نتفا مشتة هنا و هناك ؟

• قلت : لم أنس سؤالك، و لكن قبل أن تسمع رأيي في صديقك الجديد غيلان الدمشقي أود إبداء الملاحظتين التاليتين :

أ‌- إن الظاهرة الطاغية على حياة الإنسان في العصر الوسيط الإسلامي هي الظاهرة الدينية، و من هنا وجهت إلى كل معارض للسلطة تهمة دينية، و ليس تهمة سياسية، و وجدت السلطة فيمن يدور في فلكها من فقهاء البلاط من يحبك التهمة، و يلبسها لباسا دينيا، و هي نفس الظاهرة التي نقف عليها في تاريخ العصور الوسطى الأوروبية، و لكن المأساة في العالم الإسلامي أنها متواصلة إلى حد اليوم، فكم من دعوة لاغتيال المفكرين، و المعارضين السياسيين بحجة الكفر، أو المس بالمقدسات !

ب‌- أما الظاهرة الثانية فهي التعتيم على كل المجددين و التنويريين إما حقدا عليهم، أو خوفا من السلطة، فلا نجد أخبارا وافية عن حجر بن عدي (ت عام 51 هـ)، و قد دبر معاوية بن أبي سفيان مؤامرة اغتياله مع أصحاب له، حجر صحابي جليل، و كل ذنبه أنه انتمى إلى حزب الإمام علي، و كذلك الأمر بالنسبة لغيلان و لمثقف إسلامي بارز آخر : عبد الله بن المقفع (106-142 هـ)، و استمرت الظاهرة إلى العصر الحديث، و مما لفت نظري في المرحلة الراهنة تعتيم أدبيات الإسلام السياسي على التنويريين من رواد الإصلاحية الإسلامية فلا نجد فيها إشادة بأسماء مثل الشيخ محمد عبده، أو أستاذه الأفغاني، و كذلك الكواكبي لأنه فضح استبداد الخلافة العثمانية، أما إذا وصلنا إلى الشيخ الأزهري علي عبد الرازق فإننا نجد هذه الأدبيات تصفه بالزندقة، و ذنبه الوحيد أنه شرح انطلاقا من القرآن و السنة أن مفهوم الخلافة لا علاقة له بالدين الإسلامي، و طه حسين لم يسلم كذلك، و هو أزهري النشأة، فنعت بأنه من أنصار “التغريب”!

لو تظافرت جهود كل مثقفي “الإسلام السياسي” ليكتبوا مثل تلك النصوص الرائعة التي كتبها طه حسين عن الإسلام المشرق، و في مقدمتها “على هامش السيرة” لعجزوا عن ذلك، ذنبه أنه أبدع و جدد.

• قال صاحبي : قد ذكرت قبل قليل مفهوم “المس بالمقدسات” فتذكرت الجدل الصاخب الدائر هذه الأيام حول “المس بالمقدسات”، و ضرورة التنصيص عليه في الدستور، و أصارحك أنني لم أفهم كنه القضية، و لماذا يرفض التيار الوطني الحداثي التنصيص على ذلك ؟

• قلت : كل مسلم لا يقبل المس بالمقدسات، إذ أنه ليس انتهاكا لها في حد ذاتها، بل مس بعقيدة الشعب، ملاحظا أن القوانين الوضعية تعاقب على ذلك، لكن النص عليها في الدستور يعني جعلها فوق كل القوانين، و فوق كل محاولات الاجتهاد.

السؤال الكبير : من سيحدد معاني هذه الكلمة العامة “المقدسات”، فيمكن أن يتهم باحث مختص له رأي اجتهادي في فهم النص الديني بالإساءة إلى المقدسات، و يمكن أن يتهم أستاذ العربية بذلك عندما يشرح لتلامذته بيت أبي القاسم الشابي :

 إلى النور، فالنور عذب جميل

 إلى النور فالنور ظل الإله

و هكذا نفتح على أنفسنا أبواب جهنم، و قد بدأت تنفتح !

أعود الآن للإجابة بإيجاز عما أعرفه عن غيلان الدمشقي.

تجمع كل المصادر أنه شخصية بارزة في عصره، فهي من أعلام الوعاظ، و الخطباء، و الكتاب البلغاء، و اشتهر بين جيرانه و معاصريه بصلاحه و تقواه وورعه، فمن اشتهر بالصلاح و الورع فمن الصعب أن يتحول إلى “زنديق كافر”!

كانت تربطه صداقة متينة بالخليفة عمر بن عبد العزيز (61-101 هـ)، و جرى بينهما حوار عميق حول قضايا الساعة يومئذ، تقول الرواية أنه دخل يوما على عمر بن عبد العزيز فرآه أصفر الوجه فاقل له عمر : يا أبا مروان مالي أراك أصفر الوجه ؟ قال : يا أمير المؤمنين أمراض و أحزان، قال : لتصدقني، قال غيلان : “يا أمير المؤمنين ذقت حلو الدنيا فوجدته مرا، فأسهرت لذلك ليلي، و أظمأت نهاري، و كل ذلك حقير في جنب الله و عقابه، فقال رجل ممن كان في المجلس : ما سمعت أبلغ من هذا الكلام، و لا أنفع منه لسامعه”. 

• قال صاحبي : إنه لم يكن عالما ورعا فحسب، بل هو حسب هذه الرواية شديد الزهد و الورع، فما هي المشكلة إذن ؟

• قلت : من المعروف أن الخلفاء الأمويين كانوا يروجون بين الناس المذهب الجبري على أساس أن كل ما كان، و ما هو كائن، و ما سيكون مستقبلا إنما هو أمر الله و قدره مبررين بذلك تحكمهم في رقاب الناس، و معفين أنفسهم من التغيير الذي أحدثوه في نظام الحكم الإسلامي لما شرعوا للحكم الوراثي.

غيلان قال بحرية الإنسان، و أن الإنسان مختار في أعماله، و مسؤول عنها و قال : إن الإمامة ليس بالضرورة أن تكون في قريش، و لا تثبت إلا بإجماع الأمة، و هو بذلك ينسف القاعدتين اللتين أسست عليهما الخلافة الأموية : الحديث الموضوع “الإمامة في قريش”، و “توريث الخلافة”، و لما علم هشام بموقف غيلان قال : “هذا يعيبني، و يعيب أبائي، و الله إن ظفرت به لأقطعن يديه و رجليه”، و بدأت حملة وضع الأحاديث المكذوبة لإدانته، منها “يكون في أمتي رجل يقال له غيلان، هو أضر على أمتي من إبليس”، و يبدو أن هشام ندم على الجريمة التي ارتكبها فكتب إليه علماء السلطان قائلين “إن قتل غيلان كان من فتوح الله العظام على هذه الأمة”، و أقسم آخر قائلا : يا أمير المؤمنين “إن قتلهما (يعني غيلان و صاحبه) أفضل من قتل ألفين من الروم و الترك”!!

• قال صاحبي : الآن أدركت سر اهتمامك بمأساة غيلان، فأنت تريد أن توضح المحن التي يتسبب فيها توظيف الدين من أجل أهداف سياسية، و من هنا جاءت دعوتك المتكررة بضرورة فصل الدين عن السياسة

• قلت : لو حدثت هذه المآسي في الماضي، و أصبحت من التاريخ لهان الأمر، و لكن المحنة متواصلة حتى الساعة! 

 عن جريدة الشروق

 

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق