مئة وخمسة وعشرون عاماً على وفاة أديب إسحق / كرم الحلو

توفي عام 1885 قبل أن يكمل التاسعة والعشرين، لكن مروره في هذه الدنيا كان أشبه بالشهاب الساطع، فما تبوّأه من موقع ريادي في حركة النهضة العربيّة الحديثة، وما قدَّمه من إسهامات فكريّة وثقافيّة، يكاد المرء لا يصدّق أنّه استطاع إنجازه في سنوات عمره القصير، حتى أن الأديب الفرنسي الكبير فيكتور هيغو قال بعد أن التقاه في باريس: «هذا نابغة الشرق».

على الرغم من ذلك، لم يلقَ أديب اسحق ما يستحقه من اهتمامات الباحثين في الفكر العربي الحديث، فلم يتناوله بالدراسة إلا قلّة من هؤلاء، ولم تنشر مؤلّفاته إلا استثناء.

حياته

ولد أديب اسحق عام 1856 في دمشق من أسرة أرمنيّة. تعلّم العربيّة والفرنسيّة في مدرسة الآباء اللعازاريين، ونبغ باكراً فنظم الشعر قبل أن يتجاوز العاشرة، وما كاد يبلغ الثانية عشرة حتى كان له أكثر من ألف بيت من الشعر. اضطر إلى مغادرة المدرسة في الحادية عشرة ليعمل في الجمارك، ودأب في خلال عمله على دراسة التركيّة حتى ملكها. ثم انتقل من دمشق إلى بيروت لينغمس في جوّها الأدبي ويتعرّف إلى عدد من شعرائها وأدبائها، وانضمّ في هذه المرحلة إلى جمعيّة «زهرة الآداب»، ثم تولّى رئاستها وكان يلقي فيها الخطب والمحاضرات والقصائد. عرّب في هذه الفترة مسرحية أندروماك لراسين وشارك سليم النقاش في تأليف وفي تعريب بعض الروايات.

جاء القاهرة عام 1876 حيث التقى الرائد النهضوي جمال الدين الأفغاني وانخرط في حلقته، فساعده هذا على إصدار صحيفة «مصر» في القاهرة عام 1877، ثمّ ما لبث أديب أن نقلها إلى الإسكندريّة ليصدر معها بالتعاون مع سليم النقاش صحيفة «التجارة» اليوميّة سنة 1878. وإذ حملت الصحيفتان على الأجانب أُوقفتا عام 1879 واضطر أديب إلى مغادرة مصر إلى باريس حيث أعاد إصدار صحيفته «مصر» كاتباً في افتتاحيّتها: «هذه صحيفة مصر، طواها الاستبداد فماتت شهيدة ثم أحيتها الحرية فعاشت سعيدة. ومقصدي أن أثير بقية الحميّة الشرقيّة وأهيج فضالة الدم العربي، وأرفع الغشاوة عن أعين الساذجين، وأحيي الغيرة في قلوب العارفين، ليعلم قومي أن لهم حقاً مسلوباً فيلتمسوه، ومالاً منهوباً فيطلبوه، ويستميتوا في مجاهدة الذين يبيعون أبدانهم وأموالهم وأوطانهم إلى الأجانب. فمن مات دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد. ومن عاش بعد أولئك الشهداء فهو سعيد».

استغلّ أديب وجوده في باريس ليقيم علاقات مع بعض رجال الدولة، وكتب في الصحف الفرنسيّة عن الشرق، وحضر جلسات مجلس الأمّة، لكنّه أصيب بالسل فقفل عائداً إلى بيروت، ليغادرها مجدداً إلى مصر حيث اختير سكرتيراً ثانياً لمجلس شورى النواب، ويعيد إصدار صحيفته «مصر» التي تعطّلت مجدّداً. فرجع إلى بيروت وما لبث أن مات بعد عودته بثلاثين يوماً، فحزن عليه الأفغاني ورثاه في «العروة الوثقى» قائلاً «غالت نائبة الدهر، طراز العرب وزهرة الأدب صفيّنا أديب اسحق».

آثاره

حفظ صديقه وزميله في الصحافة جرجس نحاس مجموعة من أشعاره ورسائله ومقالاته وخطبه، وترجمته لرواية أندروماك، ومجموعة مقالات بعنوان «الدرر» نشرها في الإسكندرية عام 1886.

منهجه السياسي والصحافي

لا يزال منهج أديب اسحق السياسي والصحافي صالحاً للاحتذاء به بعد قرن وربع القرن عل وفاته. فقد شدّد في صحافته على:

أـ حسن الاختيار في انتقاء الأخبار، وانتخاب الأقوال المؤيّدة للحقائق، الناقضة للأوهام، الداعية إلى الائتلاف، المبعدة عن الشقاق والاختلاف.

ب ـ تهذيب العبارة والحرص على قوة التعبير الأدبي وإيجازه ووضوحه، وتجنُّب مبتذل الكلام وسوقيه، وفاسد التركيب وعاميه، والتنَزُّه عن الغرض.

ج ـ التزام الخبر الصادق وتحرّي الدقّة قبل النشر، واحترام الأفكار بلا استثناء.

د ـ ألا تقتصر الصحافة على الخبر فحسب، بل أن تعتمد التحليل والتعليم وتتناول موضوعات علميّة واجتماعيّة وسياسيّة، وهذا ما حرص عليه أديب في صحافته.

هـ ـ مال أديب في كتابته الصحافيّة إلى الخطابة.

و ـ أيّد حرية الصحافة وأدان تعطيل أية صحيفة، حتى في حال الخصومة بينها وبين صحيفته.

أليست هذه المبادئ والمنطلقات ما يجب أن تتأسّس عليها كل صحافة رصينة حتى في أيامنا هذه؟

أفكاره السياسيّة والاجتماعيّة

انتهج أديب اسحق خطاً إصلاحياً وطنياً يُغلِّب الاعتدال على التطرّف، فركز في مقالاته على تقوية الروابط الوطنيّة والقوميّة داعياً إلى الحياة الدستورية والحريات الديموقراطيّة لا إلى الثورة التي قد تكون داءً لا دواء. واسحق في ذلك سليل الفكر الإصلاحي العربي والمدرسة البورجوازيّة الفرنسيّة التي تؤثر التطوّر التدريجي على الطفرة والعنف. وقد دفعه إعجابه بالثورة الفرنسيّة ومبادئها في الحرية والمساواة إلى دعوة العرب للاحتذاء بهذه المبادئ على رغم نقده للعنف الذي رافق الثورة. يقول في «الدرر»: آليت ألا أمسك القلم عن تهيئة الخواطر لثورة الأنفس حتى أرى في منبتي ما رأيت في غيره من محاسن آثارها، وألا أعدل عن مقاومة الظالمين حتى أرى قومي أمّةً تقول ما تعتقد. فلا عز للوطن إلا بالأمّة، ولا وجدان للأمّة إلا بالحريّة.

الحرية والمساواة

الحرية عند اسحق حرية رأي وقول وانتخاب، وهي حقوق، لكل منها حدّه، «لو تعدّاه لكانت الحرية فيه شراً من القيد وأشنع من العبوديّة». من هنا كان نقده لاذعاً لمآل الحرية في الغرب، إذ باتت «اسماً بلا مسمّى عندهم، وبات تكرار ذكرها في مجامعهم من قبيل اللغو الساقط، ففي حريتهم استبداد واستعباد». ويتبنّى اسحق تعريف مونتسكيو للحرية التي تعني ألا يجبر المرء على ما لا توجبه القوانين، وأن يفعل كل ما تجيزه». وبهذا المفهوم للحرية ذهب إلى إعادة إنتاج مقولة العقد الاجتماعي عند روسّو، إذ رأى أن «القانون الحق لا ينقض الحرية ولا يزيل الاستقلال، ولكنّه يقيم لهما حدوداً تقيهما الضعف والاضمحلال. وشرط المشروعيّة في القانون أن يكون موضوعه الحرص على حقوق الكل والحفظ لحق الفرد ما لم يمس تلك الحقوق. فالحكم يكون قانونياً، لا من حيث إنه يذهب بحرية فرد، ولكن من وجه أنه يحفظ حرية الكل».

وثمة تلازم لدى اسحق بين الحرية والمساواة، فلا حرية في رأيه مع الامتياز، ولكن هناك درجات عبوديّة. فحدّ الامتياز أن يعمل أحد الناس ما لا يجوز لسائرهم، وأن يحظر على الجمع ما يجوز لبعض الأفراد، بحيث لا يتمتع الممتاز بمزيته ما لم يمس حرية سائر القوم. وحقيقة المساواة التي يدعو إليها اسحق «أن تكون الأحكام سواء على من هم بالنظر إليها سواء»، أي أن يكون الناس متساوين أمام القانون، لأن «الناس على اختلاف أحوالهم، سواء في حكم الطبيعة، وقد أبدعتهم أحراراً لا يتعيّن على أحد منهم الخضوع للآخر، بل كل منهم يملك وجوده الذاتي ملكاً مطلقاً».

التّعصّب والتسامح

تطرّق اسحق للتعصّب في خطبة ألقاها في جمعيّة «زهرة الآداب» في بيروت، فرأى أن التعصب هو «غلوّ المرء في اعتقاد الصحة بما يراه، وإغراقه في استنكار ما يكون على ضد هذا الرأي، حتى يحمله الغلوّ على اقتياد الناس لرأيه بالقوة، ذهاباً مع الهوى في ادّعاء الكمال لنفسه، وإثبات النقص لمخالفيه من سائر الخلق». أمّا التسامح فيقضي أن يحترم المرء رأي الغير كائناً مَن كان، ومع إثباته الصواب لما يراه، لا يقطع بلزوم الخطأ في رأي سواه، ولا يمنع الناس من إظهار ما يعتقدون.

خط اسحق الوطني وموقفه من الأجانب

كان أديب مع الاستقلال ضد التدخل الأجنبي والسيطرة الأجنبية والتبعيّة التي هي في رأيه رقّ للأحرار، وضعف للأقوياء، وعار للنّزهاء. لكنّه مع ذلك يحض على الاستفادة من التمدّن الغربي وأفكار المتنوّرين الغربيّين، داعياً إلى إزالة آثار التعصّب من أفكار الجاهلين، فنكون «أمة واحدة لا تتعصَّب إلا لوطنها ولا تطلب إلا صيانته وتنقش عل صفحات قلوبها، فلتحيَ الأمّة، فليحيَ الوطن». وإن كان اسحق من المنادين بفكرة الجماعة «الشرقيّة» وفكرة الجماعة «العثمانيّة»، متأثراً في ذلك بأستاذه الأفغاني، إلا أنه دعا إلى اتّحاد عربيّ ما دام اتحاد الشرقيّين متعذراً. وله في هذه الدعوة ما يمكن لعرب اليوم أن يقرأوه بإمعان ويقفوا إزاءه متأمّلين في ما آلت إليه نزاعاتهم وانقساماتهم التي تسهم في استمرار تخلّف الأمّة العربيّة. يقول: «ألم يكن في كل هذه الأقطار نفر من أولي العزم تبعثهم الغيرة والحميّة، على جمع الكلمة العربيّة فيتلافون أحوالها قبل التلاف، متآزرين كالبناء المرصوص… ويبادرون إلى مؤتمر لزعماء الأمّة، يتذاكرون فيه ويتحاورون، ثم ينادون بأصوات متفقة المقاصد، كأنّها من فم واحد. هلمّ ننشد الضالة ونطلب المنهوب، لا نقوم في ذلك بأمر فئة دون فئة، ولا نتعصَّب لمذهب دون مذهب. فنحن في الوطن إخوان تجمعنا جامعة اللسان، فكلّنا وإن تعدّدت الأفراد إنسان».

ويدرك اسحق أن اتحاداً عربياً كهذا، على أساس العصبيّة الجنسيّة والوطنيّة، «يزلزل الدنيا اضطراباً، ويستميل الدول جذباً وإرهاباً، فتعود للعرب الضالة التي ينشدون والحقوق التي يطلبون».

الشورى والديموقراطيّة

أديب اسحق من مؤيّدي الشورى والنظام الدستوري بديلاً من الأنظمة الفردانيّة والاستبداديّة، ولم يكن غريباً أن تحتفل جريدته «مصر» بوصول مدحت باشا والياً على سوريا. ففي رأيه أن الناس عرفوا شرور الاستبداد، وأن الشورى دعوة قديمة وليست دعوة جديدة، وفي «شاورهم في الأمر» نعم الدليل. ولقد صار الأمر الآن شورى «عند جميع الدول المتمدنة الأوروبية». وينطلق اسحق في تأييده للشورى والنظام الدستوري من أنه لا قوة للحكومة «إلا بالأمّة، ولا ثبات إلا بالشورى، ولا سطوة إلا بالحرية، ولا سلطة إلا بالمساواة».

الفقراء والأغنياء

مطالبة أديب اسحق بالمساواة ورفضه التمييز بين الناس لا يعنيان إلغاء الطبقات ومحو الفوارق الطبقيّة بين الأغنياء والفقراء. فهو وإن كان يلحّ على المساواة كما رأينا، إلا أن مفهومه في المساواة يبقي على انقسام المجتمع الإنساني إلى فقراء وأغنياء، ويبقى في نطاق الحقوق السياسيّة والمواطنيّة دون تلك الاقتصاديّة والاجتماعيّة. وهو في ذلك إنّما يجري مجرى غالبيّة النهضويّين محتذياً بروسّو الذي لا يقصد بالمساواة سوى المساواة الحقوقيّة والسياسيّة. يقول اسحق: «أما المساواة، فليس المراد بها ما يروم الغلاة من محو الطبقات وإزالة الدرجات المترتبة على السعي والجد لزوماً. فتلك أمنية لا تحصل ما دام الإنسان إنساناً. وإنّما حقيقة المساواة أن تجرّد النصوص الحكميّة من كل ما يجعل بعض الناس فوق بعض، فتكون أمن الخائف، وملاذ الفازع، ونصفة المظلوم، وسداً سديداً في وجه الجريء».

التعليم والمرأة

دعا أديب اسحق إلى إلزاميّة التعليم المجاني، ورأى في ذلك أساساً من أسُس الديموقراطيّة. كما هاجم الرجعيّين الذين يرفضون المساواة الحقوقيّة بين الرجل والمرأة، مؤيّداً مساواتها بالرجل من حيث الحقوق لا من حيث مشابهتها له في كل شيء. وأبدى اندهاشه إزاء تخلّف العرب العلمي والأدبي، بعد أمجادهم السالفة في هذا المضمار. يقول: «يندهش من يلقاهم مقتصرين من العلم على ما لا يجلب خيراً، ولا يدفع ضيراً، يعقدون مذاهبهم فيه بالأوهام أو ينيطون أسبابها بالسماء. وينذهل إذ يجدهم راضين عن الكسلة المتراهبين، والجهلة المتجاذبين حتى صار الكسل عندهم من المعايش، والخمول من المفاخر، والجهل من الملاجئ، والذهول من الكرامات، كأن لم يبقَ فيهم من عالم عامل يبدّد الأوهام، ويبدي الحقيقة للإفهام».

بهذا تكتمل الملامح المميّزة لرائد نهضويّ متنوّر ملتزم بنهضة الأمّة العربية وحريتها واستقلالها، وبتقدم الشرق عموماً، قضى سنوات عمره القصار مجاهداً من أجل وحدة العرب وعزة الأمّة العربيّة في زمن كانت فيه هذه الأمّة ترسف في ظلام القرون الوسطى. ولعلّ في استعادة سيرة هذا الرائد وأفكاره التحرّرية والقوميّة ما يحرّض العرب من جديد على تحدّي تخلّفهم الراهن.

 

عن ملحق السفير الثقافي – 24/12/2010

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق