ماذا حقِّق رجب طيب أردوغان في دافوس؟ – نسيم ضاهر

عندما همَّ بالانسحاب من جلسة المناقشة، أعلن رجب طيب أردوغان، رئيس حكومة تركيا، أنه سيقاطع أعمال منتدى دافوس في المستقبل. ليس من تفسير لهذا بمشادة يتيمة، طرفها الآخر فعلياً صحافي متمرِّس تولى إدارة جلسة صعبة، وأخفق في الحرص على التوازنات المجاملة. المرجّح أن أردوغان تسرّع في حكم قاطع على المنتدى، انطلاقاً من إشكال عابر قابل للاحتواء، أم هل توخَّى استثمار الخطأ الواضح لغايات مردّها داخلي معطوف على إقليمي، عكسها الحشد الجماهيري الذي استقبله عند العودة، في المطار؟ وفي مطلق الحال، ينبغي الإضاءة عليها، لبيان مفادها وكيفية إدراجها في حساب الأرباح والخسائر.

كسب أردوغان عطفاً شعبياً، لا جدال فيه، سواء في تركيا، أم خاصة في الفضاء العربي، المتلهِّف الى علامات النصرة وتعميق إدانة إسرائيل. ولقد تمكن من تجاوز التيار الإسلامي الراديكالي على يمينه، بزعامة أرباكان الرمز، وأجلس حزبه في مقعد قيادة التضامن الإسلامي. ولئن مثَّل سلوك أردوغان براعة سياسية بائنة في الحقل التركي، أضاف إليها نسقاً من معادلة ضمنية في المجال الإقليمي، ترتاح إليها جماعة الأخوان المسلمين النشطة، ويتقبّلها القومويون العرب. بذلك، أثبتت القيادة التركيبة الحالية أنها لاعب في زمن السلم يحتضن مفاوضات بين سوريا وإسرائيل، وفاعل في زمن الحرب، يُعنى بالميراث العثماني والديني، وينهض بدورمحوري مرجعي قابل للوثب والمضي في التموضع الشرق الأوسطي بامتياز، نـدَّاً لإيران، وثالث نادي الأقوياء. وإذا ما أخذ على تركيا أداء بلمسة حماسية في شأن غزّة، سارعت إلى توكيد تمسّكها بالقضية الفلسطينية الأشمل، ومشاركتها المبادرة المصرية، وأوفدت رئيس الدولة عبد الله غول، الى الرياض، لمعانقة خادم الحرمين وجلاء غوامض تكتيكاتها ونقلاتها المفاجئة. الى ذلك، أعادت تركيا انفعال أردوغان إلى حجمه حيال إسرائيل، محتفظة بشراكة مديدة مع الدولة العِبرية، في الأساسيات العسكرية والسياسية، وفروع المبادلات والتقنيات، أمينة لعضوية بارزة في الحلف الأطلسي، وكان لافتاً إسهام منظومة أركان القوات المسلحة في هذا المجرى، بالمقاس العملاني، وبغرض إفهام الحزب الحاكم صعوبة تخطّيها أو إهمالها، في رسم الاستراتيجيات. على هذا المعنى، لم تتح المؤسسة العسكرية لأردوغان إلاّ التعادل السلبي معها مع بعض الحركات التقنية المحببة للجمهور. يشرح مستشارو أردوغان ان تركيا على عتبة نادي الكبار في العالم، وهي تحظى، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وطي صفحة الحرب الباردة، بمزايا تفاضلية من صنع الجغرافيا والتاريخ وعليه، ثمة مجالات ثلاثة تعطي تركيا الموقع والدور المشروع السائر نحو مزيد إقرار به أو انتزاع اعتراف، وهي للتعداد لا للترتيب.

الشرق الأوسط والقفقاز وأوروبا وحيث وجدت تركيا متاحاً في الشرق الأوسط، بدءاً من العقد المنصرم أخذت تغلق الملفات الخلافية مع جيرانها الجنوبيين، ونجحت في المزاوحة بين معظم الدول العربية والعلاقات مع إسرائيل، كوسيط نزيه يظهر المشتركات، وينأى عن إثارة الحساسيات القومية. ولقد أزالت تركيا الحديثة كمَّـاً من رواسب الماضي الأليم، وتحرّرت في الوقت ذاته من عقدها. بل إنها اليوم تعمل على إحياء الجوامع التي عبَّدت طريق العثمانيين نحو العالم العربي، من روابط دينية وطابع شرقي وتكاتف ضروري في وجه الهيمنة الأجنبية، لملء الفراغ، بما يغمز أيضاً من قناة التمدّد الإيراني، وريث الصفوية المتطلع الى النفوذ. ولولا بعض الجوانب التفصيلية من قماشة إخوانية معتدلة، لاستقرت تركيا حلقة وصل وتقارب واعد، يُعزِّزهـا لجم الاندفاعة الكردية وثقل أنقرة في لعبة الأوزان والأحجام.

على الصعيد العربي، في مقدور تركيا جني الأرباح ومراكمتها في قادم سنوات، شريطة احتدام الخاصية العربية والابتعاد عن منطق المحاور، أي بصراحة، باحترام موقع مصر والسعودية مجتمعتين، في اللوحة العربية والأوسطية. كما تستطيع تركيا المساهمة النشطة في القفقاز، إذا قاربت حضورها من بوابة التعاون، دون الوقوع في إغراء الطورانية والوصاية على جيرانها، ذوي القربى في اللغة والدين. أي أن انحلال الاتحاد السوفياتي لا يجيز استبدال الجناح الشرقي من الحلف الأطلسي، بمشاغل لروسيا بوتين ومدفيديف، خشية إثارة المخاوف والصعوبات. ففي سهوب آسيا الوسطى الكثير من المطلوبات والحاجات، لا تعود بمردود وافر في المدى المرئي، فلا هي بأهمية الشرق الأوسط في دائرة الإستراتيجية، ولا دول آسيا السوفياتية سابقاً بتلك الناشئة وصاحبة الطاقات المالية والاقتصادية المغرية.

على مدى عقدين، دقَّت تركيا باب الاتحاد الأوروبي، وما زالت تنشد العضوية الكاملة فيه. هنا تكمن مشكلات بالغة الصعوبة، من المتوقع أن يثيرها حادث دافوس المتمثل بسلوك أردوغان على قاعدة خيارات في شأن الهوية، ومسألة المرجعية في السياسة.

راهن المتعاطفون مع تركيا داخل المجموعة الأوروبية على العدالة والتنمية لحزب إسلامي ديموقراطي شبيه بالديموقراطيين المسيحيين في بلدانهم، يعمل على احترام العلمنة ويتقيد بالدستورية الديموقراطية. الواقع أن أردوغان، ومجمل الأداء التركي الحاضر، يستبطن حنيناً الى الدولة الدينية نقيض المبادىء الدستورية في أوروبا الموحّدة.

بدا من الزعيم التركي أنه يغلِّب التضامن الاسلامي في المقام الأول، وهذا حقه المطلق، سوى أنه لا يتلاءم مع المعوَّل عليه من تركيا الجديدة، لجهة العلاقات الدولية وقواعد بنائها. وزاد الطِّين بلَّة موقف أردوغان من منتدى دافوس بأكمله، كمن يغلق قناة حوار أممية (نخبوية) ويستعيض عنها بمجهول من نمط آخر، وقوقعة مغايرة لمراد تركيا التقليدي. كما أن دفاع أردوغان عن الشعب الفلسطيني بأسمى العبارات والمعاني، شابه انحياز ظاهر لقاموس حماس السياسي وخطابها، ما حمل في طيَّاتِهِ غوامض مثيرة، وأحدث نقزة بادية لدى مستعميه. فإدانة أفعال إسرائيل الدموية وبأقسى الكلمات بات جزءاً من السّخط الدولي والشعبي العارم على تمادي بطش أداتها العسكرية، يتشارك فيه الرأي العام والعديد من الدول الفاعلة، إنما تخالف قطاعات واسعة أردوغان في الدمج بين السياسي الأصولي والانساني المنفتح، وبالتأكيد لا يمكن القيام بتعبئة دولية مؤيدة ومنحازة للدولة الفلسطينية المرجوّة، دون الانسلاخ عن طروحات حماس وموقفها الملتبس من القضية الوطنية وعملية السلام. وقد تجد تركيا ردائف تلبِّي كبرياءها، لكنها تضحِّي بالأرض مقابل السماء إذا استمرت أسيرة العاصفة التي أثارها أردوغان في دافوس، وعطَّلت الاعتدال.

عن جريدة الجريدة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق