ماذا فعلت الإنترنت بالأديان؟!

منذ حوالي العام، وتحديدا يوم السبت 24 ابريل 2010، حملت لنا وكالات الأنباء، اعتمادا على ما نشر في IrishExaminer.com تحذيرا من البابا بينيدكتوس السادس عشر حول مخاطر الإنترنت، وقال البابا إنّ شبكة الإنترنت اليوم تواجه مخاطر التزمّت الديني، ومخاطر الرقابة والسيطرة على الفكر! ورغم ما تتيحه الإنترنت من فرص المساواة للحصول على المعلومات، والبقاء على اتصال، فهي تأتي أيضا ومعها مخاطر كثيرة! وأشار البابا إلى أنّ الفجوة الرقمية تضاف إلى الفجوة القائمة والتي تفصل فعلا بين الدول الغنية والدول الفقيرة. وأشار أيضا إلى النسبية الأخلاقية والثقافية لمحتوى الإنترنت، التي يمكن أن ندركها بالفعل في ضعف روح النقد. وكان البابا يتحدث خلال اجتماع حول التقنيات والوسائط الرقمية الجديدة التي يروّج لها مؤتمر الأساقفة الإيطاليين. والبابا هنا يلفت النظر بوضوح لما فعلته الإنترنت مع أصحاب الأديان في العالم. لدرجة أنّ البعض طرح السؤال التالي هل الإنترنت مقبرة للأديان؟! أوهى المكان الّذي تأتى إليه الأديان لتموت! فماذا فعلت الإنترنت بالأديان؟
 
لقد حطمت الإنترنت الحدود الجغرافية والاجتماعية للأسرار الدينية، وأصبحت متاحة للجميع. وأجبرت الجماعات والتنظيمات الدينية والعقائدية على التكيّف مع تقنياتها وفرصها، وأصبح للجميع إمكانية امتلاك المعرفة الدينية بسهولة ويسر! وأتاحت للأديان والحركات الدينية الجديدة والصغيرة، الفرصة للانتشار، ومباشرة أنشطة الهداية والإرشاد للتحويل من عقيدة إلى أخرى خارج الحدود الوطنية، فالإنترنت وسّعت النطاق الجغرافي الّذي يمكن أن تصل إليه الأديان، ولكنها في نفس الوقت عملت على تأكل الجذور الجغرافية لتلك الأديان! فهناك ظاهرة جديدة هي توسّع وانتشار الدين، دون أن يكون ذلك مرتبطا بأمّة معيّنة، أو مجتمع بالذات، أو مجموعة عرقية خاصة! فالدين أساسا موهوب بصفة الديمومة والبقاء، والمؤسسات الدينية تكافح الآن من أجل موازنة تقاليدهم الأصيلة في أغلب الأحيان بالحقائق الجديدة لعصر الإنترنت، في محاولة لتقوية طبيعتها المؤسساتية، فقد بدأ بعضها بتجنيد رجال الدين الجدد من الإنترنت، وحرصت على توظيف التقنية لجذب شباب أكثر للتدريب كرجال دين، وأصبح للكثير من الكنائس والمساجد والمعابد مواقع على شبكة الويب، ووُظفت التجارة الإلكترونية لجمع الأموال للنشاطات الدينية وللأغراض الخيرية، لكنّ بعض المواقع خلطت بين الصلاة والربح!
 لقد أحدثت الإنترنت تحَوَّلات كبيرة َ في الاستثمار والتسوق، والآن تؤثر على الكيفية التي يمارس بها الناس عقائدهم! فالطقوس والشعائر الدينية لها مضامين عميقة وثابتة في نسيج حياتنا الاجتماعية كبشر، ومن الطبيعي أن تنتقل إلى حياتنا الافتراضية على الإنترنت، وهي لا تظهر فقط في مصطلحات عالم الإنترنت مثل الحياة الثانية Second Life ، بل إنّ الشبكات الاجتماعية مثل Facebook تفعل وتوثق الترابط بين أصحاب كل عقيدة، ولا ننسى أيضا أن الإنترنت وسّعت النطاق الجغرافي لتأثير رجال الدين وشعبيتهم. ولعلّنا نرصد ثلاث حقائق : الأولى تتضمّن تحويلات وتغييرات في المؤسسات الدينية؛ والثانية هي إمكانية توقّع إنتاج وإظهار خصائص جديدة في محتويات المذاهب والطقوس، والممارسات؛ والثالثة عولمة تغييرات المنظومة الفكرية – الثقافية المساندة لأديان البشر. ونذكر هنا أنّ الفجوة بين عقلية التقنية ووجهة النظر الدينية قد لا تكون كبيرة كما تبدو! فالذين يعتنقون كلّ التقدّم التقني الجديد في تكنولوجيات المعلومات، ويوظفونه في خدمة الأديان، غالبا ما يكونون مدفوعين بأحاسيس دينية. فالقيود الثقافية للجماعات الدينية تقاوم بشدة تقنيات الحداثة في أوّل الأمر، ثم تتأثر بها بواسطة عمليات مجتمعية معقّدة، وتقوم بإعادة تشكيلها لإنجاز حاجاتها، بمعنى أدق أنّ ثقافة الجماعة الدينية تعدّل التقنيات الحديثة وتمنحها سياقا مجتمعيا يناسبها. وهكذا تصبح الإنترنت منظومة من التقنيات المثقّفة في سياقات ثقافية متباينة. بشكل محدّد أكثر، أصبحت تطبيقات الإنترنت خاضعة للتعديلات الثقافية، وتُعالج وتُكيَّف وفقا لتعليمات ولوائح منضبطة مجتمعيا ومحليا. 
وشجعت الإنترنت أيضا على اتساع ظاهرة الاندماج والمزج بين مجموعات العناصر المختلفة من التيارات العقائدية، حيث تتعايش تقاليد دينية متعدّدة. من خلال اندماج بين المذاهب والطقوس والشعائر بحماس شديد على أساس المعلومات التي توفرت من خلالها، وفي نفس الوقت ليس شرطا بالضرورة حدوث أيّ اتصال فعلي بين تلك المجموعات الدينية، لأنّ أهمّ تأثير لعصر الإنترنت على الظاهرة الدينية أنه جعل الأمر أكثر سهولة في الوصول إلى المعلومات المتعلقة بالتعليمات والنشاطات والشعائر والطقوس للأديان الأخرى. وهذا يجعل الأمر أكثر يسرا لتشكيل حركات دينية جديدة دون ضرورة الاصطدام بتقاليد مجتمعية، بل من خلال تبنٍّ شخصىّ عبر مصادر الاتصال المتعددة! ومع صعوبة احتكار المعلومات الدينية في عصر الإنترنت أعطيت الفرصة لأعداد متزايدة من الأشخاص، تظهر من الخلفية الشعبية للظهور كزعماء دينيين يعظون ويبشرون برسالة الهداية، ليس فقط لبسطاء الناس، بل يلتفّ حولهم آخرون ، وأولئك الأتباع يمكن أن يستديروا بسهولة ويرسلوا الرسالة إلى الآخرين. ضمن هذه الحالة، نجد السلطة والقوّة التقليدية المسيطرة على المؤسسات والمنظمات الدينية ستميل إلى الضعف والتحول! فالسلطة الدينية التقليدية يقوم فيها رجال الدين بترجمة وتفسير وتأويل المعلومات الدينية إلى المؤمنين، وعلى المؤمنين فقط أن يقبلوا تلك الترجمة وذلك التفسير والتأويل، فهو دورهم الوحيد المقبول في هذا الوضع، لكن في عصر الإنترنت أصبح المستقبل للرسالة الدينية يستجيب لقيمه الشخصية وأحاسيسه ومشاعره وأفكاره واعتباراته واختياراته، ويفكّر مليّا ويختبر ويجرّب تلك العناصر التي يجدها مناسبة وأكثر جاذبية من كتلة الأديان المتنافسة المعروضة عليه من خلال الإنترنت! ويجد من حقه المحاولة لاختيار أفضل البدائل القائمة على المنطق والعقل! وعلى هذا الأساس تصبح الفروق بين المرسل للمعلومات الدينية، وبين مستقبل المعلومات الدينية، فروقا غير واضحة وغامضة، حتى الفروق ذاتها بين الزعيم الديني والتابع، من المحتمل أيضا تصبح غامضة جدا، وغير مميّزة في عصر الإنترنت! وأصبحت عمليات التوسّع العالمي للأديان تتمّ دون الاعتماد على رجال دين محترفين! وهي ظاهرة نتجت عن تأثير الإنترنت، حيث يخسر المحترفون الدينيون سلطتهم وهيبتهم التقليدية. وهي خسارة في السلطة والهيبة التقليدية للمؤسسات الدينية وهيبة رجال الدين على مر العصور، لدرجة أن المناهضين للأديان يستطيعون بثّ نقدهم لها، دون أن تطالهم أيدي الدينيين والسلطات، لأن جهل الهوية وإخفائها في الإنترنت يشجع على المناقشة والنقد، وتفنيد المسائل الدينية والروحية. والخلاصة أن الإنترنت، أحدثت ثوّرة في التفاعل الإنساني، وامتدّ أثرها على الحياة الدينية، ولو أنّ الدين على الشبكة لن يكون البديل لوجوه الإيمان الحقيقي، لكن الويب عدّل الحياة الدينية وغيّر فيها. وإذا كانت ممارسة الدين حقيقة اجتماعية، فإنّ أيّ تغييرات في تلك الحقيقة، خصوصا التغييرات العميقة التي أحدثتها الإنترنت، ستغير معها التجارب الدينية. لكن هل هناك تخوفات من التحولات والتبديلات الدينية التي تتم عبر مواقع الويب؟! هل يمكن أن تنتهي تلك التحويلات بخلق أديان هجينة جديدة من صنع التابعين أنفسهم؟! هل يمكن أن يلجأ البعض إلى ادّعاء أنه واحد من التابعين لعقيدة معينة، ويدخل بتلك الهوية مواقع تلك العقيدة، كنوع من المغامرة، والبعض حبّا للاستطلاع، وآخرون بأهداف تعصبية ضد تلك العقيدة؟ هل يمكن لأعضاء في عقيدة راسخة وقائمة أن يلجئوا إلى طوائف أو تجمّعات دينية أخرى غريبة وشاذة؟ وعلى مقياس أكبر هل يمكن أن تكون المواقع الدينية في فضاء الإنترنت البديل المكافئ عن اندلاع والتهاب الحروب الدينية مرة ثانية؟
 
 ومن ناحية أخرى مجرد القول إن الإنترنت يعطينا بدائل دينية أكثر قد يؤدي إلي الفهم الخطأ للعلاقة الحقيقية بين الدين والإنترنت، فرغم أهمية الاختيار فإن التنوع الزائد الذي يوجد بسهولة بالغة على الإنترنت ينتج عنه ظاهرة أخرى، وهي شعور الناس بضغط زائد لإجبارهم على الاستجابة والاعتراف بصلاحية الأديان الأخرى! فعندما يتربى الأطفال في سياق التنوع مثل معظم الأطفال في هذه الأيام، فإنهم يعتادون رؤية هذا التنوع الديني كشيء عادي، ويقبلون وجهات النظر المختلفة الخاصة بموضوعات كان يعتبرها آباؤهم حقائق مقدسة لا تمسّ ولا خلاف عليها! فالأطفال أو الأفراد الذين نشئوا في هذا التنوع سوف يعترفون بوجود التعددية الدينية، وبصلاحية قواعد ووجود الأديان المختلفة، وعلى الفرد أن يختار منها ما يناسبه. لكن بعض الدراسات أشارت إلى أن الكثير من الشباب الغربي الذين لديهم أصدقاء من ثقافات متعددة في مدارسهم العامة، والذين يتحدثون مع الناس من الديانات والقوميات الأخرى على الإنترنت هم أبعد بكثير من قبول معتقدات الآخرين المختلفة بالمقارنة مع والديهم. وتقريبا من المستحيل الآن تلقين الشباب الذي لديه إمكانية وحقّ الوصول إلى المعلومات في العالم كافة مذهبا أو عقيدة دينية معينة! فالإنترنت والعولمة أسقطتا مقولة إن الأديان السماوية التقليدية تملك وحدها الحقيقة المطلقة، وجميع الأديان الأخرى ليست صحيحة، لدرجة أن الأسر الشابة في العالم الغربي تعلم ذلك لأولادها اليوم. ومن ناحية أخرى الإنترنت أعطت الفرصة للمتطرفين والمتعصبين والمهووسين دينيا ببناء مواقعهم ونشر أفكارهم ، والتي -إذا سادت- سوف ترجع العالم للعصور المظلمة.
والسؤال الآن بعد تلك العجالة هل سوف ينقرض الدين في عصر الإنترنت!هذا السؤال طرح على مواقع الإنترنت التي تنطلق من خارج المنطقة العربية، وتزعم أن خاصية الإنترنت التي تسمح للجميع بالوصول إلى كافة أنواع المعارف، ستؤدى إلى نهاية الدين في القرن الحادي والعشرين. البعض يوافق على ذلك! والإنترنت شكلت طريقة جديدة للتفكير، سوف تتبدد أمامها المعتقدات الدينية، خلال الـ30 سنة القادمة لكن نهاية الدين على يد الإنترنت ستأخذ بعض الوقت في الدول الإسلامية والدول المتخلفة نتيجة المنظومة الثقافية والقيود الموضوعة على الإنترنت. والبعض الآخر يعتقد أن الإنترنت لن تقضي أو تقتل الأديان تماما ولكنها ستفتح عقول الناس على أنّ الحقيقة ليست مقصورة على دين واحد فينشأ احترام كبير لمعتقدات الآخرين. وبدلا من أن يسحق الناس بعضهم بعضا على الإنترنت عندما يتكلمون عن الأديان، يجب أن يقدموا شيئا مفيدا بدلا من القول إنّ ديانتهم أفضل ديانة؟! ويحاولون كسب ود الآخرين وتأييدهم حيال دينهم!؟ لكن طبيعة الإنترنت التي تساعد على إخفاء الهوية تجعل الجبناء يتحدثون عن أرائهم الدينية التي لا يستطيعون إعلانها بصوت عال في الواقع، ويتحرشون دينيا بالآخرين! بدلا من أن يحاولوا تقاسم ما يعتقدونه مع المختلفين عنهم! والغريب أنّ الناس عادة في حواراتهم على الإنترنت يسحقون بعضهم بعضا حول كل شيء وليس الأديان فقط، لدرجة أن الإنترنت أصبحت مكانا مظلما ومرعبا. فيجب على أصحاب الأديان التوقف عن لعب دور الضحية، والظن أن الحرية على الإنترنت لدينهم فقط وليس لبقية الأديان، وأن يتوقفوا عن تقريع الآخر المختلف دينيا، وعلى كل فرد أن يحتفظ بدينه لنفسه دون حاجة لمحاولة كسب تأييد الآخرين. فالمشكلة أن الغالبية تعتقد أن دينها أفضل وعلى الجميع أن ينضموا ويتحولوا إليه. إن حجم المعلومات المتعمقة حول الأديان المتوفر على الإنترنت أصبح يشكل ويغير نظرة الناس للأديان. 
وتوجد وجهة نظر أخيرة ترى أن ديانات جديدة بدأت في الظهور وتكتسب يوميا مزيدا من المتحولين، وربما تنقرض الأديان التقليدية المسيحية والإسلام والهندوسية وغيرها في العقود القليلة القادمة، لكن فكرة الدين نفسه لن تموت مهما طال الوقت. ولن تنقرض أبدا فهناك دائما من يحتاجون الدين لمواجهة مخاوفهم من الموت والمستقبل المجهول، وستكون هناك دائما حكايات ينقلها الناس لأصحاب المعجزات، وأن الله هو خالق هذا الكون ولا يمكن تدمير الربّ لذلك سيبقى الدين إلى الأبد، بل إن الإنترنت حملت عليه أديان البشر، وأصبحت جزءا من المعتقد الديني نفسه، علاوة على أن كل البشرية لا تستعمل الإنترنت. والناس دائما في الأزمات والكوارث وعندما تسير الأمور بشكل سيء، يلجئون إلى الدين بحكم الطبيعة البشرية! 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق