ماذا يعني طرح قانون التعليم المشترك؟

البادرة التي تقدم بها النائب الفاضل علي الراشد بشأن قانون التعليم المشترك بدعم من نواب آخرين من التيار الوطني الديمقراطي يجب أن لا تفهم على أنها قضية تتعلق فقط في قضية التعليم المشترك، فالمسألة أبعد من ذلك بكثير. فالقضية ليست معزولة عما يجري في المجتمع من أحداث وتطورات سواء أكانت إيجابية أم سلبية، والتي يمكن النظر لها من خلال عدة أوجه

فأول ما يتبادر للذهن هو الشجاعة والجرأة التي تمّيز بها النائب الراشد مع مؤيديه، فالقضية التي تصدى لها مثيرة للجدل وهناك معارضون لهذا الموضوع سواء داخل مجلس الأمة أو من الناخبين، نتيجة لعوامل وترسبات اجتماعية مختلفة. فمنذ أن تم إصدار القانون لم تكن هناك محاولات جادة لإعادة النظر به، لكن بعد سنوات من تطبيقه في جامعة الكويت على سبيل المثال ظهرت عيوب كثيرة جداً في هذا القانون الذي لم يعالج بالأصل الهدف الذي سن من أجله. فقد كلف الجامعة وأعضاء هيئة التدريس جهداً كبيراً وبدد الكثير من الوقت الذي يمكن أن يصرف على أمور أخرى خصوصاً أثناء عملية تسجيل الطلبة، علاوة على الأعباء المالية التي نتجت عن تطبيقه. بمعنى أن طرح قانون التعليم المشترك حالياً يأتي لمعالجة مشكلة حقيقية يعاني منها الطلبة والجامعة.

ومن جانب آخر يمكن النظر لهذه الخطوة ضمن سياق حركة الشد والجذب بين الأطراف التي تسعى للتغيير وتطوير المجتمع والأطراف الأخرى التي تريد إيقاف عجلة التقدم بل والعودة إلى الوراء ورفض المدنية والتغييرات التي تجري حولنا في العالم. فطرح هذا القانون يصب في اتجاه التغيير الثقافي في النظرة للرجل والمرأة التي تقوم على المساواة في الحقوق والواجبات ويعبر عن نظرة إنسانية سوية لا تشوبها الريبة والشك في النوايا والممارسات. هذا على عكس المعسكر الآخر الذي لايزال ينظر لهذا الموضوع نظرة تقليدية لا تقوم على المساواة وتقوم على الشك والنوايا السيئة، وكأن الاختلاط موجود فقط في الجامعات أو المدارس الخاصة ولا يوجد في كل مكان، وتنم في نفس الوقت عن جانب فكري مبني على التسلط وإخضاع الآخرين لأفكار فريق معين يرى في نفسه معياراً للحق، فيما الآخرون على باطل. فخلال الفترة السابقة هيمن هذا الطرف على مظاهر كثيرة في المجتمع وأوقف عجلة التقدم وفرض بأساليب مختلفة أفكاره وآراءه، وقد آن الأوان لأن تقف الأطراف المعارضة له ولما يفرضه على المجتمع، للحد من ممارساته وعدم تركه في الساحة وحيداً يحلل ويحرم ما يشاء وكأنه الوصي على المجتمع.

ويأتي طرح هذا القانون ليعبر عن رأي شريحة عريضة في المجتمع معظمها صامت، أو يتوزع في مجموعات متناثرة ترفض جوانب عديدة من الأوضاع الحالية لكنها تفتقر إلى توحيد الصفوف وإلى قيادة قادرة على توجيهها. فالأغلبية من المواطنين غير راضية عن الأوضاع الحالية سواء أكانت اقتصادية أم سياسية أم اجتماعية، وهنا يأتي دور القوى السياسية. في ظل هذا الوضع يكون من الضروري بلورة رؤية واضحة وبرنامج يتلمس قضايا المواطنين ويدافع عنها لمواجهة الأطراف الأخرى التي تعارض أطروحاتها. أي أن القوى والأطراف التي تسعى لإحداث تغييرات في المجتمع إلى الأفضل ليدخل روح العصر الذي نحن أبعد ما نكون عنه، آن الأوان لأن نعيد النظر في الكثير من الأمور وتوجيه جهودها لتحقيق أهدافها المرجوة. ولا شك بأن القوى الوطنية والديمقراطية هي المؤهلة للعب هذا الدور، وليكن طرح هذا القانون هو البادرة لتبني قضايا أخرى في هذا السياق. فمنذ عودة العمل بالدستور بعد تحرير الكويت تراجع دور القوى الوطنية والديمقراطية في الشارع الكويتي لأسباب عديدة، لكن على ما يبدو بأن الفترة السابقة قد أخذت مداها وبرزت مستجدات جديدة في المجتمع تستدعي قيام التيار الوطني الديمقراطي بمختلف اتجاهاته بأخذ زمام المبادرة في تبني العديد من القضايا التي تخدم مختلف الشرائح وتدفع في تطوير المجتمع وتحديثه.

في المقابل لابد من التأكيد على أن أي اختلاف فكري أو تشريعي أو في وجهات النظر بين الأطراف المختلفة في المجتمع لابد وأن يتم وفق أسس ومعايير حضارية، لا ممارسات تتنافى مع أعراف المجتمع الكويتي المسالم. وفي هذا الصدد تجدر الإشارة إلى نقطتين: الأولى، أن أي اختلاف في وجهات النظر أو الفكر أو غيره لا يعني إلغاء الآخر بل يجب أن يكون ضمن إطار وحدة المجتمع بمعنى أن نقرّ بوجود الاختلاف وتفوّق طرف على آخر فيه بروح من الود والاحترام بين جميع الأطراف. وهذا من أهم ما يميز الروح الكويتية التي سار عليها المجتمع منذ نشأته. أما النقطة الثانية، فتقتضي أن يكون أي تغير للقوانين والتشريعات ضمن إطار الأسس الدستورية التي ارتضاها الجميع ممثلة بالسلطة التشريعية وهي مجلس الأمة، والقبول باللعبة الديمقراطية واحترام رأي الأغلبية وعدم اتباع أية أساليب أخرى لا تعبر عن واقع المجتمع المدني ومؤسساته، وبذلك تحافظ جميع الأطراف على حرية الاعتقاد والرأي والتعبير وتعديل القوانين ضمن الأطر التي سنها الدستور والأعراف التي سار عليها المجتمع الكويتي. وبغض النظر عن النتائج التي يمكن أن يواجهها مشروع قانون التعليم المشترك المقترح فلتكن هذه البادرة هي البداية لعودة القوى الوطنية والديمقراطية لأداء دورها الفاعل بطرح القضايا وقيادة شريحة لا يستهان بها في المجتمع لتحقيق الأهداف والمبادئ التي تسعى لها.

{نشرت في جريدة أوان الكويتية في 25/2/2008}

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق