مارسيل غوشيه : “السّياسيّ هو ما يسمح للمجتمع بالتّماسك” – تقديم وتعريب: محمّد الحاج سالم




يرسم الفيلسوف والمؤرّخ الفرنسيّ مارسيل غوشيه (Marcel Gauchet) جينيالوجيا الشّرط الحداثيّ: من التّاريخ السّياسيّ للأديان إلى ولادة الطبّ النّفسيّ، مرورا بالوجوه الجديدة للطّفولة والتّربية. وقد أكّد حضوره بعيدا عن الدّوائر المعروفة بوصفه شاهد عيان ومحلّلا متميّزا للحياة السّياسيّة. ولئن ظلّ صوته لفترة أخفتَ من أصوات الفلاسفة الذين تروّج لهم وسائل الإعلام، فإنّه أضحى خلال السّنوات العشر الأخيرة من الفلاسفة المسموعة كلمتهم، وازداد طلب الجمهور عليه حيث نعجز معها عن عدّ المؤتمرات والنّدوات التي يستجيب لها فيلسوفنا لإلقاء الضّوء على زمننا الرّاهن عملا بما ظلّ يدافع عنه منذ ثلاثين عاما في مجلّة “الحوار” (Le Débat) مع بيير نورا (Pierre Nora): أن لا نفكّر نيابة عن المواطن، بل نعطيه الوسائل كي يشكّل رأيه الخاصّ بطريقة متبصّرة.


ولد مارسيل غوشيه عام 1946 في منطقة المانش الفرنسيّة، من أبٍ عامل طرقات وأمّ خيّاطة. وقد تلقّى تعليمه في مدرسة المعلّمين العليا التي انقطع عنها لفترة قبل أن يستأنف دراسة الفكر السّياسيّ في ماي 1968 تحت إشراف “كلود لوفور” (Claude Lefort)، ليتفرّغ من حينها تماما لهذا الأمر. وقد رسمت لقاءاته الفكريّة مع زوجته الطّبيبة النّفسانيّة “غلاديس سوين” (Gladys Swain)، و”بيار كلاستر” (Pierre Clastres)، و”فرانسوا فوري” (François Furet)، و”بيار مانانت” (Pierre Manent) وآخرين كثر، مسارا غير معهود، لكنّه موسوعيّ.  ويشغل مارسيل غوشيه حاليّا منصب مدير دراسات بمدرسة الدّراسات العليا في العلوم الاجتماعيّة وفي مركز البحوث السّياسيّة (ريمون آرون) ورئيس تحرير مجلّة (Le Débat)، وقد أصدر إلى حدّ الآن 21 كتابا و59 مقالا [انظر أهمّها أدناه]. ونحن نقدّم له حوارا من أحدث حواراته أجراه معه مارتن لوغرو (Martin Legros) ونيكولا تروينغ (Nicolas Truong) وصدر بمجلّة الفلسفة (Philosophie Magazine) الفرنسيّة في عددها السّابع لشهر مارس 2007 .

*****


 
هل تعتبر اختزال السّياسة في مسألة الانتخابات الرّئاسيّة علامة على ما تطلق عليه مركزيّة السّياسيّ، أو هو على العكس من ذلك، حرف للسّياسة عن مسارها من قبل وسائل الإعلام ؟

 لا بدّ من التّمييز بين الأمرين. هناك الطّقس الاجتماعيّ الهادف إلى كسر الرّتابة وبثّ حركيّة في الحياة الجماعيّة. وفي الوقت نفسه، لا يمكننا تقليص الحدث [الانتخابات الرئاسيّة] إلى مجرّد كوميديا اجتماعيّة وإعلاميّة، فهو يخلق انتظارا قويّا جدّا. والفرنسيّون، وهذه ميزتهم، لا يمكنهم الاستسلام أمام الموجة اللّيبراليّة الكبيرة الحاليّة. فبعد مرور النّصف الأوّل من القرن العشرين تحت شعار الاعتقاد في خلاص المجتمعات عن طريق السّياسة، نعيش حاليّا تغيّرا في الاتّجاه يتمّ فيه التخلّص من السّياسة لصالح المجتمع والأفراد المستقلّين. بيد أنّه يوجد عند الفرنسيّين، بحكم تاريخهم، اعتقاد في قدرة السّياسة على مقاومة هذا التوجّه اللّيبراليّ. إنّهم يواصلون الاعتقاد في السّيادة الجماعيّة. ويمكن للفكرة الدّيمقراطيّة الخاصّة بالحكم الذّاتيّ أن تُفسّر في اتّجاهين متعارضين تماما: إمّا على الطّريقة الأنغلوسكسونيّة، حيث هي حريّة المجتمع المدنيّ في التنظّم الذّاتيّ؛ أو على الطّريقة الفرنسيّة، حيث ترتبط بوجود آلة سياسيّة تتشكّل من خلالها القدرة على الاختيار الجماعيّ. وهذا ما تشهد عليه الحملة الانتخابيّة الرئاسيّة: إنّنا لا نزال مرتبطين بهذا التصوّر، سواء كان في ذلك صلاحنا أو بوارنا.

 وهل هذا الإيمان الفرنسيّ بالسّياسة أمر مشروع أم هو وهميّ ؟

 كان الإيمان بالقوّة القاهرة وهما، ولكنّ الموجة اللّيبراليّة الحاليّة واقعة تحت تأثير الوهم المعاكس: وهم العجز أو وهم غياب السّياسيّ. فالمجتمع المنتظم ذاتيّا بصفة تامّة، لا يقدر على الاشتغال إذ يؤدّي ذلك إلى تجريدٍ لا يطيقه الأفراد. والمجتمعات اللّيبراليّة بصدد قطع غصن الشّجرة الذي تجلس عليه إذ تؤمن بإمكانيّة استغنائها عن السّياسيّ، والحال أنّ السّياسيّ هو ما يسمح لها بالاشتغال.

 أنت تصرّ على التّمييز بين السّياسيّ والسّياسة. أين يكمن الفرق ؟

 السّياسة شيء مستحدث، وهي تعني الأنشطة التي تدور حول السّلطة التّمثيليّة أي السّلطة الشّرعيّة في مجتمعاتنا، تلك السّلطة التي تأتي عن طريق الانتخاب من قبل المواطنين وتتطلّب سلسلة كاملة من الشّروط (من حريّة الصّحافة إلى وجود الأحزاب والمناقشات العموميّة). إلاّ أنّ المجتمعات اللّيبرالية تريد إعادة كلّ شيء إلى السّياسة. وفي هذا المنظور، تنتج الحريّات الفرديّة سلطة تمثّلها رغم كونها سلطة محدودة بتلك الحريّات الأوّليّة. فالحريّات الفرديّة هي الأساس، فيما يقتصر دور السّلطة على الحفاظ على شروط إمكانيّة اشتغال مجتمع السّوق، مجتمع يتولّد من تآلف حريّات الفاعلين.

أمّا السّياسيّ، فهو شيء آخر مختلف تمام الاختلاف. إنّه ما يسمح للمجتمع بالتّماسك، وهو موجود منذ الأزل. ووظيفة السّياسيّ هي إنتاج كينونة المجتمعات البشريّة، إذ لا تتمتّع، على عكس المجتمعات الحيوانيّة، بكينونة طبيعيّة. فالنّمل أو القنادس لا تناقش – على حدّ علمي- كيفيّة انتظامها الجماعيّ، وما يميّز  المجتمعات البشريّة هو قدرتها على إعادة إنتاج نفسها من خلال السّياسي، فهو ما يضمن سيطرة المجتمعات على ذاتها. والسّؤال هو معرفة مصير السّياسيّ في مجتمعاتنا التي احتلّت السّياسة فيها كلّ السّاحة المرئيّة.

إنّ الوهم اللّيبراليّ هو في الاعتقاد بذوبان السّياسيّ تماما في السّياسة، بينما هو في الواقع ما زال موجودا بطريقة خفيّة: لقد انتقل إلى البنية التّحتية الرّمزيّة للمجتمعات. فبعد أن ظهر لفترة طويلة بوصفه منظمّ المجتمعات من فوق، ها هو ينتج الآن تجانسها من تحت. إنّه الوعاء اللاّمرئيّ الذي يتيح للحريّات الفرديّة الفعل دون الحاجة إلى التّساؤل عمّا يجمعها. ولعلّ الدّليل على تلك الوظيفة الخفيّة للسياسي هو ما تحتكره الدّولة من وزن: ففي الوقت الذي يفترض فيه عدم صلاحيّته لأيّ شيء، فإنّ الجميع عاجز عن الفكاك من قبضته ! بل نجد أنّه  يكلّف في الولايات المتّحدة، رغم محدودية دوره قياسا بأوروبّا، 36 ٪ من الثّروة الوطنيّة. وبالفعل، فإنّ السّياسيّ هو ما يسمح للسّياسة بالاشتغال.

هل يوجد “فكر 68” ؟ وهل أنت جزء منه ؟

 يوجد شيء مّا يمكن تسميته  “فكر 68” حتى لو كانت هذه التّسمية سخيفة، ما دام ممثّلوه ينتمون إلى جيل سابق. لكن ما هي الحقيقة الكامنة وراء التّسميات الضّخمة (ما بعد البنيويّة، التّفكيكيّة، ما بعد الحداثة، وما إلى ذلك) ؟ إنّها فكرة التّقارب النّظريّ بين الفتوحات المنجزة في مجال علوم الإنسان (اللّغويّات والنّياسة ethnologie والتّحليل النّفسيّ)، تحت مظلّة الفلسفة. وإنّني لمرتبط بهذا التوجّه، بل وثابت الوفاء له. اعتقد أنّ البرنامج الصّحيح هو أنّه انطلاقا من فتوحات علوم الإنسان، لدينا ما يلزم من العناصر الكفيلة بإعادة النّظر جذريّا في ماهيّة البشريّة من خلال تاريخها واشتغالها الفكريّ والنّفسيّ والعاطفيّ، إلخ. إلاّ أنّ المشكلة هي في التّعبير عن ذلك كما ينبغي. ومن وجهة النّظر هذه، فأنا شديد الانتقاد للمنتجات الفكريّة لتلك الحقبة (لاكان، ليفي ستروس، فوكو، درّيدا…)، مع اعترافي بما حقّقته محاولاتهم الفاشلة، إذ ما زلت أعتقد أنّها تحتوي على بذور تجديد فلسفيّ.

ومن هذا المنظور تولّد اهتمامك بالنّياسة. لقد أردت استخلاص النّتائج الفلسفيّة للاكتشافات النّياسيّة، ولا سيّما أعمال بيار كلاستر حول المجتمعات المضادّة للدّولة. ما هو “الدّرس المستفاد من البرّيين” « la leçon des sauvages » ؟

إنّ جميع فلسفات التّاريخ هي فلسفات للتقدّم: البشريّة هي تطوّر، وهذا ما كان يبدو صحيحا إلى حدّ بعيد استنادا إلى ما كنّا نعرفه إلى حدود سنة 1900، فكلّ ما كنّا نعرفه من التّاريخ كان يستند إلى الوثائق المكتوبة ذات الصّلة بالدّولة. إلاّ أنّ ولادة التّاريخ حديثة بمقياس ما تعلّمناه منذئذ: إنّها تعود فحسب إلى نحو خمسة آلاف سنة. أمّا الكشوفات النّياسيّة، فهي تمدّد زمن تاريخ البشريّة، وتسمح بطريقة موثّقة بمقاربة ما كان إلى  ذلك الوقت مجرّد مسألة ظنّية. فانطلاقا من قرائن صغيرة لكنّها قويّة، تظهر بدايات البشرية مختلفة عمّا كنّا نتصوّر. ولعلّ أكثر ما يثير، هو ما يخصّ مجتمعات ما قبل الدّولة التي ألقى عليها بيار كلاستر إضاءة حاسمة، فهي ليست جماعات بائسة تائقة نحو مستقبل دولانيّ [نسبة إلى الدّولة] أفضل.

إنّها مجتمعات “ضدّ الدّولة” وفق صيغة تتطلّب أن تكون مفهومة كما ينبغي. كيف يمكن أن نكون ضدّ شيء لا نعرفه ؟

 إنّها ليست جماعات ذاتيّة التّسيير صوّتت ضدّ الدّولة بطريقة رفع الأيدي [الانتخاب]؛ بل مجتمعات منظّمة بطريقة تجعل انبثاق جهاز دولة منفصلٍ عنها أمرا بعيد الاحتمال. ومع ذلك، فهي مجتمعات سياسيّة. فلا بدّ إذن من فكّ الارتباط بين السّياسيّ والدّولة. والسّؤال الذي ما زال معلّقا في أعمال “بيار كلاستر” هو معرفة ما الذي كان يسمح لمجتمعات بالكينونة في غياب الدّولة مع كونها مجتمعات سياسيّة؟ يبدو لي أنّ الجواب يكمن في العامل الدّينيّ، وأنا أقترح فهمَ دينِ الشّعوب البرّية انطلاقا من الوظيفة الاجتماعيّة والسّياسيّة المناطة به، فهذا هو الشّكل الدّينيّ الأكثر جذريّة الممكن تصورّه. إنّ جميع الأديان تؤمن بمبدأ متعالٍ وخارج عنها تجعله المتحكّم في الشّؤون الإنسانيّة، كما تنتظم هذه الأديان الأوّليّة حول أشدّ ما يمكن تصوّره من أشكال المبدأ الخارجيّ المتعالي صرامة: الأسبقيّة الزّمنيّة. فكلّ شيء يولد من شيء سابق عليه. والأصل، أي لحظة تنظيم الأشياء، هو ما يحدّد الكيفيّة التي نعيش بها. وقد كان لهذا نتيجته السّياسيّة: لا يمكن لأحد أن يكون في جانب المبدأ المؤسّس، والجميع متساوون أمام زمن الأسلاف، ذاك الزّمن الذي ورثناه والذي علينا تأبيد ما علّمنا إيّاه. فلا أحد بوسعه أن يكون في موقع سلطة في مجال عالم الغيب.

 
 فيم تلامس الأديان التّاريخيّة الكبرى عالم الغيب عند الإنسان ؟

 بإحلالها الإلهيّ في الرّاهن، فهي تجعل منه موضوع تجربة مباشرة للبشر، مع ما لذلك من نتيجة سياسيّة خطيرة: أنّ للآلهة وسطاءَ في عالم البشر. وما حدث مع الأجداد المؤسّسين في المجتمعات البدائيّة لا يمكن التوصّل إليه مطلقا. وحتّى لو استخلص الطّقس العبرة من ذلك راهنا، فإنّ الزّمن المقدّس قد ذهب بلا رجعة. فمع وجود إله، يغدو الأصل راهنا، ومن وضع الشّريعة هو من يواصل فرضها على البشر، ومن الممكن الاتّصال به مباشرة (الصّوفيّة) أو بطريقة غير مباشرة (العبادة).

 داخل الأديان التّوحيديّة، تبدو لك المسيحيّة أصيلة: فهي “دين الخروج من الدّين”. ماذا تعني هذه الصّيغة؟

يتعلّق السّؤال الكبير في الأديان التّوحيديّة بطرائق الوحي. ففي المسيحيّة يمثّل التجسّد العمود الفقريّ للأصالة المسيحيّة، فالله لا يتكلّم من فمه، وهو لا يملي الشّريعة بل يرسل ابنه، وهو إنسان وفي ذات الوقت إله. إنّ لهذه الحقيقة دلالة لا تنضب، فهي تعني أنّ للمجال الإنسانيّ أصالة غير منتقصة: فلكي تتحدّث إلى البشر، عليك أن تتكلّم لغة بشريّة. إنّ الإلهيّ يأتي من مكان آخر. ومن هنا، ينفتح فضاء تأويليّ لتفسير ما يمكن أن يكونه الإلهيّ في ما يتجاوز بعث رسوله، وهذا التّفسير يستدعي بالضّرورة الاستعانة بالغيب. إنّه يفترض الفصل بين الحياة الدّنيا واستقلالها الذاتي وبين عالم الغيب، ممّا يفرز حركة فصل بين هذين المجالين للواقع، وهذا ما لم يحدث في غير تاريخ المسيحيّة. هذه هي العُدّة المنطقيّة. ومع ذلك، كان ينبغي أن يظهر التّاريخ الاحتمالات المسجّلة فيه، وهذا ما حدث في أوروبّا الغربيّة ابتداء من عام 1000، بينما لم تشهد المسيحيّة الشّرقيّة مثيلا لذلك.

حين تتحدّث عن فكّ السّحر عن العالم، تتحدّث عن نهاية الوظيفة السّياسية للدّين. ولكن ألا يمكننا تصوّر أن تواصل التّجربة الدّينيّة العيش متجاوزة ذلك؟

لا أقصد حصر الدّين في وظيفته السّياسيّة، فلذلك تاريخ آخر. إنّنا نشهد في أوروبا انطفاء دور الدّين في التّنظيم الجماعيّ، وواضح أنّ هذا الأمر لا يمثّل نقطة النّهاية لتاريخه. ويبقى علينا كتابة التاريخ الأنثروبولوجي للدّين لا من حيث دوره في المدينة، ولكن من حيث التجذّر الأنثروبولوجي للمعتقدات الدّينيّة. فالإنسان هو الحيوان الوحيد القادر على التديّن، ولا يعني هذا أنّني أعتقد أنّه متديّن بطبعه، بل إنّ جوهره ينطوي على إمكانيّة الدّين، وهذه الإمكانيّة هي التي هيمنت بدرجة كثيفة على تاريخه. إلاّ أنّ ذلك لا يمثّل قدََرًا لا مردّ له، إذ يمكنه فسح المجال لشيء آخر. وهذا يعني، في الاتّجاه الآخر، أنّ هذا الأمر سيكون مع ذلك ذا علاقة بالشّأن الدّيني. فحين يتوقّف الإنسان عن أن يكون متديّنا، فإنّه يبقى هو ذاته، فيما تتّخذ الأمور التي يتطلّبها الدّين وسائط تعبير أخرى، وهذا هو التحوّل المحبط الذي نحن بصدد عيشه. إنّ أنتروبولوجيا الإمكانيّة الدّينيّة لا تزال أفضل وسيلة لفهم الإنسانيّة المعاصرة التي تبدو أبعد ما يكون عن مثل هذه المخاوف. فحتّى في خضمّ الماديّة والنّزوع إلى المُتعِ الأكثر جموحا، يوجد شيء آخر بصدد الاشتغال.

 ألا تنتقص نهاية الوظيفة السّياسيّة للدّين من الاعتقاد الدّينيّ الشّخصيّ ؟

إنّنا، في القارّة العجوز، بصدد عيش نهاية الدّين السّوسيولوجيّ، أي الدّين الذي كان يشتغل إلى وقت قريب جدّا كعامل إدماج بين المجتمعات الصغيرة (الحيّ السّكنيّ، الرعيّة الكنسيّة، مجتمع الفلاّحين…). لقد كانت دورة الحياة منتظَمة من قبل الشّعائر الدّينيّة (المعموديّة، القربان، الزّواج، الجنازة، إلخ). وهو ما لم ينته تماما، ذلك أنّ النّاس في خضمّ النّزوع إلى الكفر بكلّ شيء، أضحت تضايقهم فكرة أنّهم سيدفنون دون أدنى مراسم. فإذا ما لم يكن الإنسان كائنا دينيّا، فإنّه لا جدال في أنّه كائن طقوسيّ. ومع ذلك، فقد كان لتصفية دين التّكامل الاجتماعيّ أثر كبير على مكانة الاعتقاد، فقد تمّ بذلك استبعاد المؤمنين بموجب العادة، أي أولئك الذين يحضرون القدّاس ليكونوا مثل الآخرين؛ لكنّه جعل بالمقابل، من آخر المؤمنين أشخاصا شديدي الثّبات على عقيدتهم، وهو ما يمثّل في كثير من الأحيان احتجاجا على القيم السّائدة في المجتمع. إنّ المعتقد الدّينيّ يميل إلى أن يتحوّل إلى رافعة نقديّة ضدّ تسطيح العالم، وكلّما سيزداد الانفصال بين الدّين والتّماثل الاجتماعيّ سيغدو الالتزام الدّينيّ اختيارا ذا دلالة، وقد تخبّئ لنا هذه الأقليّة الفاعلة بعض المفاجئات.

[*] أصدر مارسيل غوشيه 21 كتابا أهمّها :

    * La pratique de l’esprit humain : L’institution asilaire et la révolution démocratique (en collaboration avec Gladys Swain), Gallimard, Paris, 1980.
    * Le Désenchantement du monde. Une histoire politique de la religion, Gallimard, Paris, 1985.
    * La Révolution des droits de l’homme, Gallimard, Paris, 1989.
    * L’Inconscient cérébral, Éditions du Seuil, « La Librairie du XXe siècle », Paris, 1992.
    * Situations de la democratie (en collaboration avec Pierre Manent et Pierre Rosanvallon), Seuil, coll. « Hautes Etudes », Paris, 1993.
    * Dialogue avec l’insensé – À la recherche d’une autre histoire de la folie (en collaboration avec Gladys Swain), Gallimard, Paris, 1994.
    * Le Vrai Charcot : Les chemins imprévus de l’inconscient (en collaboration avec Gladys Swain), Calmann-Lévy, Paris, 1997.
    * La religion dans la démocratie : Parcours de la laïcité, Gallimard, Paris, 1998.
    * Le religieux après la religion (avec Luc Ferry), Grasset, Paris, 2004.
    * Un Monde désenchanté ?, Editions de l’Atelier, 2004.
    * L’Avènement de la démocratie, t. I : La Révolution moderne, t. II : La crise du libéralisme, Gallimard, Paris, 2007.

كما نشر 59 مقالا أهمّها:

    * La logique du politique, Critique, n° 329, octobre 1974.
    * Politique et société : la leçon des sauvages, Textures, n° 10-11 et n° 12-13, 1976.
    * La dette du sens et les racines de l’État. Politique de la religion primitive, Libre. Politique – anthropologie – philosophie, Payot, n° 2, deuxième semestre 1977.
    * De l’avènement de l’individu à la découverte de la société, Annales. Économies, sociétés, civilisations, n° 3, mai-juin 1979.
    * De l’inexistentialisme, Le Débat, n° 1, mai 1980.
    * Fin de la religion ?, Le Débat, n° 28, janvier 1984.
    * On n’échappe pas à la philosophie de l’histoire. Réponse à Emmanuel Terray, Le Genre humain, n° 23, printemps 1991.
    * Le mal démocratique, Esprit, n° 195, octobre 1993, pp. 67-88.
    * Croyance religieuse et croyance politique, Le Débat, n° 115, mai-août 2001.
    * Ce que nous avons perdu avec la religion, Revue du MAUSS, n° 22, second semestre 2003.
    * Du religieux, de sa permanence et de la possibilité d’en sortir, Le Débat, n° 127, novembre-décembre 2003. (Discussion avec Régis Debray).

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق