ماركسيات وجهاديات وبلاط فاخر للجحيم..!! .

لا فرق، من حيث الجوهر، بين مختلف الحركات الجهادية التي نعرفها، والتي ستنشأ غدا، في العالمين العربي والإسلامي. وهذا يصدق على طالبان، وحماس وملحقاتها الفلسطينية، والجهاديات المصرية والباكستانية والجزائرية، والعراقية، والصومالية، والسودانية، وغيرها الكثير. ورغم أن هذه الحركات ليست وطنية، بالمعنى المعروف والمتداول على امتداد معظم القرن العشرين، إلا أن ما تبديه من ممانعة في وجه القوى الغربية، وما توظّفه من شعارات سياسية في حربها ضد أنظمة محلية، ترى فيها وكيلا للغرب، أو ضد احتلال قائم كما هو الشأن في فلسطين والعراق، يسوّغ النظر إليها من جانب البعض كحركات للمقاومة والتحرير، أو الممانعة حسب تسمية رائجة.

وغالبا ما يجد ذلك البعض، خاصة إذا كان غربيا، في أفكار التعددية الثقافية التي نشأت في سياق الكفاح ضد الكولونيالية في القرن الماضي، ما يمكنه من التغاضي عن تناقض قيم الجهاديات مع قيمه الخاصة، فقناعة شخص بتحجيب النساء، مثلا، لا تلغي حقه في المطالبة بالحرية والاستقلال، والعمليات الانتحارية هي قنبلة الفقراء النووية..الخ.

أما إذا كان ذلك البعض عربيا، فإن كفاح الجهاديات ضد أعداء الأمة في الداخل والخارج، يغفر في نظره غموض برنامجها السياسي، أو ظلامية مشروعها الاجتماعي. فالمهم أن الجهاديات تحظى بتأييد الجماهير. والجماهير لدى القومي والعلماني خادم الجهاديات أقنوم من أقانيم الطبيعة.

لذا، ينهال بسوط النقد، وحتى التخوين على ليبراليين وعلمانيين حقيقيين أو متوّهمين لا يشاطرونه الرأي. وفي حالات بعينها يميّز ما بين جهادية وأخرى لكنه يرفض القبول بما لديها من قواسم مشتركة، وبالقدر نفسه لا يتوانى عن تذكير الجميع بحقيقة أن المشاعر الدينية هي المحرّك الحقيقي للجماهير في هذا الجزء من العالم..الخ

وبما أن الجهاديات في واد وذلك البعض الغربي والعربي منه في واد آخر، فإن ما يجتهدان في تفسيره وتبريره لا يمثل جزءا من همومها. ولنأخذ مسألة الإرهاب، مثلا. للجهاديات لغة ومفاهيم خاصة، وبالتالي فإن القول بأن الإرهابي لدى شعب ما هو المقاتل في سبيل الحرية لدى شعب آخر (وهي معادلة ذهبية لدى البعض الغربي والعربي) لا تمثل جزءا من عالمها، ولا تحظى باهتمامها. فالجهاد يستمد معناه ومبناه من ثقافة مغايرة وبديلة لثقافة الكفاح ضد الكولونيالية في القرن العشرين. ويمكن التدليل على هذا الأمر بطريقة مقارنة.

كان تشي جيفارا رمزا من رموز الكفاح ضد الكولونيالية والإمبريالية في ستينات القرن العشرين، وكان عالمه مقسوما بين معسكرين: الاشتراكي والرأسمالي. وفي سبيل نصرة الأوّل وهزيمة الثاني خاض حرب عصابات في أكثر من مكان، وتبنى دعوته وحاول تقليده ما يصعب حصره من الشبّان في أفريقيا، وآسيا، وأميركا اللاتينية. وقد كان في نظر الرأسماليين والإمبرياليين مخربا وإرهابيا، لكنه كان في نظر الآخرين محاربا في سبيل الحرية، وراية من رايات الكفاح من أجل مستقبل أفضل للبشرية.

واليوم يقسم بن لادن العالم إلى فسطاطين: دار الإسلام ودار الكفر، وفي سبيل نصرة الأولى وهزيمة الثانية شن عمليات انتحارية ضد الولايات المتحدة، في عقر دارها وفي أكثر من مكان، وتبنى دعوته وحاول تقليده عدد يصعب حصره من الإتباع تحوّل العالم العربي والإسلامي بفضلهم إلى ساحة حرب مفتوحة ضد أعداء في الداخل والخارج. وهو في نظر الأميركيين والغربيين وأعداد لا نعرفها من العرب والمسلمين إرهابي، لكنه في نظر أعداد أخرى لا نعرفها من الأنصار والمؤيدين مجاهد كبير، وراية من رايات الإسلام المحارب الشجاع.

وبالمقارنة بين الاثنين يتضح التالي: قسّم الأوّل العالم طبقيا، أي لم يميّز بين بني البشر على أساس العرق أو الجنس أو اللون أو الدين. وبهذا المعنى الكوري والفلسطيني والأميركي والنيبالي أخوة، وأصحاب مشروع مشترك رجالا ونساء في سبيل عالم أفضل، تسوده قيم العدل والمساواة.

أما الثاني فقد قسّم بني البشر استنادا إلى مقولة اسمها الإيمان والكفر، الإسلام وكل ما عداه، وبهذا المعنى العداء بين المسلم وغيره مستحكم ومقيم. ولا يمكن للكوري أن يكون أخا للفلسطيني، أو النيبالي أو الأميركي، وما يحكم العلاقة بين هؤلاء ليس السياسة بل الدين.

نموذج جيفارا ينسحب على الماركسيات الأخرى بطبيعة الحال. فهناك الكثير من أوجه الاختلاف بين تجلياتها الفيتنامية أو اليمنية أو الروسية، ولكن هناك الكثير من أوجه الشبه، حيث تلتقي تجليات تشبه أغصان الشجرة الواحدة تحت التربة، وفي جذر مشترك. ونموذج بن لادن ينسحب على مختلف الجهاديات، فهناك الكثير من أوجه الاختلاف بين تجلياتها الفلسطينية والأفغانية والعراقية، ولكن هناك الكثير من أوجه الشبه، حيث تلتقي تجليات تشبه أغصان الشجرة الواحدة تحت التربة وفي الجذر المشترك.

والمهم في النموذجين الجذر المشترك، الذي يفشل البعض الغربي والعربي في رؤيته أو إدراك معانيه الحقيقية. فالماركسيات على اختلاف تجلياتها كانت محاولة لدفع عقلانية عصر الأنوار إلى حدودها القصوى، أما الجهاديات فهي محاولة للانقلاب على عقلانية عصر الأنوار بعقلانية مضادة تمثل نفيا للأزمنة الحديثة، ولكل ما حققه بنو البشر من تقدم على مدار ألف عام مضت.

كانت الماركسيات محاولة لاقتراح مصير مشترك لبني البشر. أما الجهاديات فبالرغم من تمويه مشروعها السياسي والاجتماعي بقضايا الوطنية كما عرفتها شعوب الأرض في القرن الماضي، إلا أنها مشاريع مغلقة، معادية لفكرة المصير المشترك، ومحرّضة على ديمومة الحرب والاحتراب. فالمشكلة ليست في التناقض بين قناعة شخص بتحجيب النساء والحق في الاستقلال، بل في حقيقة أن غاية الاستقلال، أو تهديم دول قائمة، إنشاء دول يمثل تحجيب النساء والعقول مبرر وجودها. وهذا ما ينبغي ألا يغيب عن أذهان البعض، خاصة وأن بلاط الجحيم مفروش بالنوايا الحسنة.

—-

جريدة الأيام (رام الله) 22/1/2008

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق