ماغريس وكافكا وكانيتي وأسرى القرن التاسع عشر / ربيع جابر

ينبع الدانوب من الغابة السوداء ويصب في البحر الأسود. يقطع أوروبا من الغرب (ألمانيا) الى الشرق (رومانيا) منقلاً على ضفتيه مدناً وقرى وعواصم. نهر عظيم المياه اذا تعقبه رجل مدمن القراءة والكتابة أعطانا تاريخاً أدبياً فريداً لأوروبا الوسطى. «الدانوب» (1986) لكلاوديو ماغريس لم يترجم الى العربية بعد لكن هذا الكاتب الإيطالي المتعمّق في الأدب الألماني قد يحظى بنوبل الآداب ذات خريف وعندئذٍ تسهل ترجمته. لا يذكر ماغريس في كتابه رحلة الكاهن الإنكليزي دنتون الى صربيا في 1861 ولعله لا يعرف كتابه «صربيا والصرب» الصادر في لندن عام 1862. اذا دلّه أحد الى الكتاب المذكور سيتوقف أمام الرحلة النهرية ووصف النبات والطيور وسيرى كيف يتقاطع تقرير دنتون مع أحد مصادر «الدانوب» المجرية ( كانتز). الاثنان – الأول في 1861 والثاني في 1870 – ذكرا رؤية مساجين دروز من جبل لبنان نفتهم الإمبراطورية العثمانية الى تخومها. الأول أبصرهم يتلاشون جوعاً في أقبية «القلعة البيضاء» (بلغراد). الثاني رآهم مغلولين بالحديد بعد تسع سنوات يخوضون مع حراسهم في مياه الدانوب في بلغاريا. ماذا حملهم من بلغراد الى قرية منسية في بلاد البلغار؟ كانوا في طريق العودة الى قراهم في بلاد الشام ام كانوا ذاهبين في الرحلة الاخيرة التي لا يرجع منها احد؟ المصادر التاريخية العربية لا تخبرنا شيئاً عنهم. نيتشه طلب محبة القدر. لا نعرف الكثير عن قدر أسرى القرن التاسع عشر في كتاب ماغريس (محبوسين كالطيور في أقفاص) لكن ذلك السطر اليتيم في الترجمة الإنكليزية يحرك الخيال.

 

في فصل آخر يزور ماغريس المصح حيث حاول كافكا عبثاً أن يشفى من السل. لا يذكر ماغريس ايفان كليما في كتابه الذي يعج بالأسماء. حتى كونديرا (ابن آخر لأوروبا الوسطى) لا يذكر الا مرة وحتى هذه المرة لا تمنحه مكاناً في ثبت الاسماء في نهاية الكتاب. لكن رؤية ماغريس لكافكا تشبه رؤية كليما لكافكا حتى ان قربى روحية خفية تبدو جامعة بين الاثنين. القراءة نبع اوهام. يصف ماغريس وجه صديقته في الليل. أضواء الكهرباء تلون مياه الدانوب وتنعكس على صفحة الخد الملساء. حين تعبر نادلة بتنورة قصيرة بيضاء بين الطاولات يدرك ماغريس شيئاً. هذا يشبه يوميات كافكا المبكرة. كان مولعاً بوصف وجوه الممثلات والنساء الخارجات من المسرح. هناك إيماءات تخبر ما تكتمه مجلدات. قارئ كافكا يقدر أن يتخيله في 1917 جالساً في الليل يكتب «سور الصين العظيم» أو «تقرير إلى أكاديمية». يقدر ان يتخيله في 1914 يكتب «محطة كلدا للسكة الحديد». ماذا أخذ كافكا الى أمكنته الخيالية البعيدة؟ بين 1914 و1917 فقد وزناً. بعد 1917 يزداد نحولاً وتتسع عيناه. جرثومة السل نهمة لا تشبع: رويداً رويداً يتآكل الكاتب الشاب من داخله. كليما يتماهى مع كافكا لكنه لا ينسى الحذر ومثل تشايكوفسكي يلجأ الى قوة الإرادة كي يتغلب على أحزانه. كسينغيان يذهب الى موسيقي آخر في الصفحات الأخيرة من «انجيل رجل وحيد» كي يبقى. الحزن سر الشعر ويملأ سطور ماغريس لكنه ثمين ولا يطرح نفسه تحت الأقدام. باطني ويجري تحت الصفحة ولا يعيق حركة السفن أعلاه: يتدفق الدانوب ومعه تاريخ أوروبا. الحقبة النازية – جنون ألمانيا – مركزية في وعي ماغريس. يزور الحصون والأطلال ومعتقلات الإبادة. يتقفى أثر قطعان بشرية محاها القدر بضربات متلاحقة. في رومانيا يبحث عن مصير الأقلية الألمانية. انقلاب التاريخ. يخبرنا ان ادب الأقلية الألمانية ممنوع وساكت في رومانيا. يذكر كاتبة تدعى هيرتا موللر كتبت مجموعة قصصية ثم منعت من النشر. لم يكن يعلم عندئذ أنها تكتب في رأسها «أرض الخوخ الأخضر». في نهاية رواية موللر المنشورة بعد كتاب ماغريس بسنوات قليلة (لكن كافية كي ينقلب التاريخ مرة أخرى وبلا حرب كونية) نقع على وصف عميق الأثر لجثة تغسل. صعب أن تجد كاتباً لم يجرب مثل هذا الوصف بطريقة أو بأخرى. لا يقدر الأدب أن يشيح بوجهه عن مشهد الموت. لعلها لحظة اختبار وامتحان للأدب. من الميتة؟ جدة أصابها الخرف. بعد الغسل يجب تلبيس الجثة. زر الكنزة مقطوع والابنة أو الحفيدة – لا أذكر مَن والكتاب ليس هنا الآن وللقارئ أن يختار – تجلب خيطاً وإبرة وتخيط الزر وتنحني بأسنانها على الميتة وتقطع الخيط. هذا يشبه تولستوي (هذا المقطع فقط) لو انه ولد ولادة ثانية وامرأة هذه المرة في رومانيا.

 

في بدايات «أرض الخوخ الأخضر» (1993) أماكن تردنا الى «الحشود والقوة» لالياس كانيتي. العمال في المصنع يصوتون برفع الإيدي. لغة موللر الخائفة المسننة تجرح في اتجاهين: اقسى لحظة ستكون مع الصديقة التي تتحول مخبرة – على الأقل في رأس موللر – وهذا كله ينبع من تلك البدايات ومن الحشد يصفق في المصنع مثل حيوان كثير الأيدي برأس واحد ممسوخ. ماغريس يذهب في بلغاريا الى البيت القديم حيث نشأ كانيتي قبل ان تأخذه الدروب غرباً. أقلية أخرى المانية اللغة حملتها موجة التاريخ ثم ردتها. ماغريس تلميذ روحي لكانيتي ومع هذا وبسببه ايضاً يقسو عليه ويهاجم سيرته الذاتية (ثلاثة مجلدات). يعتبر ماغريس رواية كانيتي اليتيمة المنشورة في 1935 تحفته. كان كانيتي في الثلاثين آنذاك ومقيماً في فيينا. كل ما صنعه كانيتي لاحقاً يأتي للتعريف بتلك الرواية المنسية. حتى كتابه «الحشود والقوة» (1960) يظهر عندئذ تعليقاً تاريخياً – نفسياً طويلاً على الرواية. يشبه ذلك ان يظهر كافكا فجأة في لندن ما بعد الحرب العالمية الثانية – عجوزاً حياً يعج بالقوة – كي يكتب سيرته الذاتية ويخبرنا عن «المحكمة» او «أميركا». لماذا يبارز ماغريس كانيتي؟ يتجول في البيت القديم ولا ينسى قبل المغادرة ان يرسل واصحابه بطاقة بريدية الى كانيتي في جنيف.

 

يصف كانيتي في مذكراته الإنكليزية التي صدرت بعد رحيله اصدقاء وصديقات في لندن منتصف القرن العشرين. (الكتاب صدر بالألمانية سنة 2003 والترجمة الانكليزية في 2005). نرى كانيتي في حفلة انكليزية راقصة تتواصل الى آخر الليل بينما الطائرات تتقاتل في سماء لندن. قبل ذلك – قبل الغارات على لندن – يسأله رجل انكليزي عن جنسيته. هذا حوار في حديقة انكليزية بين اشجار وورود. يجيب كانيتي على السؤال: انا من قرية على نهر الدانوب في بلغاريا.

 

في لندن اعتبروه الكاتب الناجي من فيينا. لأنه أتى الى لندن من فيينا. ماغريس يعتبره ابن أوروبا. مات كافكا في 1924. مات كانيتي في 1994. التشيكي والبلغاري سكنا اللغة الألمانية. ماغريس يكتب بالإيطالية هواه الألماني. حين ينزل في بودابست ويتكلم عن ادب هنغاريا لا يذكر اغوتا كريستوف المهاجرة الى سويسرا والى اللغة الفرنسية. لكن لماذا نبارز ماغريس؟ ثلاثية اغوتا كريستوف تزامن كتابه وتروي بقصة التوأمين لوكاس وكلاوس تاريخ أوروبا الوسطى من دون ان تسمي مكاناً واحداً. هل كانيتي ابن اوروبا؟ حين يرى الإبل ذاهبة الى الذبح في مراكش ماذا يتذكر؟ معسكرات الإبادة؟ هل كافكا ابن أوروبا؟ لماذا كتب «سور الصين»؟ كانيتي كتب عن رسائل كافكا. أراد – من دون أن يلفظ ذلك – ان يجلس ويتكلم معه. اثنان مفصولان بمحيط يتبادلان رسائل قصيرة بين سنة واخرى. أحدهما يقول للآخر – بلا كلام – انا هنا ما زلت موجوداً وما زلت أقرأ. قد يباعد بينهما سوء فهم او شح في المعلومات لكن الرابط خفي ولا ينقطع: ما السر؟ محبة الخيال؟ في لندن التي يقصفها هتلر قرأ كانيتي شعراء التاوية الفلاسفة وقرأ رحلة ابن بطوطة الهندية. «الحشود والقوة» لم يترجم الى العربية بعد مع انه يدين لأسلافنا. من نكون؟ من كان كافكا وهو يسير تحت شمس الصين ويتكلم مع بناة السور ويشرب شاياً في ظل شجرة. العرق يغطي جسمه والقميص يلتصق بكتفيه. شعراء التاو جلسوا قبله تحت هذه الشجرة. الطريق خضراء في الوسط – حيث لا تمر عجلة – والذين يعبرون يتوقفون لحظة عند مصطبة خشب بسط عليها بائعون أطعمة باردة وحارة وحلويات مقلية. المريض الآتي من بعيد ينظر وينتظر. يقولون انه ينتظر البريد. يقولون ان الإمبراطور كتب له رسالة.

 

ماذا تحوي الرسالة الإمبراطورية؟ كيف تقطع الكلمات المحيط؟ من يصل ومن يضيع ومن كتب له في اللوح المحفوظ ان تنتظره بوابة؟ وحتى أنت الواقف امام الباب عارفاً انه بابك انت وحدك كيف تعلم ماذا ينتظرك بعد العتبة؟ يبلغ ماغريس المصب ويرى – في مرفأ مغطى بالصدأ – الدانوب العظيم يلقي ماء معتكراً في البحر الاسود. لم يجد المصب بيسر. ولا المنبع. هل وجد الطريق؟ وجد دانوب اوروبا؟ الغريب انه لا يصف النهر اكثر. هل النهر خيالي؟ يقف امام «بوابات الحديد» ومثل الكاهن دنتون من قبله يفكر في الشرق والغرب وفي عوالم باقية – متلاشية. على تخوم «المملكة العثمانية» (عبارة منقورة في بلاطة رخام امام كنيسة بروتستانتية في بيروت) بدأت أوروبا. ساركوزي ابن اوروبا؟ هذا الصيف يطرد غجراً من باريس. هؤلاء رومان وبلغار. ماذا حملهم الى باريس؟ فضلوا السين على الدانوب؟ كان أحسن لهم أن يقيموا في القرن التاسع عشر. كان أحسن لهم أن يبقوا في بيوتهم ويهربوا بالروح. النجاة وهم؟ لا بيوت لهم؟ بيتهم الريح؟ ماذا يقول كانيتي لساركوزي اذا التقاه غداً او بعد غد في حفلة راقصة؟ كافكا قاعد في الزاوية تحجبه غيمة دخان يسعل وينظر بعيني غجري الى الرجل في البذلة السوداء والحذاء الاسود. ماذا يدور في رأسه؟ كف عن الانتظار؟

 

كانوا كثراً وكانوا يقطعون نهراً وقبل قرون بعيدة ومن دون ان يعلموا قطعوا نهراً في «الالياذة» وهوميروس ترك أخيل الغاضب يذبحهم. من كانوا؟ من نكون؟ الدانوب يلقي مياهه في البحر الاسود والسفن تعبر. في الحديقة الباردة الصغيرة اسفل برج ايفل المشعشع بالكهرباء فتاة صغيرة زرقاء الثوب تنعس وتميل على كتف أمها. وجه الأم غائب في الظل ولو وقع عليه ضوء يصفه كافكا.

 

عن ملحق آفاق جريدة الحياة 21/9/2010

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق