مانيفست أسود لأحوال الثقافة العربية تحت الرقابة / خالد غزال

مانيفست أسود لأحوال الثقافة العربية تحت الرقابة / خالد غزال

شكلت الرقابة على الكلمة والإنتاج الفكري هاجس السلطة في المجتمعات الإسلامية والعربية منذ تشكلها. لم يخل عهد أو نظام من التصدي للثقافة،ومن فرض عقوبات طاولت العاملين في هذا المجال، كما ظلت العلاقة بين السلطة والثقافة متوترة على امتداد جميع العصور. يزداد الأمر سوءا عندما تنجدل هذه العلاقة بالإستبداد الذي يشكل السمة الأساسية في النظام العربي الإسلامي، وهو استبداد عانت منه الكلمة شتى أنواع الإضطهاد. على رغم أنّ أنظمة دول الإستقلال العربية قد نصت في دساتيرها على الحرية الفكرية وحق إبداء الرأي، وكفلتها في الدساتير والقوانين والتشريعات الموضوعة، إلاّ أنّ هذه الحقوق ظلت خارج السياق العملي في الممارسة، فما كان يجري على الأرض يعاكس تماماً الحقوق المعطاة، بل يترجم اضطهادا متعدد الاشكال. لم تكن الحالة العربية فريدة في بابها، فقد عانت المجتمعات الأوروبية من سلطان الرقابة على الكلمة والثقافة، ودفع مثقفون أثماناً باهظة جواباً عن إبداء الرأي والتعبير عن رفضهم للطغيان، من محاكم التفتيش إلى أنظمة الإستبداد لاحقاً، قبل أن تصل الى قيام انظمة ديموقراطية تحمي الكلمة بسلطة القانون والمجتمعات المدنية.

في المجتمعات العربية، تثير كلمة الرقابة الخوف، الذي يتسبب في خلق صورة سوداوية يصاب بها المثقف والكاتب أو كل عامل في مجال إنتاج الكلمة، وهو خوف تلمس نتائجه مباشرة، لارتباطه بمفهوم العقاب، سواء اتخذ شكلاً مادياً أم معنوياً أم رمزياً. بلغت الرقابة أحجاما استثنائية في العقود الأخيرة، وخصوصا بعد الهزيمة الكبرى عام 1967 وما تركته من تداعيات، وكشفت المستور من السياسات والوعود التي تكشفت عن خواء، ووضعت الانظمة والسلطات القائمة في مواجهة الشعوب العربية المحبطة، فلم يكن أمام الحاكم العربي سوى القمع وسيلة لمنع ردود الفعل، أو طرح أسئلة من نوع: لماذا حصل ما حصل، ومن يتحمل المسؤولية؟ لكنّ زمن الهزيمة المتوالي فصولاً بعد أربعة عقود، وسّع من دائرة الرقابة على الكلمة، وأضيفت اليها رقابات فاعلة تمتلك سلطات مادية ومعنوية، فشهدت هذه المجتمعات الرقابة الإيديولوجية التي تقوم بها ايديولوجيات حاكمة او حزبية ذات منحى محدد في التوجه الفكري والثقافي، وتسعى إلى قولبة المجتمع وفق المفاهيم التي تقول بها. وهناك الرقابة الدينية التي لم تتوقف يوما في التاريخ، لكن مدى سلطانها امتد واتسع في العقود الأخيرة، بعدما توثقت العلاقة مع السلطة السياسية وقامت صلة تبادلية بينهما. واندغم هذان النوعان من الرقابة مع سلطة العادات والتقاليد والأعراف السائدة التي تضخمت مع ارتداد المجتمعات العربية إلى مزيد من التقهقر، بعد انهيار بنى الدولة وصعود العصبيات بأفكارها ومفاهيمها البائدة، لتنتج جميعها، القمع المادي والرمزي المباشر، ولتولّد في المقابل رقابة ذاتية يمارسها الفاعل الثقافي على ذاته، ويتولى بموجبها ممارسة القمع على نفسه من سلطة خفية تكمن في داخله، تبدو، احيانا كثيرة، اشد فظاعة، من قمع السلطات القائمة.

يختصر الكاتب السوري ياسين الحاج صالح "رسالة" الرقابة بالقول "إنّ الرسالة التي تكمن وراء الرقابة لا ترتد إلى المنع بمقدار ما تتعلق بتأكيد أين تكمن السلطة الحقيقية وبيد من القرار الحاسم، ومن يمنع ويسمح ويحل ويربط" (جريدة الحياة، 31-10-2009).

 

في رقابة السلطة وأجهزتها الأمنية

 

تأخذ الرقابة التي تمارسها السلطة طابعها القمعي والمتشدد من كونها تستند إلى تشريعات تنص عليها الدساتير والقوانين، وهي في هذا المعنى رقابة تخضع الثقافة والعاملين فيها إلى القمع المادي في حال المخالفة، بما يجعلها في الواقع من أقسى أنواع الرقابات، كون السلطة تستطيع بواسطتها توجيه السياسات نحو مصالحها الخاصة بقوة القانون والأجهزة الأمنية الخاضعة لها. على رغم أنّ معظم دساتير الدول العربية اعتمدت في السنوات الأخيرة، بالتوافق مع التشريعات الدولية المتصلة بحقوق الإنسان، مواد دستورية تحفظ الحق في التعبير عن الرأي وتكفله بموجب القانون، إلاّ أنّ الممارسة الفعلية كانت بعيدة جدا عن التزام هذه النصوص، حيث كانت التشريعات التطبيقية والقوانين التفسيرية والملحقة بالدساتير تطيح النص الأصلي، لصالح قرارات زجرية، تصبح هي القوانين الأصلية.

تتعدد أجهزة الرقابة، فلا تقتصر على مراقبين عاملين في  وزارة معنية بالجانب الثقافي مثلاً، بل تتولى الرقابة أجهزة أمنية ومخابراتية، تحدد ما هو مسموح وما هو غير مسموح به. ولعل مجمل العاملين في إنتاج الكلمة لا يعانون من الرقابة من حيث المبدأ، بمقدار ما يعانون من إخضاع إنتاجهم لأجهزة يتسم القائمون عليها بعدم الإختصاص، والجهل وانعدام المقاييس لديهم في تقويم أو تصنيف هذا النص أو ذاك، وخصوصاً في المجالات الأدبية أو الفكرية أو التاريخية أو الفنية… حيث "يطال تقييد الحريات المطبوعات والجمعيات والتجمعات ووسائل الإعلام، أي باختصار كل مراكز صناعة الرأي، مما يخصي فاعليتها في التنوير والتثقيف والتوعية" (مصطفى حجازي، "الإنسان المهدور"، ص174) ، فلا تتورع هذه الأجهزة عن اتخاذ قرارات القمع أو المنع من النشر وفق مزاج هذا المسؤول أو الرقيب. هكذا تعكس الرقابة السائدة عربيا، وبقوة، حجم التخلف الذي تعاني منه مجتمعاتنا، ومدى الرعب الذي يصيب الحكام العرب من الحرية، التي ترى فيها نقيضها ومصدر الخطر عليها، في حين أنها تشكل الشرط الأول والضروري للإبداع وتفتح الوعي.

يحتاج القمع المادي العاري الذي تمارسه أجهزة السلطة، إلى تبريرات سياسية وإلى نشر مناخ إيديولوجي يجري بموجبه إقناع المجتمع بالحاجة إلى ممارسة الرقابة وإلى الإجراءات الرادعة المرافقة لها. تبتدع السلطات الإستبدادية الحجج المتنوعة والمتعددة، كل مرة وفق الظروف السياسية التي تكون قد استجدت. في مراحل من التاريخ السياسي العربي، جرت أدلجة الرقابة وتبريرها بحجة القضية القومية الكبرى والنضال لتحرير الأرض، التي تعلو أهدافها فوق كل هدف، فقمعت الديموقراطية والحريات، وأسكتت الأصوات المعترضة على السياسات الرسمية خوفاً من إلهاء الحاكم عن القضية الكبرى، وكان يومها شعار "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة" كاسحاً ومهيمناً. وترافق الشعار مع رقابة مشددة على الإنتاج الثقافي خوفاً من أن تصيب ثقافتنا العربية آثار الغزو الفكري الآتي إلينا من العدو الصهيوني أو من الغرب الإستعماري، وتتسبب في نشر اليأس والإحباط والإستسلام أمام العدو. ساعدت هذه التعبئة الإيديولوجية في إيجاد المناخ المناسب لتقبل الشعب لمختلف انواع الرقابة، بل وتبريرها والدفاع عن القائمين عليها.

بعد تهافت الشعارات القومية والوطنية واستخدامها شمّاعة لممارسة الرقابة، استعارت الأجهزة شعارات من نوع المس بالوحدة الوطنية وتهديد المجتمع بنشر الخلافات بين أبنائه وإثارة الأحقاد السياسية من خلال المس بالنظم والثقافة والتقاليد السائدة، وصولاً إلى اعتبار هذا الإنتاج الثقافي أو هذا الرأي يمس بالأمن القومي وهيبة الدولة، ويتسبب في إثارة التناقضات الطبقية والطائفية. في الأعوام الأخيرة، وتحت حجة مكافحة الإرهاب، استغلت السلطات انتشار الحركات الإرهابية والممارسات التي تلجأ اليها في الجانب الأمني، لتفرض مزيدا من القيود على الحريات والأفكار، وتتشدد في مراقبة الكلمة، وكل وسائل الإعلام والنشر والصحافة، خوفاً من خطر إفادة الإرهاب من توظيف الكلمة في خدمة أهدافه، فاستغلت هذا الواقع لتعمم الخطر الإرهابي، وليطال ميادين ثقافية لا تمت بصلة إلى السياسة ايضاً، ولتمعن في تقسيم الشعب وتصنيف فئاته وتعيين الأعداء منهم الذين يجب التنكيل بهم.

نجحت السلطات العربية في بناء "دول امنية" قائمة على الإستبداد، وساعدتها الإيديولوجيات ذات الطابع الشمولي والقبلي- العشائري في تكوين شخصية  للإنسان العربي محكومة بالخوف والريبة والشك، عبر كمّ الأفواه وفرض العقاب المتعدد الأشكال جواباً عن كل اختلاف. ترجمت هذه السياسة على قطاع الثقافة والمثقفين، قمعاً واضطهاداً وتشويهاً لموقعهم، وملأت بهم السجون، ونكّلت بالكثير منهم، وشرّدت قطاعات واسعة وفرضت عليهم التهجير خارج العالم العربي، وعانت أقسام كبيرة من الذل والإهانة والصعوبة في تأمين متطلبات حياتهم. إلى جانب القسوة الشديدة في التعامل، نجحت السلطة في تدجين أوساط واسعة من العاملين في الثقافة، فأدخلتهم في إدارات الدولة، ووظفت مقدرتهم الثقافية في تقديم صورة "عصرية" للنظام، فصاروا مؤدلجيه ومبرري سياساته ومروجي مفاهيمه في الحكم. هكذا نشأ ما يجري تسميته بـ"مثقفي الحظيرة" الذين وضعوا انفسهم في خدمة السلطة، أو ما أطلق عليهم الكاتب التونسي الطاهر لبيب تعبير "المثقفين المقاولين"، وهم المقيمون في بلدانهم، والمتجولون في العالم العربي بائعين "بضاعتهم الثقافية" وما يملكونه من معرفة للجهة التي تدفع أكثر. ازدادت حاجة السلطة العربية في العقود الأخيرة إلى إنتاج مثقفيها العاملين في خدمتها، للتنظير لشرعية السلطة المفقودة من شعوبها، مع تعطل الحياة الديموقراطية والفشل في تحقيق الوعود الني نالت شرعية الشعب على تفويضها بالسلطة.

 

رقابة المؤسسة الدينية

 

لا تعود الرقابة التي تمارسها المؤسسة الدينية الإسلامية إلى الزمن الحديث، بل هي تنتمي إلى الماضي البعيد، ومنذ نشوء الإسلام وتكوّن المؤسسات السياسية والدينية فيه. سبق للمسيحية أن مارست هذه الرقابة واستخدمتها في الصراع على السلطة. قبل أن تصبح هذه الرقابة ذات وظيفة سياسية واجتماعية، استندت إلى عنصر "إيديولوجي" يتصل بطبيعة الفكر اللاهوتي ومكوّناته الذي يرى، في العمق، قصوراً للانسان عن القيام بواجباته، فحدّد له الوصايا والقواعد ليمارس واجباته الدينية والإجتماعية، من خلال النصوص المقدسة. بذا شكلت هذه النصوص أول مدماك في الرقابة المعنوية والرمزية على الإنسان وممارساته، قبل أن تتحول هذه الرقابة عنصراً مادياً يقوم على الزجر والردع.

توسّع نشاط المؤسسات الدينية في ممارستها للرقابة، فلم تعد تكتفي بما تقول به النصوص المقدسة، بل وسعت من اجتهاداتها لتطال رقابتها مجمل المجتمع، بما فيه التدخل في شؤون الحياة اليومية والحياة الشخصية للإنسان العربي. يتجلى دورها في الميدان الثقافي من خلال الرقابة على الخلق، والتدخل في إجازة هذا النص أو منعه، وإصدار الفتاوى الضرورية لمممارسة هذه السلطة. حتى أنّ بعض هذه المؤسسات باتت تضع مقاييس للإنتاج الثقافي تتصل بمدى انتسابه إلى الإيمان الديني فتجري إجازته، أو إلى ما يعتبر في نظرها مناقضاً لمنطق هذا الإيمان فتدعو إلى منعه.

لم يكن لرقابة المؤسسة الدينية على الثقافة أن تتخذ حجمها الضخم في الزمن الراهن، من دون التوقف أمام بعض العوامل الموضوعية، وخصوصاً منها ما أصاب المجتمعات العربية من انهيار في مشروعها التحديثي، ونكوص عما تحقق من تحديث وحداثة، بما فيه تراجع القيم التي رافقتها في الحرية والحق في التعبير والإنفتاح على الحضارات، وما رافق ذلك من دور إيجابي للحياة الثقافية في التقدم النسبي الذي حققته المجتمعات العربية في مراحل مسيرتها النهضوية منذ نهايات القرن التاسع عشر. هذا الإنهيار المجتمعي الشامل، وانبعاث صعود العصبيات وتفكك الدولة، وحاجة السلطة السياسية إلى مزيد من المشروعية، مضروبا كله بانفلات الحركات الأصولية المتطرفة وفكرها الديني، أعطت المؤسسات الدينية دوراً متصاعداً في تشديد الرقابة العامة على المجتمع، وخصوصاً الإنتاج الفكري والثقافي، وهو دور تمارسه اليوم المؤسسات الدينية الإسلامية والمسيحية على السواء، باسم نشر القيم الدينية والأخلاقية والحفاظ عليها.

لعلّ أسوأ ما اتسمت به رقابة المؤسسات الدينية على الثقافة والمثقفين، يتصل برمي المخالف بتهم الكفر والإلحاد والمس بالذات الإلهية، وهي تهم كافية لتكفير المثقف، ووضعه أمام إجراءات زجرية تصل إلى حد هدر الدم وتبرير القتل. تنبع قوة الفتوى التكفيرية من استنادها إلى ما يحدده رجال الدين من مقدسات، ليس فقط استناداً إلى ما تقول به النصوص الدينية، بل إلى ما وضعه هؤلاء من اجتهادات وتفسيرات، فباتت جميعها تنتمي إلى المقدس، ومخالفتها تصبح مخالفة للمقدس، وهذه المخالفات تبرر الردع منعاً للمس بالمقدسات. يزخر تاريخ المؤسسات الدينية بهذه الممارسات، وقد شهد تنوعاً في التطبيق في مراحل تاريخية مختلفة. لقد بدا لفترة من الزمن أنّ منطق التكفير والتحريم والإتهامات بالزندقة قد تراجعت وتيرته مع المسار النهضوي الذي انخرطت به المجتمعات العربية، ليعود في العقود الأخيرة ويحتل مركز الصدارة، ويزدهر ويمد شبكته إلى كل مدارات الحياة. تشير رجاء بن سلامه في كتابها "نقد الثوابت" إلى هذا الجانب التكفيري بالقول: "ما ظننا أنه ألقي في سلة مهملات التاريخ يعود: حملات التكفير والتطهير الديني، ومطاردة كبش الفداء الذي تصب عليه المجموعة كل غضبها الحاضر والماضي، وإحراق الكتب في الساحات العامة، عندما تضيق الساحات العمومية عن أفعال عمومية من نوع آخر… والمصادرات أصبحت دموية لاستنادها في الكثير من الأقطار العربية إلى حكم الردة، المؤدي إلى التكفير والقتل أو الدعوة إلى القتل، والمؤدي إلى حملات جنونية لا تنتهي".

تشكل الفتوى الممر الأساسي للرقابة الدينية، وهي اتخذت حجماً كبيراً في العقود الأخيرة، وباتت الإجتهادات فيها مباحة بحيث يسمح أي رجل دين أو داعية من الدعاة المنتشرين بكثرة، بإصدار فتاوى يحلل فيها ويحرّم وفق ما يراه. في الماضي كانت الفتوى مقتصرة على ما تقول به المؤسسة الدينية الأم في المذاهب الإسلامية (الأزهر أو النجف أو قم…)، وعلى الكنيسة الرسمية في المسيحية وفق المذهب المحدد، أما اليوم فقد بتنا نشهد رجل دين يبدأ حديثه عن موضوع محدد بالقول "إنّ رأي الإسلام أو المسيحية…" في الأمر المطروح هو كذا وكذا، من دون أن يتواضع قليلاً ويقول مثلاً إنّ رأيي أو تأويلي يقول كذا. وعندما يختزل رجل الدين في فتواه الدين في مجمله، فإنه في الواقع يعطي كلامه صفة الحقيقة الدينية الواجب التزام محدداتها، فتكتسب فتواه صفة المقدس، وتصبح لها القوة العملية أكثر بكثير مما ينص عليه النص المقدس الصادر في الكتب السموية. لعلّ أخطر ما في الفتاوى الشائعة اليوم، بل والمهيمنة إلى حد كبير على الحياة الخاصة والعامة في المجتمعات العربية والإسلامية، أنها باتت الوسيلة التي تحدد ما هو حلال يجب اتباعه، وما هو حرام يجب اجتنابه. ووصل الامر ببعضها الى تطويب رجل الدين مفسراً وحيداً لمعنى الإيمان الصحيح أو عدمه، ومدى امتثال الإنسان لأحكام الشريعة أو الخروج عليها. الأخطر أيضاً، أنّ رجال الدين لم يكتفوا بإصدار فتاوى تتصل بميدان الشريعة وانعكاساتها الإجتماعية، بل وسعوا من أشغالهم لتطال فتاويهم واجتهاداتهم ميادين العلوم والتكنولوجيا وقول آراء في ما يجب الأخذ منه أو رفضه، وفق المقاييس التي يرونها متوافقة مع النص الديني أو المخالفة له انطلاقاً من قراءتهم الخاصة للنص، وإسقاطاتهم الشخصية على مضمونه.

يزخر التاريخ العربي والإسلامي بنماذج عن الدور السلبي الذي مارسته رقابة المؤسسات الدينية على الثقافة والخلق. في تاريخ قديم ارتبطت مصادرة الكتب واضطهاد المثقفين، إلى حد كبير، بالصراعات السياسية والإجتماعية التي عرفتها المجتمعات العربية والإسلامية. على رغم أنّ منطق الهيمنة على العقول والسعي إلى تدجينها، ظل قانوناً تهجس به المؤسسات الدينية وتعمل على تسييده وديمومته، إلاّ أنّ تنفيذه كان يتصل بالظروف الإجتماعية والسياسية، فيرتفع أو يتقلص تبعاً للظروف السائدة. منذ عصر النهضة، ومع الإحتكاك بالغرب والقيم السائدة المتولدة عن تطوره وتقدمه، تعرّض الإنتاج الفكري العربي إلى سجالات تتصل بمدى توافقه مع النص الديني أو مخالفته له. لم ينج رجال دين متنورون من أمثال الشيخ محمد عبده أو جمال الدين الأفغاني أو رفاعة الطهطاوي، إضافة إلى الكثير من مفكري النهضة من غير رجال الدين، من مواقف سلبية اتخذتها في حقهم المؤسسات الدينية ضد أطروحاتهم وتأويلاتهم. في مطلع القرن العشرين خاض الأزهر، المؤسسة الدينية المركزية في مصر، معركة مع اجتهادات لعدد من المفكرين، أمثال علي عبد الرازق الذي نشر كتابه بعنوان "الإسلام وأصول الحكم"، أو طه حسين في كتابه "في الشعر الجاهلي"، وغيرهما من أمثال محمد أحمد خلف الله ولطفي السيد وسلامه موسى. وكانت الرقابة في تلك الأيام تعتمد السجال والتفنيد وتعيين ما هو غير متوافق مع النص الديني، مع إعطاء نفسها الحق في مصادرة الكتاب ومنع نشره.

في العقود الأخيرة، اتخذت الرقابة الدينية منحى مختلفاً ومتشددا في الرقابة على الإنتاج الثقافي، وفي تطبيق إجراءات ردعية وصلت في بعض الأحيان إلى ترجمة التكفير والحرمان المرمي على الكاتب، بفتاوى تحلل قتله. تحولت رقابة المؤسسات الدينية "محاكم تفتيش" بالمعنى الفعلي الذي عرفته أوروبا في القرون الوسطى، ووضع مثقفون بين مطرقة التزام مقاييس المؤسسة، وسندان الإتهام بالكفر والإلحاد، وتحمّل المترتبات الناجمة عن إلصاق التهمة بهم. اعتبرت المؤسسات الدينية أنّ الواقع السياسي والإجتماعي المنحدر والسائد يشكل أفضل فرصة للإمساك بالسلطة الرمزية والهيمنة على المجتمع، بواسطة القوانين التي تراها مناسبة، وبترهيب المخالفين. ترجمت ذلك في ميدان الثقافة عبر تعيين ما هو مسموح التطرّق اليه ونشره، وما هو ممنوع. تدخلت في معارض الكتب وطلبت مصادرة الكتب التي لا توافق على نشرها، وأعادت كتابة التراث وحذف ما استنسبت من محتويات كتبه، وسلطت رقابتها على العقل والمعرفة بدعوى الحفاظ على قيم الفضيلة والأخلاق، إلى أن حولت رقابتها ترهيباً حقيقياً، فنتج من فتاويها إعدام مفكر إسلامي في السودان هو محمد محمود طه، وتشريع قتل الكاتب المصري فرج فوده، والسعي إلى اغتيال الكاتب نجيب محفوظ، وأصدرت حكماً ضد الكاتب المصري نصر حامد أبو زيد وطلبت تفريقه عن زوجته بحجة الإرتداد عن الدين، كما نجحت المؤسسة الدينية في إصدار أحكام على عدد واسع من الكتاب والمثقفين في أكثر من بلد عربي.

من عجائب الرقابة التي بدأت تمارسها المؤسسات الدينية، أنها راحت تعمل "بمفعول رجعي"، فإذا بالفتاوى تصدر بوجوب مصادرة كتب ومنع نشرها، وقد سبق لها أن نشرت قبل عقود وتداولتها أجيال متعددة، فإذا بها اليوم تدخل في باب الحرام. من الأمثلة الدالة، الحملة التي أثيرت ضد كتاب "الأيام" لطه حسين، والذي نشر منذ أكثر من ثمانية عقود ووضع في مناهج الدراسة، فإذا به يصنّف في باب الممنوعات، لا لشيء سوى أنّ الكاتب يتعرض في سياق سيرته الذاتية إلى مرحلة تعليمه في الأزهر وما رآه من سلبيات في وضعية بعض مشايخه. الأمر نفسه طاول روايات صدرت سابقاً وعرفت نجاحاً من مثل رواية الكاتب السوري حيدر حيدر "وليمة لأعشاب البحر"، أو بعض كتب جبران خليل جبران، وغيرها مما تضج به الحياة الثقافية كل يوم، وتشهد عليه سلسلة الممنوعات الواجب فرضها على هذا الكاتب أو على هذا الكتاب. هكذا تسعى رقابة المؤسسة الدينية، في واقع عملها، إلى قتل كل ما يمت إلى الفكر المتعدد الآفاق، وإلى الحرية في الخلق، بل جلّ ما تريده إنتاج فكر أحادي الجانب وفق منظومتها، ومثقف "ذي بعد واحد"، هو البعد الذي ترغب في تعميمه في جميع مناحي الحياة.

 

رقابة الثقافة التقليدية السائدة وعصبياتها

 

يشكل المجتمع، بثقافته وعاداته وقيمه السائدة، عنصراً رقابياً على الثقافة ومنتجاتها، فيمكن هذه العناصر أن تتحول أدوات اضطهاد ومنع، بما فيها استخدام سلطة الجماهير في التنفيذ، بحيث يتحول الرأي العام نفسه رقيباً، كثيراً ما يكون اشد جهلاً وقسوة في رقابته لكونه يفتقر في خطابه الشعبوي إلى العقلانية. كثيراً ما تتقاطع رقابة المؤسسات الدينية مع رقابة المؤسسات الإجتماعية القائمة، التي تبيح لنفسها وضع قوائم لما هو ممنوع الكلام فيه أو نشره، وتضع ثقافاتها وعاداتها وتقاليدها مقياساً للحكم على نصوص محددة، ولا تتورع أحياناً أخرى عن اللجوء إلى العنف لتطبيق "قوانينها" هذه. تعرضت كثير من النصوص الادبية والفنية، على مختلف مستوياتها، إلى حملات شعبية، وإلى مطالبات علنية بمنع هذا النص أو هذا الفيلم السينمائي لكونه يتعارض مع المفاهيم السائدة في المجتمع، أو لكونه يناقش في طبيعة العلاقات الإجتماعية السائدة ونقدها. يتعرض مثقفون إلى النبذ في حال إصرارهم على المواجهة ومخالفة السائد ودفع أثمان لهذا الموقف الإعتراضي.

ولأنّ ثقافة العادات والتقاليد مغروسة في عقل المواطن العادي منذ زمن قديم، فانها تكتسب صفة الاستمرارية والديمومة، ولا مانع من تصنيفها في خانة القضايا التي اكتسبت طابع القدسية، بحيث يعتبر التعرض لها ونقدها والسعي إلى تغييرها، بمثابة مس بالنظام الإجتماعي القائم، الذي غالباً ما يخضع إلى هيمنة قوى اجتماعية وسياسية ودينية لها مصالحها في استمرار ما هو سائد، ويقوم بينها حلف يشدد على عدم المس بما تراه تعبيراً عن ثقافتها. وتستطيع هذه القوى، بحكم السلطة المادية التي تحملها، الهيمنة على المجال الثقافي. قد لا يكون هذا الموضوع ذا معنى في مجتمعات متطورة تضمن حرية الرأي والتعبير والحق في نقد السائد، وتحمي سلطة القانون فيها المثقف من أي اضطهاد قد يتعرض له، كما هو حاصل اليوم في المجتمعات الغربية المتقدمة. لكن المجتمعات العربية، على رغم قيام الدولة في معظمها ووضعها تشريعات لضمان هذا الجانب من حقوق المواطن، فإنّ السلطة الرقابية الموازية لرقابة الدولة تمارس تأثيراً فاعلاً على الثقافة والمثقفين، يوازي ايضا أو يفوق رقابة الأجهزة الرسمية. في العقود الأخيرة، وانعكاساً للهزائم العربية المتوالية على مختلف الصعد العسكرية والسياسية والإقتصادية، تشهد هذه المجتمعات انفكاكاً متزايدا لبنى الدولة لصالح صعود موقع العصبيات، من عشائرية وطائفية وإثنية وقبلية، وانتقال السلطة تدريجاً لصالح هذه العصبيات، بما فيها السلطة على الإنتاج الفكري والثقافي. لعل هذه الرقابة المتعددة المصدر والجهة، تشكل أحد انواع الرقابة العشوائية، لاستنادها إلى استنسابات القوى النافذة في الطائفة والعشيرة، ولعدم وجود قانون ناظم لها، على غرار ما هو سائد في رقابة الأجهزة الرسمية. تحفل وسائل الإعلام يومياً بأنواع مختلفة من الإعتراضات تلجأ اليها هذه الطائفة أو العشيرة على كتاب صدر هنا أو هناك، او على نقاش وسجالات تطاول الحياة الاجتماعية لهذه الفئة، او على برامج تلفزيونية ترى في ما تطرحه مساً بهذه الطائفة او تلك.

 

عن ملحق النهار الثقافي

 

—————

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق