ماوراء الأصول الأشعرية

{{“معاشر الناس: إنما تغيّبت عنكم هذه المدة؛ لأني نظرت فتكافأت عندي الأدلة، ولم يترجح عندي شيء على شيء، فاستهديت الله تعالى، فهداني إلى اعتقاد ما أودعته في كتبي هذه، وانخلعت من جميع ما كنت أعتقده كما أنخلع من ثوبي هذا”.

” مقطع من رواية على لسان الأشعري، يردّ فيها تحوّله إلى ما يشبه الأزمة النفسية/الفكرية”}}

{{ “فلمّا كانت ليلة سبع وعشرين (من رمضان)، وكان من عادته (أي الأشعري) سهر تلك الليلة، أخذه من النعاس ما لم يتمالك معه السهر، فنام وهو يتأسّف على ترك القيام فيها، فرأى النبيّ (صلعم) ثلاثاً، فقال له: ما صنعت فيما أمرتك به؟ فقال: قد تركت الكلام يا رسول الله، ولزمت كتاب الله وسنّتك، فقال له: أنا ما أمرتك بترك الكلام. إنّما أمرتك بنصرة المذاهب المرويّة عنّي، فإنّها الحقّ، قال: فقلت: يا رسول الله، كيف أدع مذهباً تصوّرت مسائله، وعرفت دلائله منذ ثلاثين سنة، لرؤيا، قال: فقال لي: لولا أنّي أعلم أنّ الله يمدّك بمدد من عنده لما قمت عنك حتى أبيّن لك وجوهها، فجُد فيه، فإنّ الله سيمدّك بمدد من عنده ”

“مقطع من رواية عن الأشعري ترتد بتحوله إلى أمر نبوي”}}

{{“كان يأتيني شيء والله ما سمعته من خصم قط، ولا رأيته في كتاب، فعلمت أنّ ذلك من مدد الله الذي بشّرني به رسول الله.”

“قول للأشعري- أورده ابن عساكر- يخايل فيه بالتواصل مع الإلهي”}}

تكاد أيّ قراءة جدية للأشعرية، أن تنتهي إلى أنّ واقع هيمنتها وسطوتها الواسعة في عالم الإسلام، لا ترتبط بكفاءة خطابها النظريّ واتساقه، بقدر ما ترتبط بشروط تقع خارج حقل النظر كلياً؛ وأعني في عالم الواقع الذي يكاد وحده أن يبرّر هيمنتها الكاملة. فالحقّ أنّ الخطاب النظريّ للأشعرية، يبدو مسكوناً بما يرزح تحت وطأته، من ضروب الإرباك والتناقض؛ التي نتجت، للمفارقة، بتأثير ضغوط الخارج وتحديداته، وبحيث يبدو وكأنّ تحديدات الخارج تعمل بالنسبة للخطاب الأشعريّ، لا كسياق يبني فيه هيمنته فقط، بل وكمصدر لما يسكنه من الإرباكات أيضاً. وإذ يحيل ذلك إلى مركزية الخارج في بلورة كلّ من الهيمنة والمأزق، فيما يتعلّق بالأشعرية، في آن معاً، فإنّه يلزم التنويه بضرب من التمايز بين “الخارج”، كأصل لهيمنة الخطاب الأشعري، وبينه كمصدر لإرباكاته؛ ولكن مع ملاحظة أنّ هذا التمايز لا يحيل إلى الانقطاع الكامل بين نوعين مختلفين من “الخارج”، حيث الأمر لا يتجاوز حدود مجرّد التمييز الإجرائي الذي تقتضيه القراءة.

فإذ يحيل انبثاق الأشعرية، وسيادتها داخل الثقافة الإسلامية، إلى شروط ذاتية وموضوعية تتحدّد بها في الخارج، فإنّه فيما يحيل “الخارج” كأصل لهيمنة الأشعرية وسيادتها، إلى تجاوب خطابها مع شروط موضوعية تقوم في الواقع التاريخي؛ وهى شروط تستدعي حضور الخطاب وتبرّره، بقدر ما أن الخطاب يمثّل، هو نفسه، استجابة لها، فإنّ “الخارج” كمصدر لما تلبّسها من ضروب التناقض والإرباك، يحيل إلى ما يبدو وكأنّه الشرط الذاتي أو الشخصيّ، المتعلّق بتحولات شخص مؤسس الأشعرية؛ وأعنى أبا الحسن الأشعري؛ الذي تكاد تحوّلات حياته أن تحدّد الإطار الذي انبثقت الأشعرية داخله مع مطلع القرن الرابع الهجري. وبالطبع فإنّ ذلك لا يعني أنّ تناقضات الخطاب الأشعري وإرباكاته تتأتّى فقط من الشرط الذاتي المؤسّس له؛ وذلك من حيث يبدو أنّ هذا الشرط نفسه قد لعب دوراً، بحسب ما ستكشف القراءة، في تثبيت هيمنة الخطاب وترسيخها.

ورغم وعي هذه القراءة بأنّ سعياً إلى الإمساك بما يقوم وراء تأسيس الأصول الأشعرية، لا بدّ أن ينشغل بما يقف وراء انبثاقها من شروط ذاتية وموضوعية معاً، فإنّه يلزم التنويه بأنّ حدود الانشغال فيها، لن تجاوز، في الأغلب، حدود ما هو ذاتي؛ ليس فقط لأنّ الشرط الموضوعي إنما يشتغل من خلال الذاتي، فيما يتعلق- على الأقل- بلحظة التأسيس والانبثاق، بل ولأنّ الشرط “الذاتي” قد لعب دوراً بالغ المركزية في تأسيس الأشعرية بالذات؛ وإلى حدّ استحالة تحليل انبثاقها بمعزل عن الفاعلية المؤثرة لهذا الشرط. وإذ يحيل هذا الشرط الذاتي إلى ما يتعلق بالتحوّلات الحادّة والعنيفة التي عرفتها حياة الأشعري؛ فإنّ هذه التحوّلات التي كانت الأصول الأشعرية هي نتاجها الأهمّ، لا تجد ما يفسّرها إلا في قلب تجربة نفسية معذّبة، تلظّى الرجل بنارها، وسعى للانعتاق من تداعياتها المرّة. ولأنّ الأصول الأشعرية لم تكن، هكذا، إلا أداة الأشعريّ في إنجازه لانعتاقه، فإنّه قد راح يتعالى بها إلى أن تكون من قبيل المقدّس الذي يتنزَّل من عالم الملكوت، وذلك لكي يقطع الطريق على أيّ مسعى لربطها بالمدنّس الذي يسكن عالم المكبوت. ولسوء الحظّ، فإنّ معظم كاتبي مناقب الأشعري ودارسيه قد راحوا يرسّخون لتصوّر الأشعرية- ابتداء من هذا التعالي- كنتاج لتوجيه نبويّ أو حتى إلهيّ، وليس كنتاج لمكبوت نفسيّ. لكن الحقيقة أنّ قراءة وإعادة تركيب روايات انخلاع الأشعري عن الاعتزال وتأسيسه لطريقته الأشعرية الجديدة- وهى موضوع هذه القراءة- تتكشف عن عنف طافح أحاط بهذا الانخلاع على نحو بدا معه الأمر وكأنه يتجاوز مجرّد التوجيه النبويّ إلي انفجارات المكبوت النفسيّ.

وبالطبع فإنّه إذا كانت الأشعرية قد صدرت عن مثل هذه التجربة المضطربة، والمسكونة بهذا القدر الهائل من الشقاء والمرارة، فإنّه لن يكون غريباً أن تشقى بكلّ ما كان عليها أن تجابهه من ضروب الإرباك والتناقض، وإلى حدّ ما تكاد تنتهي إليه هذه القراءة من أنّها خطاب التناقض بجدارة.

وحتى مع صرف النظر عن ضروب الإرباك والتناقض التي هي نتاج ما يقوم وراء تبلور الأشعرية من الاضطراب والحصر النفسيّ، فإنّه يبقى أن تعالي الأشعري- أو دارسيه وكاتبي مناقبه بالأحرى- بما يؤسّس لأصول اعتقاده، من حلكة المكبوت إلى قداسة ونورانية الملكوت، إنّما هو أحد تجلّيات اشتغال واحدة من أهمّ الآليات النفسية التي تقف وراء ظهور الإبداع بأشكاله المختلفة؛ وأعني آلية الإعلاء والتسامي التي كان لها أن تفتح الباب أمامه، للإفصاح عن المكبوت والتحرّر منه، ولكن ليس في شكل إبداع إنسانيّ هو- في الأغلب- ما تنحلُّ إليه، بحسب التحليل النفسيّ، عقدة المكبوت، بل في صورة إلهام ربّانيّ يتنزَّل من فيض عالم الملكوت. وإذن فإنّه التسامي بالأشعرية إلى ما يقوم وراء الإنسانيّ ويتعدّاه؛ على نحو تستمدّ منه قداسة وحصانة، ترتفع بهما فوق أيّ نقد أو مساءلة؛ وهو الضرب من الارتفاع الذي يستحيل فهمه خارج القصد الإنسانيّ إلى تأبيد الهيمنة وتثبيت الحضور. ومن جهة أخرى، فإنّ اشتغال هذه الآلية النفسية لم يكن ليُخفي، بل لعلّه يؤكد، حقيقة أنّ ما يقوم وراء أصول الأشعرية، ليس شيئاً إلا المكبوت النفسيّ يتخفى وراء الإلهام النبويّ؛ وبما يعنيه ذلك كلّه من أنّ الشرط الإنسانيّ، لا سواه، هو ما يقف وراء انبثاق الأشعرية.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق