مايكل جاكسون الذي مات من دون سبب / بلال خبيز

بعض وسائل الإعلام الأميركية لم يستبعد ان يكون خبر وفاة ملك البوب ضرباً من ضروب الترويج لحفلاته التي كان يزمع ان يقيمها في لندن بعد غياب طويل. لكن الخبر الذي بدا للبعض شائعة ممكنة، تحول في ما بعد إلى احتمال جريمة. فحرصت وسائل الإعلام على التحقيق والتدقيق في أسباب الوفاة. وبعضها ذهب بعيداً في اتهام طبيب مايكل جاكسون بإعطائه دواءً غير مناسب ادى إلى موته على غير توقع. البعض الآخر، وبعدما ثبتت براءة طبيب جاكسون من ارتكابه خطأ طبياً، جعل يبحث في وفيات وحوادث صحية قد يكون من جملة اسبابها ما يسمى بالآثار الجانبية لاستعمال الأدوية الشائعة. الحملة تركزت على التيلانول، لكون هذا المستحضر الطبي المنتشر استعماله على نطاق واسع في العالم كله، يحتوي على مادة الكودايين، وهي مادة تترك اثاراً خطيرة على الجسم إذا ما جرى استعمالها من دون مراقبة دقيقة. بعض وسائل الإعلام تتبعت خبر موت امرأة اميركية في اواخر العقد الرابع، بسبب افراطها في تناول حبوب التيلانول. التيلانول لم يدافع عن نفسه حتى الآن. لكن موت مايكل جاكسون المفاجئ كان يحتاج الى ضحية كبرى لتصديق حدوثه. التيلانول يبدو ضحية مناسبة، حجماً وانتشاراً، وكلبية.

لم تصدق وسائل الإعلام الاميركية خبر موت مايكل جاكسون في بداية انتشار الخبر. لكن وسائل الإعلام نفسها صدقت من دون تردد خبر موت ندا آغا سلطاني في شوارع طهران على يد الباسيج. الباسيج قاتل من الدرجة الممتازة. وندا سلطاني التي قتلت في احد شوارع طهران، ليست إلا إحدى ضحاياه الكثيرة. لكن الباسيج لا يجولون على دراجاتهم النارية في شوارع لوس انجلس ونيويورك. إذاً من قتل مايكل جاكسون؟ وحده التيلانول قادر على قتله، لأنه مجرم لا يخضع لإملاءات القانون، ولا يستطيع البوليس مطاردته.

لماذا لا نستطيع ان نصدق موت مايكل جاكسون؟ هذا سؤال له صلات ووشائج مع تاريخه الفني. ومثلما هي الحال مع حالات موت كثير من المشاهير الأسطوريين، في السياسة والفن، ثمة صلة لهذا الضرب من الموت مع افتراضنا ان النجم بعيد عن اسبابه. ثمة اطباء يحيطون به كل لحظة، وثمة ادوية في متناول اليد، وثمة الوف الأسباب التي تمنع من وصل إلى القمة من ان يسعى إلى الموت. اقله بالنسبة لمن لم يصل إليها بعد. مايكل جاكسون كان على القمة. ومايكل جاكسون مات من دون سبب. لم يكن يملك سبباً للموت، فكيف يموت إذاً؟ المفرطون في الواقعية يفيدونك سريعاً. كان مايكل جاكسون يشعر ان بقاءه على القمة لم يعد ممكناً. وان الدائنين سيدفعونه دفعاً إلى الهاوية. رجل ينفق على اسلوب حياته اكثر مما ينتج، مع ان ما ينتجه هائل ولا حصر له. لكنه ينفق اكثر مما ينتج، وهو لذلك لا بد وان يسقط عن القمة، في فم الهاوية بالضبط. وهذا الضرب من التحليلات يملك حظه من الوجاهة فعلاً. هكذا يموت المشاهير، يحاصرهم الألق الخابي في متن اعمارهم، ويذهبون إلى العتمة التي انتشرت من حولهم على نحو مفاجئ وظالم. وحين يبدأون التفتيش عن ضوء الكاميرا وتنتابهم حمى الأضواء مرة أخرى، ينفقون في مطاردتها ما تبقى لهم من رصيد. مايكل جاكسون كان واحداً من هؤلاء. لقد امضى عقدين، على الأقل، من حياته وهو نجم آفل. كان جاكسون خلالها يستجلب الأضواء ويستدر الكلام عن حياته من التجارة بجسمه على نحو لا يرقى إليه شك. الكثيرون رأوا في سلوك النجم ما يشين، هو الفتى الأسود الذي حقق في اميركا، المضروبة بلعنة العنصرية بين البيض والسود، شهرة لا تدانى. لكنه سلخ جلده حرفياً ليصبح اكثر بياضاً مما هو عليه، وهو الفتى الذي غنّى فراق حبيبته متفجعاً وراقصاً في اللحظة نفسها، بدا في سنواته الأخيرة كما لو انه شخص لا جنس له. ثم هو الذي كان يتفجر حيوية وطاقة على المسرح، انهى ايامه محتضناً تحت جلده المسلوخ كومة من العظام وبعض من عضل الذكريات. مات مايكل جاكسون بنصف جسد ونصف جنس ونصف لون. من كان هو في آخر ايامه؟ انه سؤال يحتاج إلى تدقيق كثير.

انها حمى القمة المفجعة. جاكسون من دون شك كان اعظم موسيقيي زمانه. هذا ما كتبه نقاد الموسيقى في العالم اجمع. لكن هذا الوصف ينطبق اولاً عليه. كيف يمكن لجاكسون ان يتجاوز نفسه موسيقياً؟ لقد صنع القمة التي لا يستطيع هو نفسه تسلّق مساقطها وشعابها الوعرة مرة أخرى. لقد كان واحداً من اعظم موسيقيي زمانه، لكن موسيقاه لها الأثر نفسه على صاحبها. كيف يركض الحصان المكسور والمعلول بالسرعة نفسها التي كان يركض فيها فتياً وغضاً؟ مايكل جاكسون كان يعرف صعوبة هذا اكثر من غيره طبعاً. ذلك ان اي موسيقي ناشئ لا يريد ولا يحلم بالوصول إلى ما وصل إليه جاكسون. إذ لطالما كانت القمة التي يجلس على ذروتها ابعد من ان تنال. والحال، لم يكن امام المغني إلا تجاوز جسمه. مايكل جاكسون ذهب في العرض إلى ابعد امدائه. بدأ على المسرح راقصاً ومغنياً وموسيقياً، لكنه انتهى مقطعاً اعضاءه عضواً فعضواً، إلى ان بلغ الحد الذي لم يعد يستطيع معه ان يمنح الجمهور المتعطش شيئاً إضافياً.
ما الذي يتبقى من جسد مايكل جاكسون الفتى في جسم جاكسون الكهل؟ الأرجح انه هو نفسه كان يعرف السر. السر الذي يقول انه اهدى جسمه قطعة فقطعة على مسرح الاضواء، وانه حين بلغ به مطافه الأخير حد اللاعودة، قرر ان يختار تمويت ما تبقى من جسمه الأصلي: ذاكرة الناس عنه، الصورة الأمثل للفتى الاسود الجميل، التي سرعان ما اعيد نشرها في كل مكان، الراقص الحر الذي كان، (يقال انه انهك نفسه في التمارين حتى فقدها). والمغني الذي كانه في سنوات العز، وهو يعبر الطريق إلى القمة التي سجن نفسه فيها، فلجأ إلى بيع جسمه ليتخلص من اعبائها. أما كل ما عدا ذلك، اخباره وصوره من الفترة التي اعقبت توقفه عن الإنتاج، فليست، بالنسبة للجمهور والصحافة على حد سواء، إلا صورة رجل يحتضر.

لنفترض ان مسيرة جاكسون بعد بلوغه القمة لم تكن مقررة سلفاً. ربما لم يكن يدرك نتائج اختباره، لكنه من دون شك اتخذ قراراً واعياً بتغيير جسمه. بدأ الامر مع عمليات تجميل موضعية، وانتهى المغني مفتشاً على اثار ما كان عليه جسمه فلا يفلح في ايجاد إي اثر. هل مات جاكسون ام ماتت صورته عن جسمه؟ تلك الصورة التي استطاعت في ظروف بالغة التعقيد، طبياً وغذائياً وبيئياً، ان تنجح في التنفس والنبض. لقد استبدل جسمه بلوحة مرسومة عن جسمه. فكان مايكل جاكسون في لوحته اقل سواداً مما كان في حياته، وأكثر هزالاً ولا يقوى على اسباب الحياة الطبيعية. لكنه في معنى من المعاني نجح في جعل اللوحة تتكلم وتتنفس وتصافح القادة والمشاهير، وكادت، اي تلك الصورة، ان تعود للغناء على المسرح. واغلب الظن انه لو قيض له العودة إلى المسرح والنجاة من حبل الموت الثخين، لكان ظهر شخصاً آخر غير الذي كانه كلياً. لقد أمات جسمه من اجل صورته: وهذا ضرب من ضروب الفن قطعاً ومن دون مواربة. لن نذكر الممثلين وفناني التجهيز الكثر الذين جعلوا اجسادهم قماشة لوحاتهم. لكن احداً منهم لم يبلغ مبلغ ما ذهب إليه جاكسون في علاقته الدلوزية (نسبة الى جيل دلوز) بالفن. لقد نجح في تقطيب كافة مغابنه. كان في آخر سنواته صورة لا تأكل ولا تتغذى، او انها تتغذى على نحو مختلف عن الطريقة التي تتغذى بها الجسوم. وكانت صورة تتنفس، لكنها ايضاً تتنفس في هواء مختلف عن الهواء الذي نتنفسه، ولم يكن قد بقي من الجسم القديم إلا بضعة اطلال من اللحم والعظم، فيما كان كل شيء آخر فيها ينتمي إلى عالم الصور الفنية. وقد استطاع مايكل جاكسون ان يقسر هذه الصورة التي يخالطها القليل القليل من الدم واللحم، على البقاء حية لسنوات. هي سنوات، إذا حملت على محمل المقارنة بأعمار الصور بوصفها تأبيد لحظة عابرة، على ما يعرّف رولان بارت الصورة، تبدو كما لو انها دهر لا حصر لأيامه وسنواته. من ذا الذي كان يستطيع ان يتخيل، قبل تجربة جاكسون الباهظة هذه، ان صورة المحتضر قد تبقى قيد التنفس سنوات؟ من ذا الذي كان يستطيع ان يصدق ان رجلاً استبدل جسمه بصورة جسمه يستطيع ان يبقيها مزاراً للمشاهدين والفضوليين طوال هذا الزمن الذي لا حصر له؟ حتى هو نفسه لم يكن يتخيل مثل هذا الإنجاز، الطبي والعلمي والإعلامي، إنما ايضاً واساساً، الفني بامتياز.

كانت الناس تمر من امام صورة جاكسون غير مبالية. في سنوات صعوده سلم الشهرة كان مثار حسد الطامحين، ومثار اعجابهم. لكنه في ما بعد اسقط الحسد والإعجاب دفعة واحدة. وبلغ في تحولاته الجسمية حداً جعل البشر من حوله يرفضون فكرة التشبه به او مجاراته. الأرجح ان كثيرين بعد جاكسون سيحوزون صفة اعظم فناني عصرهم. لكن احداً منهم لن يحوز صفة صورة الفنان التي تتنفس كفنان.

لم يصدق الناس موت جاكسون، لأنه لم يكن قد ابقى لنفسه ما يمكن للقدر اماتته. هذا الموت ليس اليفاً، ونادراً ما يحصل. لذا نبدو كما لو اننا نريد التعامل معه كما لو انه لم يحصل اصلاً، وإن حدث وان حصل، فهو يشبه اتلاف لوحة فنية من لوحات فان غوغ في متحف اللوفر.

ماتت ندا سلطاني، لأنها تعيش الحياة بجسمها. أما مايكل جاكسون فلم يكن إلا صورة مايكل جاكسون، وكنا قبل موت صورته قد لحظنا المسار الذي خطه ريجيس دوبريه في حياة الصور وموتها، لكننا اعتقدنا ان حقن الصورة ببعض الدماء البشرية قد يمنعها من الموت.

عن ملحق نوافذ – جريدة المستقبل

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق