ما أفسده الدهر فلسطينياً محض صناعة بشرية / حسن شامي

ليس مرور عام على حرب غزة، أو حتى اتفاق حلول ذكراها السنوية مع انتهاء العام الحالي، هو ما يملي الحاجة إلى المراجعة. فالحاجة هذه مقيمة ما أقامت السياسة على ضرورة إجراء جردة حساب كاشفة، ونقديّة بطبيعة الحال. يمكن لذكرى الحرب، إحياءً أو احتفاءً، أن تكون مناسبة لتلبية حاجات أخرى تتعلق بالتعبئة وبتجديد الصلة بين الماضي والحاضر ممّا يتيح لأيّ جماعة العثور على صورة عن زمنها الاجتماعي المتصل، على تقطعاته وتقلباته، بحيث تكون الأحداث، كبيرها وصغيرها، نقاط استدلال من شأنها توليد إيقاع للحياة الاجتماعية والفردية. هذا التوصيف لبعض وظائف طقوس الاستذكار والتكريم يصحّ من زاوية نظر أنتروبولوجية (إناسية) عريضة تقنع من التاريخ بالحدّ الأدنى من حمولة معناه، أي التقليل من احتمال أن يكون مرادفاً للسديمية والخواء والقدرية ومما كانت العرب تصفه بوجلٍ ورهبة بـ «الدهر»، باعتبار هذا الأخير اسماً للقوة العمياء للزمن المصمت والماحق. غنيّ عن القول ربّما إنّ التشكّل الحديث للجماعات الوطنية في أجسام سياسية مستقلة بنفسها، يتطلّب حداً أعلى من وعي التاريخ والإقامة فيه. فالجماعة الوطنية أكثر تركيباً من الجماعة المستندة إلى وحدة المعتقد والنسب والدم. ومن المفترض أن يكون وعيها لذاتها، كجسم سياسي قائم أو محتمل، أكثر تركيباً بدوره، هذا إذا توافرت شروط مثل هذا التركيب أو حتى حظوظ توافرها.

والحال أنّ حصيلة العام المشرف على الانقضاء تبدو أبعد ما يكون عن التفاؤل بتوفر حظوظ لتبلّر نصاب سياسي وطني جامع ومركّب. وهذه طريقة للقول إنّ الفلسطينيين على وجه العموم، وفي غزّة تخصيصاً، مرشّحون أكثر من أيّ وقت مضى للبقاء عند الحدّ الأدنى من التاريخ ومن السياسة في آن واحد، أي الحد الذي يستبقيهم موضوعاً لدراسات سوسيولوجية قد تكون لائقة ورصينة ومادّةً لتعرّف الراغبين في الغرب وفي غيره من بقاع الأرض على بعض صحتهم الأخلاقية. على أنّ الحدّ الأدنى من النزاهة الفكرية والسياسية يقتضي التأكيد على أنّ وطأة «الدهر» الرازحة على رقاب الفلسطينيين إنما هي محض صناعة بشرية.

في ما يخصّ الأخلاق قد يكون البيان المشترك الذي أصدرته قبل أيام ست عشرة منظمة حقوقية دولية كافياً. فقد أعربت هذه المنظمات، ومن بينها «العفو الدولية» و «أوكسفام» عن استنكارها واستيائها من بقاء «المدنيين في غزّة غير قادرين على إعادة إعمار منازلهم بعد عام من الحرب وبعد أن خانهم المجتمع الدولي». أما الدراسات الإنسانية، ومعظمها جيد بما في ذلك الصادرة عن باحثين إسرائيليين، فحدّث ولا حرج. غير أنّ صيحة المنظمات الحقوقية الدولية، معطوفةً على تحرّك ناشطين دوليين للذهاب في مسيرة إلى غزّة ومن ثمّ إلى القدس المحتلة ليست بلا دلالة سياسية، مما يستدعي المزيد من الضغط والتهويل والابتزاز للحيلولة دون أيّ ترجمة حقوقية وسياسية للوضع الفلسطيني. فقد اعتبر السفير الإسرائيلي في لندن أنّ بريطانيا تشهد في هذه الأيام «لوثة تهجّم» على الدولة العبرية، وهاجم المسؤولين عن صدور مذكرة توقيف بريطانية بحق وزيرة الخارجية الإسرائيلية السابقة تسيبي ليفني بتهمة ارتكاب جرائم حرب في غزة العام الماضي. ورأى السفير المذكور، وفقاً لتقنية خطابية قائمة على التأثيم ومعهودة في أوروبا، أنّ «لوثة التهجم على إسرائيل والإسرائيليين انتشرت في الحياة العامة البريطانية، وعندما ينتقل هذا الهوس من المنابر المستحدثة في الجامعات إلى المحاكم، لا يعود في إمكان الجمهور البريطاني تجاهل نواقيس الخطر. في هذه اللحظة، وفي زمن تواجه إسرائيل وبريطانيا أعداء إرهابيين، يعمد أنصار هؤلاء إلى استغلال النظام القانوني البريطاني بوقاحة». ويبدو أنّ هذا النوع من الابتزاز يلاقي نجاحاً، إذ أعرب رئيس الوزراء البريطاني غوردون براون عن تصميمه على تعديل القانون الذي يجيز للمحاكم البريطانية إصدار مذكرات بحق مشتبهين بارتكاب جرائم حرب حول العالم.

من المعلوم ربّما أنّ الحرب الإسرائيلية على غزة حصلت خلال الفترة الانتقالية الفاصلة بين عهدي جورج بوش والرئيس الجديد باراك أوباما. وكان من الصعب على هذا الأخير أن يستسيغ تدشين عهده الواعد بالخروج من الكابوس البوشي المعولم بحرب تستهدف في النهاية قطاعاً محاصراً وصفته تقارير دولية عدة بأنه سجن مفتوح على السماء. وفي هذا المعنى يمكن القول إن الحرب على غزة كانت تستبق وعود الرئيس المنتخب وموجة التفاؤل العالمي التي رافقت انتخابه لتضعه أمام أمر واقع، ليس فلسطينياً فحسب بل إقليمياً أيضاً. ويبدو أنّ الابتزاز، هنا أيضاً، يلاقي بعض النجاح. فبعد عام على توليه الرئاسة، يبدو أوباما أقرب إلى التراجع منه إلى هزّ جذع النخلة. وما كان يمثّل، بالنسبة لكثيرين، بصيص أمل في عملية السلام بات بعد عام واحد أشبه بخيال دون كيشوتي. فقد حسب كثيرون أنّ الرئيس الجديد سيأخذ بتوصيات تقرير بيكر – هاملتون الذي يشدّد على مركزية المسألة الفلسطينية في أيّ خطة لمعالجة الملفات الإقليمية الشائكة، وفي مقدمها الملف النووي الإيراني. وعوّل كثيرون على معادلة مفادها أنّ الإدارة الأميركية لا تستطيع مواجهة إيران وحلفائها في المنطقة من دون أن تقدم في المقابل لأنظمة الاعتدال العربي والإسلامي، بحسب تسمية ازدهرت في عهد المحافظين الجدد، ما يجيز الاصطفاف الصريح خلفها وفي مقدمّه تعديل الأداء الأميركي في اتجاه أكثر توازناً في موضوع النزاع الفلسطيني – العربي – الإسرائيلي. وقد ارتفعت بالفعل أسهم هذه المعادلة خلال الأشهر الثلاثة الأولى من ولاية أوباما. بل حتى لا نستبعد أن يكون البعض النافذ، في إسرائيل وفي الإدارة الأميركية نفسها كما في منظمات ضغط نافذة مثل «الأيباك»، قد ردّد عبارة بن غوريون «الصهيونية في خطر»، وذلك في تعليقه على احتمال صحوة ضمير تفتح أبواب دول وبلدان، غير فلسطين، لاستقبال اليهود الهاربين من مشروع الإبادة النازي. ويبدو أنّ الإسرائيليين نجحوا نسبياً حتى الآن في «إقناع» أوباما بأنه لا يحتاج إلى تنازل إسرائيلي لكسب المؤيدين، فهؤلاء يتصرفون كما لو أنّ المسألة الفلسطينية أصبحت قضية زائدة.

عن ملحق تيارات – جريدة الحياة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق