ما الحاجة إلى الدين؟


باعتباري داروينيا، فإنّ السمة التي تجذب انتباهي في الدين هي إسرافه المدمّر، وعرضه المفرط للاجدوى الباروكية. الطبيعة عبارة عن محاسب بخيل، يحقد على النقود، يراقب الساعة، ويعاقب على أصغر تبذير. وإذا قامت الحيوانات البرّية بأيّ عمل فيه هدر أو نشاط لا داعي له، فالانتخاب الطبيعيّ سيفضّل نجاة الأفراد الذين يقضون أوقاتهم في البقاء والتكاثر. الطبيعة لا تحتمل التصرّفات الطائشة. تقوم النفعية عديمة الرحمة بلعب الورقة الرابحة، حتى وإن لم تكن دائماً تبدو كذلك : فـ"الحمّام النملي" مثلا، عادة غريبة عند الطيور، تتمثّل في أن يستحمّ طائر القيق بالنمل. إذ يجلس قرب عشّ للنمل، وكأنّه يحرّض النمل على غزو ريشه،  لغاية لا يعلمها أحد : قد يكون ذلك شكلاً من أشكال التنظيف، تفلية ريش الطائر من الحشرات والطفيليات. [ونلاحظ هذا النوع من السلوك عند العديد من الكائنات الحيّة: فهناك التمساح الذي يفتح فمه ويسمح لطائر بالدخول إليه ليتغذّى على ما علق من الطعام بين أسنان التمساح، كما أنّ هناك الأسماك القمّامة التي تلتصق بأجساد الأسماك الأكبر منها لتتغذّى على ما يعلق بأجسادها، كما أنّ هناك أنواعاً من الجراثيم والميكروبات تعيش داخل جسم الإنسان، وخصوصاً في المعدة والأمعاء، وتساعد على هضم بعض المواد والمركّبات الغذائية. ويطلق على هذه العملية في علم الأحياء اسم التعايش – المترجم]. فكرتي الرئيسية هنا هي أنّ الحيرة والارتباك بشأن مسألة الغاية لا يمنعان – ولا يجب أن يمنعا- الداروينيين من الاعتقاد بثقة بالغة أنّ عملية الاستحمام بالنمل هي عملية مفيدة من أجل هدف معيّن.

    السلوك الدينيّ عند فصيلة الرئيسيات المنتصبة تأخذ مساحة شاسعة من وقتها. كما أنه يستنزف طاقات كبيرة. حيث أن الكاتدرائية في العصور الوسطى أهدرت مئات القرون من عمر الإنسانية من أجل بنائها. كما أنّ الموسيقى الدينية والتراتيل والرسومات الجدارية قد تمّ احتكارها منذ العصور الوسطى بشكلٍ واسع، ولم تتحرّر من قبضتها إلا في عصر النهضة. آلاف، وربّما ملايين، من البشر لاقوا حتفهم، وهم على أعمدة التعذيب من أجل الدين والكنيسة مقابل بديل متميّز ومفيد. مات المؤمنون من أجل آلهتهم، قتلوا في سبيلها، صاموا لها، تحمّلوا التعذيب بالسياط، أخذوا على أنفسهم عهود العفّة وحياة العزوبة، وأقسموا على الصمت الانعزالي داخل صوامعهم من أجل الدين. التفاصيل تختلف من ثقافة لأخرى، إلا أنّه لا توجد ثقافة واحدة تخلو من بعض النسخ من الطقوس المثيرة للعداوة، والمستهلكة للوقت الثمين والثروة، والممارسات الدينية العبثية.

    كل هذه الأمور تقود إلى الحيرة والمتاهة العقلية بالنسبة لأيّ شخص يفكّر بالطريقة الداروينية. لقد حزرنا لماذا يستحمّ طائر القيق بالنمل. أليس الدّين تحدّياً مماثلاً؟ تحدٍّ بديهيّ بالنسبة للداروينية، ويتطلّب تفسيراً تحليلياً مقنعاً؟…

    لماذا نصلّي وننغمس في ممارسات مكلفة، وقد تكلّف بشكلٍ أو بآخر حياة الفرد؟ طبعاً، ينبغي على الإنذار أن يسقط الآن.

  لا يعتبر السلوك الديني Religious Behavior عملاً داروينياً إلا إذا كان منتشراً بشكلٍ كبير، لا مجرّد عادة غريبة أو شاذّة. إلا أنّه من الواضح أنّ الدين شيء عالميّ، ولن تزول المشكلة لمجرد أنّ التفاصيل تختلف بين الثقافات.  والأمر نفسه نجده في اللغة، إذ هي ظاهرة عالمية رغم أنّها تختلف من إقليم إلى آخر. فليس جميع الأفراد متديّنين، ويشهد على ذلك قرّاء مقالات هذا الموقع. على أية حال، الدين هو ظاهرة إنسانية عالمية: كلّ ثقافة، وفي أيّ مكان من العالم، لها موضة دينية خاصة بها، حتى أنّ غير الممارسين والمتقلّدين لتلك الموضة يمكن تمييزهم كمعيار يميّز ذلك المجتمع، كأسلوب اللباس، أسلوب القضاء والمغازلة، وأسلوب خدمة وجبات الطعام.

    إذن ما هي الحاجة إلى الدين؟؟…

    هناك بعض الأدلة التي تشير إلى أنّ الإيمان الديني يحمي الناس من الأمراض المتعلّقة بالتوتر. هذه الأدلّة ليست كافية وضعيفة، كما أنها لن تكون مفاجئة أو تدعو للعجب. فأيّ عزاء هذا الذي سيقدّمه الطبيب لمريضه عندما يواجه مصير الموت. على أية حال، كثيرة هي الحالات التي شفيت فيها من بعض الأعراض البسيطة عندما يطمئنني صوت هادئ لشخص يحمل سمّاعة طبية. فمفعول البلاسيبو Placebo Effect موجود حقيقة وموثّق. الحبوب الزائفة، التي ليس لها أيّ مفعول دوائي على الإطلاق، تحسّن الحالة الصحية للمريض. لهذا السبب يجب أن تستعمل الاختبارات الدوائية البلاسيبو من أجل السيطرة. لهذا السبب تبدو طرق المعالجة المثلية كأنها تعمل، رغم أنّها مخفّفة جداً بحيث تحتوي على نفس كمية المكوّنات الفعّالة كعامل بلاسيبو مسيطر، بلا جزيئات. فهل نستنتج من هذا أنّ الدين أشبه بالدواء المزيّف أو البلاسيبو؟ والذي يطيل الحياة من خلال التقليل من حدّة التوتر والإجهاد. ربّما، رغم أنّ النظرية يجب أن تتعرّض لهجوم المتشكّكين والباحثين الذين يشيرون إلى العديد من حالات التوتر الإجهاد التي أدّى الدين إلى ارتفاعها، بدل تخفيضها والتقليل منها. في أيّ حالٍ من الأحوال، أنا أجد أنّ نظرية البلاسيبو هزيلة جداً لتفسير ظاهرة الدين الهائلة والواسعة. لا أعتقد أنّ لدينا دينا لأنّ أسلافنا الدينيين كانوا يقلّلون من توتّرهم لذلك كانوا يعيشون فترة أطول. أنا لا أعتقد أنها نظرية كبيرة بشكلٍ كافٍ لمثل هذا العمل. النظريات الأخرى تخطئ في فهم واستيعاب غاية التفسيرات الداروينية. أنا أشير إلى اقتراحات على شاكلة: "الدين يرضي فضولنا حول الكون والعالم ومكانتنا فيه". أو : "الدّين عزاء. الناس يخافون الموت وينجذبون إلى الديانة أو المعتقد الذي يعدهم بالنجاة والحياة الأخرى". هنا قد نلمح بعض مظاهر الحقيقة السيكولوجية، لكنها ليست في ذاتها التفسير الدارويني الذي تحدّثت عنه. وكما قال ستيف بينكر في كتابه (كيف يعمل العقل؟ منشورات بينكوين 1997): "… إنه لا يثير سوى التساؤل ما الغاية من تطوّر عقل حتى يجد العزاء والراحة في معتقدات وأفكار يعرف في صميمه أنها خاطئة ومغلوطة. فالشخص الذي يتجمّد من البرد لا يجد العزاء والدفء في الاعتقاد بأنه دافئ، كما أنّ الشخص الذي يقف وجهاً لوجه أمام أسد جائع لن يجد راحة بال بأن يقنع نفسه أنّ هذا الذي أمامه هو أرنب" [ص 555]

    إنّ النسخة الداروينية لنظرية الخوف من الموت ستكون على الشكل التالي "إنّ الاعتقاد بالحياة بعد الموت لا يفيد شيئاً سوى تأجيل اللحظة التي سيختبر فيها الشخص تجربة الموت". قد يكون هذا الكلام صحيحاً وقد يكون خاطئاً، وربما هو نوع آخر من أنواع العزاء أو الإجهاد ونظرية البلاسيبو، لكني لن أسعى خلف هذه المسألة. إنّ فكرتي الأساسية هنا هي أنّ هذه هي الطريقة التي يجب على الدارويني إعادة صياغة السؤال وفقها. فالتصريحات السيكولوجية للأثر الذي يجد فيه الناس بعض الاعتقاد الموافق أو الرافض هو ليس تفسيرا نهائيّا. وكأحد الداروينيين، فأنا مهتمٌ بالأسئلة النهائية. الداروينيون يجنون الكثير من هذا التفريق بين التقريبي والنهائي. فالأسئلة التقريبية تقودنا إلى علم وظائف الأعضاء وعلم تشريح الأعصاب. وليس هناك أيّ غبار على التفسيرات التقريبية. فهي على درجة من الأهمية، بالإضافة إلى أنها تتميّز بأنها علمية. على كلّ حال، فجلّ اهتمامي ينصبّ على التفسيرات الداروينية النهائية. فإذا عثر علماء الأعصاب على "مركز الإله" في الدماغ، فإنّ العلماء الداروينيين أمثالي يريدون أن يعرفوا لماذا تطوّر "مركز الإله" مع الدماغ؟ لماذا حظي أسلافنا الذين كان لهم ميل وراثي لإنماء "مركز الإله" بفرص للنجاة أفضل من الحيوانات الأخرى التي يتطوّر "مركز الإله" في دماغها؟ التساؤل الدارويني النهائي هو ليس أفضل الأسئلة على الإطلاق، كما أنه ليس أعمق الأسئلة، وليس أكثر الأسئلة العلمية أهمية كما هو السؤال العصبي التقريبي. على كل حال، هذه إحدى القضايا التي صدف أن تناولتها هنا. بعض التفسيرات النهائية المزعومة تبيّن أنها نظريات اختيارية جماعية. فالاختيارات الجماعية هي من الأفكار الأكثر إثارة للجدل التي يختارها الانتقاء الدارويني من بين جماعات من الأفراد، بنفس الطريقة، حسب نظرية داروين الطبيعية، إنها تختار أو تنتقي بين الأفراد ضمن الجماعات. فالعالم الأنثروبولوجي – كولين رينفرو- من جامعة كامبريدج على سبيل المثال يقترح أنّ المسيحية نجت من خلال شكل معيّن من أشكال الانتقاء الجماعي لأنها تبنّت فكرة الولاء للجماعة والحبّ الأخوي. هناك مفكّر تطوّري أمريكي أخر -ديفيد سلوان ولسون- قدّم اقتراحاً مماثلاً في كاتدرائية داروين. ها أنا أقدّم هنا مثالاً مفبركاً لأبيّن الطريقة الأخرى التي تعمل بها نظرية الاختيار الجماعي في الدين. قبيلة تعبد إلها جبّارا عاتيا "إله الحرب" يثير حبّ الحرب والدماء لدى أتباعهن تشنّ حروباً ضدّ قبيلة تعبد إلهاً يحثّ على السلام والانسجام، أو قبيلة من دون إله مطلقاً. فالمحاربون الذين يؤمنون أنّ البطل الذي يسقط في المعركة هو شهيد وثوابه الجنّة مباشرةً سيقاتلون بشراسة واستبسال، لدرجة أنهم سيضحّون بحياتهم. لذلك، على الأرجح أن تكون فرصة القبيلة المحاربة في البقاء أفضل من المسالمة خلال عملية الانتقاء الجماعي القبلي، سرقة مواشي وأنعام القبيلة المهزومة، وأسر نسائها وأخذهنّ سبايا. مثل هذه القبائل الناجحة تبيض وتخلّف قبائل صغيرة، وهي بدورها تنفجر وتتكاثر لتخلّف قبائل صغيرة أخرى، وجميعها تعبد الإله العشائري ذاته. لاحظ أنّ ذلك مختلف تماماً عن القول بأنّ فكرة الدين المحارب تنجو وتبقى وتستمرّ. طبعاً، إنه سيستمرّ، لكن في هذه الحالة، النقطة هي أنّ المجموعات البشرية التي تقبض على الفكرة أو تمتلكها هي التي تنجو وتبقى. هناك اعتراضات هائلة على نظيرات الاختيار أو الانتقاء الجماعي. هناك اعتراض معروف، يجب أن أحذر من الابتعاد عن صلب الموضوع. النماذج الرياضية تظهر بشروط خاصّة جداً تحت أيّ من الاختيارات الجماعية التي ستعمل ضمنها. فالأديان في القبائل البشرية توفّر مثل تلك الشروط. وهذا خط مثير للاهتمام لنبني عليه نظرية، ولكني لن أقوم بذلك هنا. هل يمكن أن يكون الدين ظاهرة حديثة، ظهر منذ أن تخطّت جيناتنا معظم مراحل الانتقاء الطبيعي الممارس عليها؟ فوجوده المطلق يتعارض مع أي نسخة بسيطة من هذه الفكرة. ورغم ذلك، هناك نسخةً منه أريد الدفاع عنها وتأييدها. النزعة التي تمّ انتقاؤها طبيعياً في أسلافنا لم تكن ديناً بحدّ ذاتها. بل كانت لها منفعة أخرى، وهي لا تتمثّل على سبيل المصادفة في يومنا هذا على شكل سلوك ديني. فنحن سنفهم السلوك الديني فقط بعد تغيير اسمه. من الطبيعي بالنسبة إليّ كعالم إحيائي استخدام قياسا أو معيارا معيّنا مستنبطا من الحيوانات غير البشرية. "فالهيمنة التراتبية أو الهيراركية" قد اكتشفت للمرّة الأولى على شكل "نظام تسلسل اجتماعي" عند الدّجاج. حيث أنّ كلّ دجاجة تتعلّم، أيّا من أقرانها تستطيع هزيمته في عراك وأيها لا تستطيع. وفي نظام تراتبي مؤسّس بشكل جيد، نادراً ما نشاهد صراعاً أو قتالاً علنياً. فالتجمّعات المستقرّة للدّجاج، والتي كان عندها الوقت الكافي لتصنيف أنفسها في نظام تسلسل اجتماعي تراتبي، تضع بيضاً أكثر من التجمّعات التي تتغيّر عضويتها بشكلٍ مستمرّ. وهذا قد يعتبر مثالا لصالح فكرة تراتبية الهيمنة. على أيّة حال، تلك ليست هي الداروينية الحقيقية، لأنّ الهيمنة التراتبية هي ظاهرة على مستوى الجماعة. فقد يهتمّ المزارع بمستوى إنتاجية الجماعة، ولكن، باستثناء الظروف الغريبة جداً والتي لا تنطبق على هذه الحالة هنا، فالانتقاء الطبيعي لا يهتمّ. فبالنسبة للدارويني، إنّ السؤال "ما هي القيمة البقائية للهيمنة التراتبية؟" هو سؤال غير مشروع. فالسؤال المناسب في هذه الحالة هو: "ما هي القيمة البقائية الفردية لمراعاة الدجاجات الأقوى؟ ومعاقبة الدجاجات الأضعف والتقليل من احترامها؟". على الأسئلة الداروينية أن توجّه الانتباه تجاه المرحلة التي تتواجد فيها المتغيّرات الجينية. الميول العدوانية في أفراد الدجاج هي هدف مناسب لأنها إمّا متفاوتة من الناحية الجينية أو أنها قد يحتمل أن تكون كذلك. إنّ الظواهر الجماعية كالهيمنة التراتبية مثلاً غير متفاوتة في الجماعة من الناحية الجينية، لأنّ الجماعات لا تمتلك أيّة جينات. على الأقل، ستقاطع عملك في مجادلة بعض الإحساس الغريب الذي في الظاهرة الجماعية يمكن أن تكون خاضعة للاختلاف الوراثي. وفكرتي هنا هي أنّ الدين يمكن أن يكون على غرار الهيمنة الهيراركية التراتبية. "ما هي القيمة البقائية للدين؟" قد لا يكون هذا السؤال هو السؤال المناسب. والسؤال قد يكون على الشكل التالي: "ما هي القيمة البقائية لبعض مظاهر السلوك الفردي غير المحدّد، أو الخاصية السيكولوجية التي تظهر نفسها -في ظلّ ظروف مناسبة- كدين؟" علينا أن نعيد صياغة السؤال قبل أن نتمكّن من الإجابة عليه بدقّة. فالداروينيون الذين يسعون خلف القيمة البقائية للدين يطرحون السؤال الخاطئ. وبدلاً من ذلك، علينا التركيز على شيء في تطوّر أسلافنا لا نعتبره عندها دينا، ولكن ما الذي بإمكاننا تمييزه كدين في سياق المجتمع الحضاري المتغيّر باستمرار. أنا استشهدت بنظام التسلسل الاجتماعي للدجاج، والفكرة هنا مركزية جداً بالنسبة لأطروحتي التي أتمنى بأنك ستغفر لمثال حيواني آخر بالتأكيد على أهميتها: ذباب العثّ عندما ينجذب إلى لهب الشمعة، وهذا لا يبدو حادثاً أو من قبيل المصادفة. إنها تخرج عن طريقها لتجعل من نفسها قرابين في النار. بإمكاننا اعتبار ذلك "سلوك تضحية ذاتي" وأن نتساءل كيف يفضّل الانتقاء الطبيعي الدارويني هذا السلوك. فكرتي هنا من جديد هي أننا بحاجة إلى إعادة صياغة السؤال قبل أن نحاول الإجابة عليه جواباً ذكياً ودقيقاً. إنّ هذا السلوك ليس انتحاراً. فالانتحار يظهر كعرَض جانبي غير مقصود. فالضوء الصناعي هو حَدَث جديد في مشهد الليل. حتى فترة قصيرة، كان الضوء الوحيد الذي ينير الليل هو ضوء النجوم والقمر. فكونهم في النهاية البصرية، فإنّ أشعّتهم متوازية، وهي التي تجعل بوصلاتهم مثالية. ومن المعروف أنّ الحشرات تستخدم الأجسام السماوية للملاحة بدقّة في خطّ مستقيم. فالنظام العصبي لدى الحشرات بارع في وضع طريقة مؤقتة ومجرّبة مثل: فاتجاه اصطدام شعاع الضوء بعينك هو بزاوية 30 ْ. وبما أنّ الحشرات تمتلك عيوناً مركّبة، فإنّ ذلك سيجتمع باتساق في عصب بصري معيّن، وهو في الحشرات عبارة عن أنبوب بصري مفرد يخرج من مركز العين المركّبة. على أيّة حال، تعتمد البوصلة الخفيفة بشكل حرج على الجسم السماوي الواقع في اللانهاية البصرية. أمّا إذا لم يكن كذلك، فالأشعّة لا تكون متوازية بل تتباعد مثل أشعّة العجلة. النظام العصبي الذي يستخدم شعاعا قياسه 30 ْ للشمعة، كما لو أنه القمر، وسيقود الحشرة صاحبته في لولب لوغاريتمي رتيب، باتجاه اللهب. هو ما زال، في المعدّل، قياساً جيداً. ونحن لا نلاحظ مئات من حشرات العثّ التي تسير بشكلٍ صامت بالقمر أو النجوم اللامعة أو بهدي أضواء المدينة البعيدة. نحن لا نرى سوى العثّ الذي يقود نفسه نحو أضوائنا، ونطرح دائماً السؤال الخاطئ. لماذا تسلك تلك الحشرات سلوكاً انتحارياً؟ وبدلاً من ذلك، علينا أن نتساءل لماذا تمتلك تلك الحشرات أجهزة عصبية تقودها بشكل ثابت وآلي ومستقيم نحو ضوء الأشعّة، وهي وسيلة لا نلاحظها إلا في الأوقات التي تعمل فيها بشكل غير صحيح. عند صياغة السؤال مرّةً ثانية، ينقشع الغمام ويُحَلّ اللغز. ليس  صحيحاً أن نطلق عليه اسم انتحار. مرّةً أخرى، طبّق الدرس على السلوك الديني عن الإنسان. سنلاحظ أنّ عدداً كبيراً من الناس، في العديد من المناطق المحلّيّة تبلغ نسبة الذين يحملون المعتقدات والأفكار التي تناقض الحقائق العلمية المثبتة بشكلٍ قاطع حوالي 100%، كما هو الحال في الأديان المنافسة. هم لا يحملون فقط هذه المعتقدات، بل إنهم يكرّسون أوقاتاً ومصادر من أجل النشاطات المكلفة التي تنبع من اعتناقها. إنهم مستعدّون للموت في سبيلها، وللقتل من اجلها. إننا نتعجّب من كل هذا، كما تعجّبنا عندما لاحظنا سلوك حشرة العثّ الانتحاري. نتساءل بحيرة وارتباك: "لماذا؟" مرّةً أخرى، إنّ النقطة التي أثيرها هنا هي أنّنا قد نكون قد طرحنا السؤال غير المناسب. قد يكون السلوك الديني إخفاقاً، ظهورا مؤسفا لميل نفسي داخلي قد يكون مفيداً في أوقات وظروف أخرى مختلفة. ما الذي يمكن أن يكونه ذلك الميل النفسي؟ ما هو المكافئ لاستعمال الأشعّة المتوازية القادمة من القمر كبوصلة مفيدة؟ هنا سأقدّم اقتراحاً، لكني يجب أن أؤكّد بأن هذا مجرّد مثال عن الشيء الذي أتكلّم عنه هنا. أنا متمسّك كثيراً بالفكرة العامّة التي تقول أنّ السؤال يجب أن تتمّ صياغته مجدّداً بدلاً من أن أقدّم جواباً معيّناً. وافتراضي بالتحديد هو عن الأطفال. فأكثر من أيّ نوع آخر، نحن نحافظ على بقائنا واستمرارنا من خلال التجربة المتراكمة للأجيال السابقة. نظرياً، قد يتعلّم الأطفال بالتجربة ألا يسبحوا في مياه تملؤها التماسيح. بأيّ حال، وعلى أقلّ تقدير، ستكون هناك فائدة انتقائية لأدمغة الأطفال بالطريقة المجرّبة مسبقاً: تقبّل كلّ ما أخبرك به الكبار. أطِع والديك. احترم كبار القبيلة، وخصوصاً عندما يتبنّون لهجة توعّدية تهديدية جدّيّة. أطِع بشكلٍ أعمى ولا تطرح أسئلة. أنا لن أنسى ما حييت طقساً مرعباً، حدث في مصلّى المدرسة عندما كنتُ طفلاً صغيراً. كان طقساً مرعباً عند التفكير بما حدث: في ذلك الوقت، تقبّل دماغي الطفلي ذلك الطقس كما جاء من قبل الواعظ. أخبرنا قصّة فرقة من الجنود، يحفرون بجانب سكّة حديدية. وفي لحظة حرجة، تشتّت انتباه قائد المثقاب، ونسي إعطاء الأمر بالتوقّف. وكان الجنود مدرّبين جيداً لإطاعة الأوامر دون أي تردّد حيث أنهم استمرّوا في السير مباشرةً مع خطّ سير القطار القادم. والآن بالطبع، أنا لا أصدّق هذه القصّة من أساسها، لكنني صدّقتها بكل جوارحي الطفولية عندما كنت في التاسعة من عمري. والنقطة هنا هي أنّ الواعظ أراد منّا أن نعتبر كمزيّة طاعة الجنود العمياء لأوامر قائدهم مهما كانت غير معقولة. علاوةً على ذلك، بالتكلّم عن نفسي، أعتقد بأننا عندها اعتبرناها مزيّة وفضيلة بحدّ ذاتها. أتساءل إذا ما كنت أمتلك الشجاعة للقيام بواجبي بالزحف إلى أمام مسار القطار. وكالجنود المثاليين، تقوم الكمبيوترات بعملها وتنفّذ جميع الأوامر التي تطلَب منها. إنها تطيع بطريقة عبودية التعليمات المدخلة إليها بلغتها البرمجية الخاصّة. هكذا تقوم الكمبيوترات بأعمال مفيدة كمعالجة الكلمات والعمليات الحسابية الضخمة. في النهاية، كناتج عَرَضي حتمي، ما هي إلا آلات على حدٍّ سواء في إطاعة الأوامر والتعليمات السيئة. كما أنها لا تمتلك طريقة لإخبارنا ما إذا كانت التعليمات ذات أثر سيء أم إيجابي. إنها تطيع ببساطة، كما يفعل الجنود النموذجيون. فالطاعة العمياء والمطلقة تجعل الكمبيوترات عرضة لهجمات الفيروسات والديدان. برنامج مصمّم بشكل دقيق وخبيث يقول للكمبيوتر باستمرار "قم بنسخي إلى كلّ اسم في أي قائمة عناوين بإمكانك أن تجدها على هذا القرص الصلب" وسيطيع الكمبيوتر ببساطة هذا الأمر ثمّ يطيعه مرّةً أخرى وأخرى ومن قبل الكمبيوترات الأخرى التي يرسل إليها البرنامج، وتحدث عملية توسّع أسّي.

    من المستحيل تصميم جهاز كمبيوتر يطيع الأوامر والتعليمات المفيدة فقط، ومحصّن ضدّ العدوى والتعليمات السيئة وغير المفيدة. إذا أوصلت الفكرة المرجوّة بشكل جيد، فأنت ستكون قد أكملت الحجّة بشأن أدمغة الأطفال والدين. فالانتقاء الطبيعي يبني عقل الطفل ويزوّده بميل للإيمان تقبّل أي شيء يخبره إياه أهله أو كبار القبيلة. بالإضافة إلى أنّ هذه الخاصية بذاتها تجعله عرضة للعدوى تلقائياً بفيروسات العقل. ولأسباب بقائية منطقية، يحتاج دماغ الأطفال لأن يثق بالآباء وأن يأتمن الكبار الذين هم بدورهم وثقوا بآبائهم وأسلافهم. والنتيجة الآلية هي أنّ "الواثق" ليس له أيّ طريقة أو سبيل لتمييز النصيحة الجيدة الثمينة عن النصيحة السيئة الغثّة. فالطفل لا يمكنه أن يعرف أنّ النصيحة التي تقول "إذا نزلت في النهر فستلتهمك التماسيح" هي نصيحة جيدة، والنصيحة "إذا لم تقدّم قرباناً للإله عندما يصبح القمر بدراً، فسيموت الزرع" هي نصيحة سيئة. كلا النصيحتين تبدوان متشابهتين. وكلتاهما صادرتان عن مصدر موثوق، وجاءتا على لسان رجل أوامره محترمة ومطاعة. ونفس الأمر ينطبق على المقترحات والأفكار بشأن العالم، الكون، المبادئ الأخلاقية، والطبيعة البشرية. علاوةً على ذلك بالطبع، عندما يكبر الطفل وينجب أطفالاً، فسينقل بشكل طبيعي كل شيء تعلّمه إلى أطفاله، وسيستعمل نفس الأسلوب الرائع. في هذا النموذج، يجب أن نتوقع أنه في المناطق الجغرافية المختلفة، هناك معتقدات اعتباطية مختلفة ليس لها أيّ أساس أو قاعدة واقعية تستند إليها، ليتمّ تبنّيها والاعتقاد بها بنفس الطريقة التي يتمّ فيها تبنّي القطع المفيدة من الحكمة التقليدية كالاعتقاد بأنّ السماد مفيد للمحاصيل. كما أننا يجب أن نتوقّع أنّ هذه المعتقدات التي لا أساس لها ستتطوّر وتتغيّر على مرّ الأجيال، من خلال التغيّر العشوائي أو باتباع نوع من أنواع الانتقاء الطبيعي الدارويني، وفي النهاية ستظهر نمط الانحراف الملحوظ من السلف المشترك. تتغيّر اللغات وتتحوّر من سلف مشترك كان له وقت كافٍ في عملية التباعد الجغرافي. ونفس الشيء يصحّ على المعتقدات والأوامر التقليدية، يتمّ تسليمها إلى الأجيال التالية، مبدئياً بفضل القابلية البرمجية لعقل الأطفال. يزوّد الانتقاء الدارويني أدمغة الأطفال بميل أو نزوع فطري لأن يصدّقوا كلام كبارهم ويؤمنوا بصحّته. تكون الأدمغة مجهّزة بميل فطري لتقليد، ونشر الإشاعات، ونشر القصص والأساطير الشعبية، والإيمان بالأديان وإن بطريقة لاشعورية وغير مباشرة. على أية حال، في البداية يتمّ منح الأدمغة تلك العملية التي تشبه الانتقاء الجيني، ثمّ تتحوّل إلى نوع من الميراث اللاجيني، والذي قد يشكّل أساس أو قاعدة نوع جديد من الأبستمولوجيا، وعلى الأرجح نوع جديد من الانتقاء الدارويني اللاجيني.

    أنا أعتقد أنّ الدين هو واحد من مجموعة من الظواهر التي تفسّر من خلال هذا النوع من الأبستمولوجيا اللاجينية، بالمزج المحتمل للانتقاء الدارويني اللاجيني. فإذا كنت محقاً، ليست للدين أيّ قيمة بقائية استمرارية بالنسبة للكائن البشري الفرد، أو بالنسبة لجيناته. أمّا الفائدة الوحيدة، إن كان ثمّة فائدة، هي للدين فحسب.

تمّ نشر هذه المقالة في:Free Inquiry Magazine. Volume 24.
 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق