ما الذى يجرى فى «إسلام أون لاين»؟ / عمرو الشوبكى

بات موقع «إسلام أون لاين» مهدداً بالإغلاق بسبب اعتراض جمعية البلاغ القطرية على بعض مواده، واعتبار مهنيته عيبا، وانفتاحه على المشكلات الاجتماعية عورة، ولأننا فى عصر المواقع التكفيرية والسلفية، فقد بات احتمال الأصوات المعتدلة وسط حراب التكفير الدينى والسياسى أمراً صعبا وغير محبب.

وقد جاء فى الخبر الذى نشرته صحيفة «الدستور» المصرية الأسبوع الماضى، حول المشاكل المتفاقمة بين مجلس إدارة الموقع وجمعية البلاغ القطرية الراعية والمشرفة عليه، وكيف أنها أدت إلى استقالة ثلاثة من المسؤولين عنه هم: توفيق غانم، رئيس مجلس إدارة الموقع، وهشام جعفر، رئيس تحرير المحتوى العربى، ومحمد زيدان، رئيس تحرير المحتوى الإنجليزى.

وبدا واضحا أن خط الجمعية القطرية السلفى والمتزمت، والذى تحفظ على الانفتاح والمهنية اللذين تميز بهما «إسلام أون لاين» بين كل المواقع الإسلامية، سببا رئيسيا وراء هذا القرار.

والمفارقة أن هذا الموقع الذى أثار حفيظة «البلاغ» يتمتع بنسب دخول عالية، وهو أمر يستحق التشجيع خاصة أننا فى مناخ يشهد انتعاشا لمواقع تكرس الانحطاط والطائفية والجهل والإباحية فى توليفة نادرة منسجمة تماما مع الواقع العربى.

ورغم أن الموقع وجّه أكثر من رسالة للشيخ يوسف القرضاوى، اعتبر فيها أن مواقع «إسلام أون لاين» المختلفة تمثل فكر الرجل وتحاول أن تطوره من خلال الاشتباك مع الواقع المعاش على اعتبار أن «الإسلام يشتبك مع كل نواحى الحياة وليس موقعاً وعظياً وتلقينيا بحتاً».

ودعا العاملون فى المؤسسة الشيخ القرضاوى، رئيس مجلس إدارة جمعية البلاغ الثقافية، وأعضاء مجلس إدارتها للقاء عاجل بمقر المؤسسة بالقاهرة «لطمأنتهم على توجه الإدارة الجديدة للجمعية، وتبديد مخاوفهم من اتجاه الموقع لخدمة أجندة غير واضحة».

وطالبوا بفتح قناة دائمة للحوار بين العاملين فى المؤسسة والإدارة القائمة عليها. كما طالبوا بتقديم ضمانات واضحة للحفاظ على حقوق العاملين المادية والمعنوية، ووضع حد لتهديدهم المبطن بالتسريح، عبر لجان التطوير. وأكدوا أن القلق على مستقبل «إسلام أون لاين» هو الذى دفعهم إلى ضرورة التنبيه والتحذير إزاء ما يرونه من مخاطر تهدد وسطية «إسلام أون لاين» وعالمية رسالته.

إلى هنا انتهى الخبر، وسرعان ما جرى تحويل رئيس تحرير الموقع هشام جعفر (الخبير السياسى والكاتب الصحفى المحترم) إلى عضو فى «مجلس خبراء» هدفه المعلن تطوير الموقع، والحقيقى هو إبعاده عن رئاسة التحرير.

والحقيقة أن كارثة ما جرى لـ«إسلام أون لاين» تكمن فى استهداف موقع نادر فى العالم العربى لدى جانب كبير من محرريه حساسيات فكرية ودينية لم تؤثر لا فى مهنيته ولا موضوعيته، وتلك حالة استثنائية فى العالم العربى، لأن كل حزب أو تيار سياسى أتيحت له فرصة أن يؤسس صحيفة أو موقعاً إلكترونياً، حولها إلى مطبوعة دعائية وسياسية فجة لهذا التيار أو ذلك الحزب، ويكفى أن نقارن بين موقعى «إخوان أون لاين»، و«إسلام أون لاين» لنكتشف الفارق المهنى الهائل بين الجانبين.

نفس الأمر يمكن أن ينسحب على مختلف مواقع التدين المغشوش من «إسلام الدعاة الجدد» و«النيولوك» والتى تتسم بالتفاهة والسطحية النادرة، على عكس ما نقرؤه فى الموقع الإسلامى المحاصر.

لقد قدم «إسلام أون لاين» مجموعة من المتابعات الخبية المحترمة والرصينة لكثير من الملفات الساخنة فى العالم العربى، وحتى القضايا الحساسة المتعلقة بالغرب وهموم المسيحيين العرب، ومسألة الشيعة ودفاعه عن قيمة المقاومة والعدالة والحرية، وكان لافتا فى موضوعيته واحترامه.

وأستطيع أن أجزم بأن ملفاً أعرفه جيدا مثل ملف المسلمين فى الغرب، وتحديدا قضية منع ارتداء الحجاب فى المدارس العلمانية الفرنسية، كان الموقع هو الأكثر مهنية واحترافية فيها بين المواقع الإلكترونية والصحافة المكتوبة على سواء، بما فيها الصحافة الحكومية أو تلك التى تسمى نفسها ليبرالية،

فقد حرص على أن يقدم لقرائه جانبا غائبا أمام الهتاف عن مؤامرات الغرب وكراهيته للإسلام، وهو كيف يعمل النموذج الفرنسى، وخصوصية خبرته التاريخية فى التعامل مع الدين ومع الكاثوليكية قبل أن يتعامل مع الإسلام والمسلمين، وكيف أن العلمانية الفرنسية اتخذت مواقف عدائية من الكاثوليكية على خلاف معظم البلدان الأوروبية الأخرى حتى وصفها البعض بأنها أصبحت «ديناً جديداً».

كما أن الموقع اقترب من موضوع الاحتقان الطائفى فى مصر بصورة رصينة ومهنية وإن شابها كثير من الحذر، ولكنه لم يسقط ولو لمرة فى مستنقع السجال الطائفى، وظل محافظا على وطنيته وحرفيته الشديدة فى التعامل مع هذا الملف، ونفس الأمر ينسحب على الشيعة، فلم يسقط فى تلك اللوثة المذهبية التى أصابت الكثيرين وخطاب الكراهية المتصاعد بين السنة والشيعة، فحاول أن يفهم إيران ويطل على تجربة حزب الله، وبدافع عن مبدأ المقاومة دون أن يكون مروجا لفصيل على حساب آخر ليزيد من عمق الانقسام الفلسطينى.

وتحدث عن دلالات فوز أوباما باحترافية ملهمة ولافتة، ورصد عاماً بعد أوباما بكل ما فيه من عجز عن تحقيق الكثير من الأحلام والوعود أيضا بحرفية ودون صراخ.

أما موقع «الإسلاميون» الذى يرأس تحريره واحد من أهم الكتاب الصحفيين الذين يعالجون ملف التيارات الإسلامية بمهنية واحتراف وهو حسام تمام، وهو الموقع الذى اتهم بأنه يروج للانقسام داخل الحركات الإسلامية، لأنه ببساطة سمح لآراء نقدية بأن تطل على صفحات الموقع بجانب المتابعة الصحفية اليومية لما يجرى داخل هذه الحركات من نجاحات وإخفاقات، وكان المطلوب أن يتحول الموقع إلى متحدث رسمى باسم هذه التيارات فيحولهم إلى ملائكة، أو بوق للحكومات فيحولهم إلى شياطين.

نعم «إسلام أون لاين» مثل أشياء كثيرة غائبة عن العالم العربى، فدفع ثمن مهنيته واحترافيته الشديدة، وياليت من يرغبون فى إغلاقه يعرفون قيمة هذه الكلمات، وربما إذا نظروا إلى جارتهم الإمارات وتأملوا التأثير الهائل الذى أحدثه الأداء المهنى لشرطة دبى فى تعقب جريمة الموساد، وكيف احترمهم العالم وأخذهم بجدية لأنهم فقط قاموا بواجبهم المهنى على أكمل وجه، وتعقبوا الجناة دون أن يقولوا خطبة عصماء واحدة ضد إسرائيل، إنما فقط فضحوها بأدائهم المهنى، لا بهتافاتهم السياسية.

وإذا عرفنا أن المهنية هى قيمة عليا غائبة فى العالم العربى، فسنكتشف لماذا نحن متخلفون، ولماذا يرغب البعض فى إطفاء واحدة من الشموع القليلة فى الإعلام العربى.

عن جريدة المصري اليوم – 4/3/2010

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق