ما الذي تبقّى من “الجمهورية الإسلامية” بعد 34 عاماً على الثورة؟ / حمّود حمّود

يُعزى التفريق بين شخصيتي “خميني باريس” و”خميني طهران” إلى أبي الحسن بني صدر، الرئيس الإيراني الأول بعد الثورة. حيث كان خميني باريس محاطاً بالمثقفين والاتجاهات الليبرالية والدينية المعتدلة، من صناع الثورة الإيرانية، ممن أعطوا للعالم الصورة الديموقراطية لدولة إيران المقبلة بعد الشاه، في حين أنّ خميني طهران لم يكن محاطاً إلا بالكهنوت المتشدد الذي نجح مع الخميني في صنع “كنيسة” (مؤسسة) سياسية قلّ نظيرها من بين كل أصوليات العالم.

المسافة التي تفصل خميني طهران عن خميني باريس ليست طويلة. إنّ الأربعة أشهر التي أمضاها الخميني في باريس قبل وصوله إلى طهران (في الأول من فبراير، 1979)، كانت ربما كفيلة، بالنسبة للكثيرين حينها، لرسم صورة وردية عن رجل مشرقي منفي يحلم بما ناضلت من أجله أمّ الأنوار، باريس، قروناً عدة للانتقال من الأنوار إلى الثورة إلى الجمهورية – الدولة. وربما كان ذلك عائداً إلى كثافة البيانات والوعود الديموقراطية التي قطعها الخميني على نفسه، فضلاً عن اللقاءات الصحافية التي أجراها في باريس (يقال أنه أجرى في هذه الفترة 450 حديثاً صحافياً!)، وذلك بالتزامن مع غليان الشارع الإيراني ضد دكتاتورية الشاه. إلا أنّ كل تلك الوعود الديموقراطية دُفنت تحت تراب “دفاتر باريس”. وقد أثبت الخميني فعلاً أنّ خميني باريس سيختلف تماماً عما سيكونه خميني طهران.

لكن عملياً ما أوضحه الخميني تالياً أنّ الفترة التي تفصل طهران عن باريس لا تقاس بالأشهر والسنين بل بالقرون. فالرجل كان مصراً منذ البداية على ناحيتين: الأولى، قيادة إيران ليس من العاصمة السياسية طهران، بل من مقر المركز الديني الأقوى: قم. وهذا ما مثل إشارة واضحة بما ستكون عليه إيران. والناحية الثانية، ما تبدى بإصراره على “شطب” لفظة الديموقراطية من قاموس طهران وإلى الأبد، كونها تتعارض مع القيم الإسلامية وتنتمي إلى قواميس الغرب و”الشيطان الأكبر”. وهذا كان من أوائل الطلقات التي أطلقها ليس فقط على طموح مهدي بازركان، رئيس الحكومة الأول، الذي كان مصراً من جهته على إدراج لفظة الديموقراطية إلى جانب “الجمهورية الإسلامية”، بل كذلك أيضاً على جسد إيران الثورة. هذا فضلاً عن الإجراءات الكثيرة التي اتخذها وعكفت مسار أهداف الثورة الأساسية. وفي واقع الحال، لم يكن الأمر في حالة إيران أنّ الثورة تأكل أبناءها، بل إنّ أصوليين كهنة هم الذين أكلوا الدولة والثورة.

الأصوليون الحاكمون إلى الآن في إيران ساروا على نهج الخميني من حيث إلغاء الديموقراطية قولاً وفعلاً. لكن في الوقت الذي يحتجون بذلك على انتماء مصطلح “الديموقراطية” إلى معسكر الإغريق، العدو التاريخي لهم، إلا أنهم لم يقدموا إلى الآن تفسيراً مقنعاً لماذا هم خضعوا لهذا المعسكر عندما استعاروا منه مفردة لكي يسموا بها جسدهم السياسي “الاستثنائي”، أي مفردة “الجمهورية”. هذا تناقض عجيب في الثيولوجيا السياسية الإيرانية لم يحله الإيرانيون إلى الآن. إنهم ليسوا مشغولين بحل هذا التناقض؛ بل هم مشغولون بالتفكير بأمور أخرى مثل قتل الكاتب البريطاني سلمان رشدي بسبب روايته “آيات شيطانية”! لهذا ليس من المستغرب سماع أنّ جزءاً من قادة إيران ما زالوا يفكرون إلى هذه اللحظة بمنطق الاغتيال والقتل لكي يحلوا قضايا المسلمين حول العالم، كما أوردت الأخبار منذ مدة حول “أسف” أحمد ذو القدر نائب قائد “الحرس الثوري” في طهران لامتناع بلاده عن تطبيق فتوى أصدرها الخميني عام 1989، بقتل رشدي: “لو قتلنا رشدي، لما أُنتجت أفلام تهين الإسلام الآن” (الحياة، 23 يناير، 2013).

لهذا، من الصعب الموافقة على مسائل تبحث تجربة الديموقراطية في إيران مع الأصوليين الحاكمين؛ ذلك أنّ هؤلاء هم أنفسهم بالأصل لا يقبلون باستحقاقات الاصطلاح الحداثية من أساسها. إنّ الشيء الوحيد الذي يكتب لهم أنهم صريحون في ذلك، على عكس الكثير من نظرائهم الأصوليين في بلاد العرب. وطالما أنّ الإيرانيين (الأصوليين تحديداً) الذين ابتلعوا الدولة منذ البداية يقدمون أنفسهم هكذا، أي “اللاديموقراطيين”، فإنه يصح القول بأنّ هذه الجمهورية قد ولدت منذ البداية من الناحية السياسية “عاريةً” من كل شيء إلا من اللباس الأصولي التقليدي، أي اللباس التوتاليتاري. وهذا هو اللباس الذي يكسو الجمهورية الإسلامية حتى اليوم. ولن تنجو إيران منه من دون ربيع ديموقراطي، يخلخل ويزيل البنى اللاحداثية والأرثوذكسية الحاكمة اليوم في طهران؛ وبخاصة أنّ إيران “الإسلامية” اليوم تعيش في مراحلها التأزمية الأشد، سواء أكان ذلك بسبب العقوبات الاقتصادية (وهذا ما دعى محمد خاتمي للتعبير عن خشيته من “استسلام” إيران أو “احتراقها ودمارها”، بسبب العقوبات الدولية) وتعاظم التأزم الداخلي وتوسع حركة الاحتجاج…الخ أو جراء وضعها الإقليمي المتأرجح بسبب احتمال خسارة حليفها الإقليمي، النظام السوري، ودخول العراق إلى خط المشهد العربي المضطرب. كل ذلك يضع إيران أمام احتمال قوي، بأنّ أبواب طهران لن تكون منيعة بما فيه الكفاية إذا هبت رياح التغيير عليها.

ما زالت إيران تمثل من بين معظم أنظمة العالم الآسيوية التوتاليتارية، البلد الإسلامي الوحيد الذي يمتلك شكلاً من أشكال الحكم الديني في العالم الإسلامي. إلا أنّه نقدياً، شكل حكم لا يمكن أن نقرأ عنه لا في الأدبيات “السلطانية” (سواء السنية أو الشيعية) ولا حتى داخل الأدبيات السياسية المعاصرة. وربما من الصحيح القول بأنه إذا كانت بلاد الإغريق هي فعلاً مهد الحكم التعددي الديموقراطي، فإنّ إيران في العصر الحديث هي استمرار الحكم الثيوقراطي لكن بحلل أصولية جديدة. إنها الأصولية التوتاليتارية التي دعت جون إيسبوسيتو وجون فول أن يكتبا مرة عن سجن إيفن Evin، هذا السجن الذي تغيّر سجّانوه، لكنه السجن الذي بقي هو هو، سواء في عصر الشاه (“ظل الله” على الأرض) أو في عصر الخميني (“روح الله” على الأرض): “إذا كان سجن إيفن، السيئ والرديء السمعة، قد أُفرغ من سجناء بهلوي (الشاه)، فإنه امتلأ مرة أخرى بسجناء الجمهورية الإسلامية”.

عن ملحق نوافذ – جريدة المستقبل

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق